انطلقت، أمس الأربعاء، بالرباط، أشغال المؤتمر العربي الخامس عشر لرؤساء أجهزة الحماية المدنية (الدفاع المدني)، الذي ينعقد على مدى يومين تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وبمشاركة مختلف الدول العربية وعدد من المنظمات العربية والدولية.
ينكب المشاركون في المؤتمر، الذي يندرج في إطار أنشطة الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب وتستضيفه وزارة الداخلية المغربية، على مناقشة نتائج تطبيق توصيات المؤتمر العربي الرابع عشر لرؤساء أجهزة الحماية المدنية، وتجارب الدول الأعضاء في مواجهة الكوارث، والمستجدات في أخطار تلوث البيئة وسبل مكافحتها، وكذا التطورات والمستجدات في أنشطة ومهام أجهزة الحماية المدنية العربية، ومكافحة الحرائق الغابوية، في ظل التطورات المناخية (التجربة المغربية كنموذج).
كما يبحث هذا اللقاء مقترح إبرام اتفاقية عربية للاستجابة للكوارث الطبيعية، ومجالات التعاون المقترحة بين الأمانة العامة للمجلس والأمانة العامة للمنظمة الدولية للحماية المدنية والدفاع المدني، فضلا عن الاستراتيجية العربية للحماية المدنية (الدفاع المدني) في صيغتها المحدثة.
وفي الكلمة الافتتاحية للمؤتمر، أكد الوزير المنتدب لدى وزير الداخلية، الشرقي الضريس، أن الكوارث والآفات أضحت اليوم أكثر من أي وقت مضى أشد دمارا وفتكا، كما بلغ التلوث، بشتى أنواعه وتمظهراته، مستويات متقدمة من الخطورة، مشددا على أنه أمام هذا الوضع، "أضحى من الضروري علينا جميعا بذل المزيد من الجهود وبلورة استراتيجيات فعالة وتوفير الموارد البشرية والمادية واللوجستيكية الضرورية قصد مواجهة هذه الأخطار والحد منها والحرص على الحفاظ على شعور الطمأنينة والأمان لدى مواطنينا".
وأضاف أن توفير الموارد وإعداد الاستراتيجيات لمجابهة الأخطار والآفات أمر أساسي لا محيد عنه، لكنه يبقى غير كاف للوقاية منها، ومن ثمة أضحى من اللازم اعتماد سياسة شمولية تضم مقاربة توعوية، من خلال تحسيس المواطنين بالأخطار المحدقة بهم، وحثهم على احترام القوانين والأنظمة المعمول بها لتفادي الآفات والتقيد بتوجيهات السلطات والأجهزة القائمة على مجال الحماية المدنية والدفاع المدني.
وشدد الضريس على أنه يتعين، من هذا المنطلق، تثمين العمل الذي تقوم به الأجهزة العربية المعنية بالحماية المدنية والدفاع المدني وتوطيد التعاون العربي القائم في هذا المجال وتطوير أدائه، من خلال المزيد من التضامن والتآزر والتنسيق، وكذا تعزيز قنوات الحوار والتشاور وتبادل الخبرات والنهل من التجارب الرائدة في هذا المجال.
وأبرز أن تدبير المخاطر في الظرفية الراهنة بات أولوية تنبني على التزام سياسي واضح قائم بالأساس على تعبئة مختلف الفاعلين المعنيين وعلى نهج مقاربة فعالة تتوخى الرفع من مستوى التلقائية السياسات القطاعية وتحيين النصوص القانونية، خاصة تلك المتعلقة بتدبير الكوارث والآفات.
كما ذكر الوزير بالتوجيهات السديدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس الواردة في الرسالة الملكية التي وجهها جلالته إلى المشاركين في الملتقى الدولي حول التغيرات المناخية المنظم من طرف المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية في 16 أكتوبر 2009 بالرباط، حيث قال جلالته "... يتعين إيجاد أقطاب للامتياز كفيلة بتنمية قدراتنا في التتبع والتوقع، ومن ثمة تطوير إمكاناتنا الاستباقية والتفاعلية خلال وضع برامجنا التنموية، كما ينبغي التحلي باليقظة اللازمة للقضايا المناخية والبيئية من خلال تعبئة المؤهلات المعرفية، الوطنية والدولية، وعبر تطوير قدراتنا في تقويم وتدبير المخاطر...".
