رغم أنها رأت النور منذ سنوات، إلا أن البطولة الوطنية لكرة القدم النسوية ما تزال متواضعة للغاية، رغم أن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم حرصت على تشكيل لجنة خاصة بهذا النوع من المنافسات، وخصصت ميزانية لتسيير شؤون هذه البطولة.
العارفون بخبايا كرة القدم النسوية يصرون على أن الأمور تسير من سيء إلى أسوأ، ويكفي أن بطولة الشطرين متعثرة، ولا تقدم منتوجا رياضيا حقيقيا، يقنع المهتمين ويشجع على تسويقه.
مجموعة من الفرق حتى لا نقول أغلبها تعيش فقرا مدقعا، وكل أسبوع يضطر عدد من المسيرين إلى ما يشبه التسول لتوفير المبالغ المالية المطلوبة للتنقل إلى مدن أخرى وإجراء المباريات، وبالتالي حفظ ماء وجه الفرق التي يدافعون عن ألوانها، وأمكن القول إن فريق الجيش الملكي وحده ينعم بالصورة الحقيقية للاحتراف، إذ أن اللاعبات يمارسن في جو متميز، بعيدا عن كل المشاكل التي من شأنها أن تؤثر سلبا على المردودية.
في هذا الملف، وبمناسبة اليوم العالمي للمرأة، ارتأينا القيام بإطلالة على عالم كرة القدم النسوية، واستمعنا إلى رأي المسير والمدرب والحكمة واللاعبة، إذ اختلفت الآراء وتنوعت الاستنتاجات، لكن يكاد الكل يجمع على أن قطار هذا اللون الرياضي يسير ببطء شديد، حتى لا نقول إنه لا يكاد يتحرك من مكانه.
بعد أن خطف فريق برشيد الأضواء على مدى سنوات، وبعدما حصل شباب أطلس خنيفرة على نصيب من الإشعاع، شأنه شأن نادي بلدية العيون، ثم أيضا فريقا الوداد والرجاء البيضاويين، وإن كان ذلك بنسبة أقل، اتجهت أنظار متتبعي كرة القدم النسوية هذه السنة صوب نادي الجيش الملكي.
ويبدو أن مسؤوليه قرروا أن ينفضوا عنهم غبار التواضع، والتوجه صوب تشكيل فريق نسوي قوي، أولا لحصد الألقاب، وتمكين العاصمة من نصيبها من التتويجات، وثانيا لجعل الفريق العسكري مزرعة بكل ما للكلمة من معنى، يلجأ إليها الناخب الوطني لاختيار أفراد المنتخب الوطني.
ورغم أن التحول العسكري صوب الاهتمام بالفريق النسوي كان قبل أشهر قليلة جدا، إلا أن الحصاد يبدو أكثر من جيد، بدليل أن لاعبات الفريق العسكري أصبحن حديث كل من يتابع البطولة النسوية، وتحديدا الحصص الكبيرة التي يفوز بها الفريق، ما يعني أن المجهود الذي بذل قبل انطلاق البطولة أعطى ثماره.
بعد مرور 11 جولة من البطولة الوطنية، يحتل الفريق العسكري حاليا الصف الثاني في مجموعة الشمال، برصيد 30 نقطة، متخلفا بفارق نقطة واحدة عن شباب أطلس خنيفرة، الذي يبدو أن عاملي الخبرة والتجربة كانا كافيين لجعله يفوز بلقب الخريف.
غير أن الرقم المهم هو أن الفريق العسكري تمكن لحد الساعة من إحراز 81 هدفا، فيما دخل مرماه هدفان فقط، وهو رقم قياسي يحق للعسكريات التلذذ بطعمه، خصوصا أنه يؤكد أن الفريق يتوفر على خط هجوم ناري، ثم أيضا خط دفاع قوي، وحارسة مرمى من طراز رفيع.
ويدين فريق الجيش الملكي بهذا التحول إلى المجهود الكبير الذي بذلته إدارة النادي عندما تعاقدت قبل انطلاق الموسم مع 18 لاعبة بالتمام والكمال، منهن 15 لاعبة كلهن دافعن عن ألوان المنتخب الأول، و3 لاعبات حملن قميص منتخب أقل من 19 سنة.
وجرى توفير إطار تقني متمرس للاشتغال مع الوافدات الجديدات، لكن الأخبار الواردة من داخل المركز العسكري تؤكد أن نقطة القوة تكمن كثيرا في المعد البدني، الذي غير بشكل كبير صورة اللاعبات، وأعدهن بشكل جيد، إلى درجة أنه يصعب كثيرا على باقي الفرق الصمود في وجه العسكريات، اللائي يتمتعن بمؤهلات بدنية عالية جدا.
