إنها سقطة مريعة للعصابة التي تسير (البوليساريو)، تحت إمرة عرابها الجزائري. فالحقيقة، التي كشف عنها، أخيرا، تقرير للمكتب الأوروبي لمكافحة الغش، بعد "سبع سنوات من النسيان"، لا تترك أي مجال للشك في أن المساعدات الإنسانية المقدمة من قبل الاتحاد الأوروبي لسكان مخيمات تندوف فوق التراب الجزائري، يقع تحويلها بطريقة منظمة منذ سنوات عدة.
نقرأ في هذا التقرير، الذي أعد بناء على دراسة استقصائية أجريت منذ سنة 2003، أنه يجري، ضمن "عمليات مافيوزية "، تنفيذ عمليات تحويل المساعدات الإنسانية، التي هي موجهة أساسا للسكان المحتجزين في مخيمات تندوف. إنها تلاعبات واسعة النطاق لم يتوقف المغرب عن التنديد بها بصوت عال وقوي في جميع المحافل والمنتديات في العالم.
وحسب الحكمة الدارجة، فإن الوصول إلى الحقيقة قد يتأخر، ولكنها تنتهي دائما بكشف القناع. لذلك فإن التقرير يورد أسماء الأشخاص الواقفين خلف هذه التحويلات، التي تبدأ من ميناء وهران الجزائرية. وهنا يقع فرز التحويلات، الجيد والسيء منها، أمام أنظار السلطات الجزائرية، أي كل ما هو صالح للتحويل بلغة الجزائر-البوليساريو، من أجل إعادة بيعه في الأسواق، وضخ الأموال المترتبة عن ذلك في حسابات من أعطوا الأوامر.
ونقرأ في هذا التقرير، أيضا، أن عدد عمليات التحويل المذكورة، وتشابه الشهادات المتعلقة بأسماء الأشخاص الذين استفادوا من الخروقات، أو مختلف أشكال العمليات المستخدمة ومدة التحويلات، "لا تترك أي مجال للشك في أن الأعمال الاحتيالية المنظمة تنفذ منذ فترة طويلة."
وبالإضافة إلى هذه الحقيقة المرة المعروفة، أشار المكتب الأوروبي إلى أن "عدم سماح السلطات الصحراوية الولوج الحر لأعضاء المنظمات الإنسانية، الموجودين بالمكان، وعدم السماح بمراقبة السلاسل الخاصة باللوجستيك والتوزيع، وكذا وجود مستودعات سرية، تشكل عناصر تدعم الاستنتاج المستخلص في ما يتعلق بنية الغش والتلاعب في المساعدات".
وقال المكتب الأوروبي إنه، من خلال هذه التلاعبات، التي يشهدها الجميع وجرى التنديد بها مرات عدة، "نفهم اليوم على نحو أفضل لماذا لم توافق لا الجزائر ولا جبهة البوليساريو على تنظيم إحصاء لسكان المخيمات"، كما أن دعوات المغرب والمنظمات الدولية لإجراء هذا الاحصاء لا تجد آذان صاغية.
ويؤكد المكتب أن "من الأسباب التي جعلت هذه التحويلات متاحة، المبالغة في تقدير عدد اللاجئين، وبالتالي المساعدات المقدمة".
في هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي يقدم دعما ماليا لمخيمات تندوف منذ سنة 1975، استنادا إلى عدد السكان المقدر من قبل السلطات الجزائرية بحوالي 155ألف شخص. وابتداء من سنة 2005، أي سنتين بعد تحقيق المكتب، تقلص عدد اللاجئين إلى 90 ألف شخص.
وبعملية حسابية بسيطة، فإن كل دافع ضرائب أوروبي، حريص على استخدام وتوجيه الأموال الأوروبية، يمكن أن يحس في نهاية المطاف بدوار، فمنذ ما لا يقل عن ثلاثين عاما (1975-2005)، ذهبت عدة ملايين من الأورو، التي بدلا من أن تقدم كمساعدات للسكان المحتجزين، لتضخيم حسابات خارجية للمسؤولين في جبهة البوليساريو وأتباعهم.
وتظهر الدراسة التي قام بها المكتب، من بين أمور أخرى، أن المواد الغذائية الجيدة الموجهة للاجئين، مثل القمح الكندي "يتم استبدالها بما يعادلها جودة أقل من أجل إعادة بيعها"، وأن "المنتجات الحيوانية والدواجن الممولة من الدعم الدولي تباع ولا تعطى للاجئين"، وهي منتجات يمكن الحصول عليها بسهولة في أسواق الجزائر وموريتانيا ومالي.
وكشف المكتب، أيضا، أن "سجناء الحرب أو السلم هم الذين يستخدمون من أجل التعامل مع المساعدات وتشييد البنايات الممولة من المساعدات الدولية".
لقد كشفت تحقيقات المكتب أن هذه العمليات الممارسة في المخيمات مكنت منظمي تحويل المساعدات من تحقيق ثراء فاحش.
في هذا السياق، دعت جمعية أصدقاء الصحراء المغربية بإسبانيا إلى إحداث لجنة أممية من أجل التحقيق في تحويل مسار المساعدات الإنسانية الموجهة للسكان المحتجزين في تندوف، وتقديم المسؤولين عن هذه التلاعبات أمام العدالة الدولية.
كما حثت الأمم المتحدة والمفوضية السامية للاجئين على الضغط على السلطات الجزائرية من أجل قبول إحصاء سكان تندوف، تحت إشراف مراقبين دوليين، بغية تحديد بدقة عدد السكان، الذين يعيشون في هذه المخيمات المقامة فوق التراب الجزائري.
في هذا الصدد، قال رئيس الجمعية، رشيد فارس، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إن الاتحاد الأوروبي مطالب بوقف المساعدات الإنسانية المخصصة من طرف المفوضية الأوروبية للمحتجزين بتندوف بعد الحقائق التي كشف عنها تقرير حول تحويل مسار هذه المساعدات من طرف انفصاليي (البوليساريو) بتواطؤ مع السلطات الجزائرية.
وأبرز أن تقرير المكتب الأوروبي لمكافحة الاحتيال يؤكد ضلوع المسؤولين الجزائريين وقيادة (البوليساريو) في استغلال عدد المحتجزين من أجل الاستفادة من أكبر قسط من المساعدات الإنسانية بغية توجيهها نحو السوق السوداء على حساب السكان المحتجزين.
وذكر فارس بأن الجمعية التي يرأسها، حذرت في العديد من المناسبات المسؤولين الإسبان من الخروقات والتلاعبات التي تشوب الاستفادة من هذه المساعدات الإنسانية التي تبعث إلى سكان المخيمات من قبل العديد من الجمعيات الإسبانية، مشيرا إلى أن الصحراويين الفارين من تندوف والعائدين إلى المملكة كانوا سباقين إلى كشف عمليات تحويل مسار المساعدات التي يقوم بها قادة (البوليساريو) بتواطؤ مع المسؤولين الجزائريين.
وشدد على أن تقرير المكتب الأوروبي لمكافحة الاحتيال أظهر بجلاء أن سكان مخيمات تندوف ليسوا المستفيدين الحقيقيين من هذا الدعم الإنساني، ولكن الأصح أن المافيات الجزائرية وزمرة الجبهة الانفصالية هم المستفيدون منها.