وأشار الضريس إلى أن المغرب، وعلى ضوء هذه التوجيهات الملكية، قام بتعزيز قدرات جهاز الوقاية المدنية في مجال الحماية والإنقاذ عبر مده بتجهيزات وآليات متطورة وبمواصفات تستجيب للمعايير الدولية المعمول بها في هذا المجال، وتمت ملاءمة التكوين مع مستجدات الظواهر التي تسبب الأزمات والكوارث، سواء عن طريق التلقين المعرفي والعلمي أو عن طريق التداريب ومحاكاة التدخلات في الواقع.
وعلى مستوى السياسات العمومية، عملت المملكة، يضيف الوزير، على إدماج التعامل مع الأزمات والكوارث في جميع مخططات التنمية، من أجل تحقيق الكفاءة في توجيه الإمكانيات والموارد للتعامل مع الأزمات في جميع مراحلها والحد من تأثيرها على وتيرة التنمية، وقامت، بالموازاة مع ذلك، بإحداث صندوق لمكافحة آثار الكوارث الطبيعية بقيادة مؤسساتية تشترك فيها كافة القطاعات الوزارية والهيئات المعنية، بهدف تقديم الدعم المادي اللازم لتعزيز آليات المقاربة الاستباقية وتفعيل مبدأ الحكامة في تدبير المخاطر.
كما أبرز أن المغرب، ووعيا منه بأهمية التعاون الدولي في مجال تدبير الأزمات والكوارث، طور رؤية تتجاوز البعد الوطني إلى المستوى الإقليمي، عبر خلق شراكة فاعلة في إطار اتفاقيات إقليمية تشمل المنطقة المتوسطية وإفريقيا والعالم العربي، مذكرا بكون المملكة تترأس المكتب العربي للحماية والإنقاذ، وتحتضن تمارين المحاكاة الدولية المتعلقة بالطوارئ، وتشارك في جميع المبادرات الجهوية والآليات الدولية لتطوير أنظمة الإنذار المبكر والاستشعار البعدي لمواجهة الكوارث.
كما أكد استعداد المملكة التام من أجل وضع تجربتها في مجال تدبير ومواجهة الكوارث الطبيعية والآفات رهن إشارة البلدان العربية، خاصة بعد حصول الوقاية المدنية المغربية على شهادة التصنيف في مجال تدبير الكوارث والتي تمنحها الهيئة الدولية الاستشارية للبحث والإنقاذ.
من جهته، قال الأمين العام لمجلس وزراء الداخلية العرب، محمد ابن علي كومان، إن هذا المؤتمر ينعقد والتحديات التي تواجه الحماية المدنية العربية تتزايد يوما بعد يوم، مشيرا إلى أن المنطقة العربية، علاوة على التحولات التي تشهدها الكوارث الطبيعية، وتيرة وحدة، خاصة تلك المرتبطة بالتقلبات المناخية الناجمة عن الانحباس الحراري، تواجه تحديات أمنية كبيرة غير مسبوقة، تقتضي الاستعداد الدائم للتدخل في مناطق مختلفة.
وأشار، في هذا الصدد، إلى التفجيرات الإرهابية التي ازدادت حدتها في بعض الدول العربية في الآونة الأخيرة والتي تستدعي تدخل أجهزة الحماية المدنية لإنقاذ المصابين وإخلائهم وتقديم الرعاية الطبية العاجلة لهم، فضلا عن النزاعات المسلحة التي تشهدها بعض دول المنطقة والتي تخلف تبعات كبيرة خاصة على صعيد تزايد موجات النزوح والهجرة، مما يفرض جهودا إضافية لإيواء اللاجئين ورعايتهم.
وبعد أن أكد أن الأمر يتعلق هنا بتحديات جسيمة تفرض على أجهزة الحماية المدنية العربية التكيف مع هذا الظرف العصيب بتأهيل العنصر البشري واقتناء التجهيزات اللازمة وتعزيز التعاون العربي والدولي وتبادل التجارب والخبرات، قال كومان إن "وجودنا اليوم في المغرب العزيز سيتيح لنا الفرصة للاطلاع عن كثب على التجربة المغربية الرائدة في هذا المجال، سواء في تصنيف وحدات التدخل أو إنتاج المعدات أو أساليب التعامل مع الكوارث والحرائق".
ومن المنتظر ان يتوج المؤتمر العربي الخامس عشر لرؤساء أجهزة الحماية المدنية، الذي ستتواصل أشغاله غدا الخميس، بتوصيات ستتم إحالتها على الأمانة العامة تمهيدا لرفعها إلى الدورة المقبلة لمجلس وزراء الداخلية العرب، للنظر في اعتمادها.