لأول مرة في تاريخ كرة القدم النسوية وقعت اللاعبات على عقود احترافية بكل ما للكلمة من معنى، وبشكل منتظم تتوصل اللاعبات برواتبهن الشهرية، كما تحصلن على منح الفوز.
وحسب الأخبار التي توصلت بها "الواحة الرياضية" أقل راتب شهري يصل إلى 2500 درهم، أما منح الفوز فلا تقل عن 600 درهم، وبالتالي هناك مدخول شهري محترم لجميع اللاعبات، اللواتي يستفدن من تداريب يومية عبر معسكر تدريبي مفتوح بالمركز العسكري، مع اهتمام كبير بجميع الممارسات، خصوصا على صعيد التطبيب، والتغذية، وكل ما يستفيد منه باقي الرياضيون الذكور.
على المستوى البعيد، يظل الهدف هو اكتساح الساحة الرياضية الوطنية والفوز بأكبر عدد ممكن من الألقاب، وعلى المدى المتوسط، ترغب لاعبات الفريق العسكري في الفوز بالازدواجية هذا الموسم (البطولة الوطنية وكأس العرش)، حتى يكون ذلك بمثابة هدية يقدمنها إلى المسؤولين الذين وفروا كل ظروف النجاح للفريق، أما على المدى القريب جدا، فجميع اللاعبات ينتظرن الجولة 14 لرد الدين لفريق شباب أطلس خنيفرة.
رغم أن فريق أطلس 05 لكرة القدم النسوية بمدينة الفقيه بنصالح يعتبر من أقدم الفرق التي تهتم بالعنصر اللطيف بجهة تادلة أزيلال، أو ربما أقدمها على الإطلاق، إلا أن المدينة أو جزء كبير منها على الأقل، لا تعترف بقيمة العمل الذي يبذله الساهرون على شؤون الفريق، ونادرا جدا ما يلتفت البعض لدعم الفريق.
ويقول محمد سلاك، رئيس الفريق العميري، "بكل صراحة، نستفيد من دعم المجلس البلدي، والمجلس الإقليمي، ومجلس الجهة. كما أن أبواب عامل الإقليم مفتوحة في وجهنا باستمرار. ليست هناك منحة معينة، لكننا نحصل على بعض الدعم، نضيف إليه منحة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ثم أيضا مبالغ أخرى نحصل عليها بمجهوداتنا الفردية، وفي الأخير نتغلب على المصاريف الموسمية، وننجح في البقاء بالبطولة الوطنية".
واعترف سلاك بأن قيمة المصاريف الموسمية لا تتعدى 40 مليون سنتيم، وأضاف بهذا الخصوص "نحن مطالبون بتوفير ما بين 30 و35 إلى 40 مليون سنتيم، قيمة المصاريف الموسمية.
علما أن لدينا 16 لاعبة كلهن يمارسن مع الفريق وفق عقود احترافية، أي أننا مطالبون بتوفير راتب شهري معين، إضافة إلى منح الفوز بعد كل مباراة، دون أن ننسى مصاريف التنقل والمبيت، حينما تكون المسافة طويلة".
وبخلاف فرق أخرى، يرفض سلاك انتقاد مستوى التحكيم أو الطريقة التي تدبر بها شؤون كرة القدم النسوية على الصعيد الوطني، ويقول "إذا اكتفينا فقط بانتقاد كل الأمور التي تحيط باللعبة، فأكيد أننا سنظل في مكاننا وقتا طويلا.
لا أقول إن التحكيم جيد بنسبة عالية، ولا أقول ليس هناك أخطاء على مستوى تدبير الأمور، لكن أعتقد أن الأخطاء أمر طبيعي في مسار العمل، و"من لا يعمل لا يخطئ"، لكن علينا أن نتعامل مع الأمور بكل ذكاء، وأن نساهم، كل من موقع مسؤوليته، في تلميع الصورة والرفع من قيمة الأداء.
بالنسبة لنا داخل فريق أطلس 05 فإننا نتعامل مع الكثير من الأمور بشكل عاد. نشارك في البطولة الوطنية من أجل تنشيط الساحة الوطنية.
نعترف بأننا لا نملك الإمكانيات العالية التي تسمح لنا برسم أهداف من حجم كبير، وبالتالي أعتقد أن المهم بالنسبة لنا هو كسب علاقات جيدة مع أفراد أسرة كرة القدم النسوية من مسيرين وحكام ومدربين ولاعبات، وهذه هي الغاية الأولى من الممارسة الرياضية".
ويرى سلاك أن العائق الكبير أمام فريقه في الوقت الراهن يبقى هو الخصاص المادي، ويضيف "حاليا لدينا 13 لاعبة من خارج مدينة الفقيه بنصالح، وكلهن إما تلميذات أو طالبات أو يشتغلن في قطاعات بمدن أخرى، وبالتالي من الصعب جدا حتى لا أقول يستحيل تجميعهن يوميا للاستفادة من حصص تدريبية، وبالتالي فهن يحضرن للمشاركة في مباريات نهاية الأسبوع، وبالطبع نحن مطالبون بتمكينهن من مصاريف التنقل.
حقيقة أننا نريد وضع دعائم فريق محترف، من خلال تجميع اللاعبات وتمكينهن من حصص تدريبية بشكل يومي، ثم التركيز على منافسات البطولة الوطنية، لكننا عاجزون عن تحقيق ذلك في الوقت الراهن.
ربما يحدث ذلك مستقبلا، خصوصا أننا نشتغل حاليا على مشروع إعادة فتح أبواب مدرسة النادي، من خلال تكوين الفتيات القادمات من الألعاب المدرسية، علما أن نجاح هذا المشروع يبقى رهينا هو الآخر بالإمكانيات المادية. نأمل في الحصول على محتضن أو محتضنين لدعمنا في مشاريعنا، بعدما طرقنا مجموعة من الأبواب ووضعنا ملفات بهذا الشأن".
يبدو أن آخر ما يمكن للجمهور الرياضي التفكير فيه هو الذهاب لمشاهدة مباريات خاصة بالفرق النسوية المغربية، إذ تجرى مختلف المباريات في ملاعب شبه فارغة، اللهم من حضور عشرات الفتيات، اللواتي هن عبارة عن لاعبات أو أفراد من عائلة هذه اللاعبة أو تلك.
نهاية الأسبوع الماضي، وتحديدا بملعب تيسيما في مدينة الدارالبيضاء، لم نبالغ إذا قلنا إن حوالي 30 من أفراد الجمهور تابعوا أطوار مباراة الرجاء البيضاوي وضيفه فريق عين عتيق، علما أن أبواب الملعب كانت مفتوحة على مصراعيها.
مجموعة من اللاعبات تابعن المباراة من المدرجات الإسمنية المتسخة، التي يبدو أن القائمين على شؤون الملعب لم ينظفوها منذ أشهر عدة، بل وحتى منذ سنوات. وبين الفينة والأخرى كانت تتعالى بعض الأصوات، إما لانتقاد أداء هذا الفريق أو ذاك، أو لتشجيع لاعبة قدمت إحدى اللوحات الممتعة.
علما أن المهاجمة الرجاوية مريم وحدها استحقت الثناء من المتفرجات القليلات، بعدما أبدعت وأمتعت وأحرزت هدفا في شباك عين عتيق، غير أنه لسوء حظها لم يكن كافيا لتفادي الهزيمة (1-2).
قالت مصادر لـ "الواحة الرياضية" إن هناك 23 حكمة تابعة لمختلف العصب الجهوية، من بينهن 6 حكمات وطنيات، وحكمتان دوليتان، وهي أرقام كلها تحققت في ظرف وجيز، بعدما فتحت العصب الجهوية أبواب مدارس التحكيم في وجه العنصر النسوي، وشجع عدد من الحكام المتقاعدين بعض الفتيات على صقل مواهبهن في ميدان ظل لسنوات حكرا على الذكور فقط.
وحسب المصادر ذاتها، هناك 4 حكمات بمدينة الدارالبيضاء، والرقم نفسه في مدينة آسفي، ثم أيضا في مدينة وجدة، و3 حكمات بعصبة الغرب، و3 بعصبة تانسيفت، ثم حكمتان من مدينة فاس، وحكمتان من عصبة تادلة، وأخيرا حكمة واحدة بمدينة أكادير.
وعلى غرار الذكور، تستفيد الحكمات من فترات تكوين، سواء داخل العصب التي تنتمي إليها، من خلال البرامج التي وضعت بهذا الشأن ضمن ما يعرف بالتكوين المستمر، أو عبر اللقاءات الدورية، التي تنظمها اللجنة المركزية للتحكيم على الصعيد الوطني.
وإذا كانت العنصر النسوي المغربي أثبت كفاءته في أكثر من مناسبة، بدليل أن الحكمة الدولية المغربية سعاد أولحاج حظيت بشرف المشاركة في نهائيات كأس أمم إفريقيا، وبطولة العالم، إضافة إلى الأولمبياد الأخير، إلا أن المقابل المادي بعد قيادة مباريات البطولة الوطنية النسوية ما يزال يقلق راحة الممارسات.
فحكمة الوسط لا تتجاوز مبلغ 400 درهم عن المباراة الواحدة، مقابل 200 للحكمات المساعدات، إضافة إلى مصاريف النقل، التي تؤدى عادة حسب المسافة التي قطعتها كل حكمة، علما أن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أخذت على عاتقها أداء واجبات التحكيم نيابة عن الفرق.