اللاعبون يتساقطون تباعا في المغرب وعلى الصعيد الدولي

الوفاة المفاجئة...ترتجيديا الملاعب

السبت 10 نونبر 2012 - 08:43

في بعض الأحيان تتحول الفرجة الكروية إلى مشهد درامي، يحبس الأنفاس وتقشعر له الأبدان

فحين يفارق لاعب الحياة أمام الملأ وبمتابعة من الملايين خلف الشاشة، ندرك أننا أمام فاجعة تطرح الكثير من التساؤلات، مثلما تعيد إلى الأذهان أن هذه المهنة لها أخطارها الخفية، التي تظهر على حين غرة لتختطف هذا اللاعب أو ذاك.

صدم المغاربة حين رأوا يوسف بلخوجة ممددا دون حراك فعلى أرضية ملعب محمد الخامس، في ديربي البيضاء أمام عشرات الآلاف من مشجعي الوداد والرجاء، ليتضح أن أزمة قلبية ألمت باللاعب دون سابق إنذار، وتكرر الأمر نفسه أخيرا مع جواد أقدار، لاعب حسنية أكادير، وقبلهما شاءت الأقدار أن تختطف لاعبا توقع له الجميع أن يصبح نجما في سماء الكرة المغربية هو عادل التكرادي، الذي سلم الروح لبارئها في إحدى الحصص التدريبية لأولمبيك خريبكة، ولف الغموض أيضا وفاة لاعب الرجاء زكرياء الزروالي.

وسواء تعلق الأمر بأزمة قلبية أو بأحد الأمراض المؤدية إلى الوفاة، تبقى التساؤلات مطروحة حول نجاعة المراقبة الطبية وكيفية تفادي مآسي أخرى، إذ سجل الاتحاد الدولي لكرة القدم أن 84 لاعبا بمختلف أنحاء العالم توفوا بأزمات قلبية مفاجئة أثناء المباريات أو التدريبات، خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، أي منذ 2007.

هذه الأعداد المرتفعة باطراد أدت إلى فرض الفيفا تقديم شهادات طبية لجميع اللاعبين، خلال نهائيات مونديال 2006 بألمانيا، بهدف استبعاد خطر تعرضهم لأزمات قلبية، وهو أمر لم يكن متبعا في البطولات السابقة، ما يعني أن الفيفا بدأ يستشعر الخطر الذي يحدق بالرياضيين ومنهم لاعبو كرة القدم المحترفون، على اعتبار أن أي لاعب كرة محترف في العالم يقع تحت مسؤوليته.

ويذهب الدكتور أمين الدغمي، المتخصص في الطب الرياضي وفيزيولوجية الرياضة، إلى أن أسباب الظاهرة متعددة، ولا تقتصر على المغرب فقط، وتجنب الأزمات القلبية المفاجئة تمر بالضرورة من خلال وسائل الوقاية، سواء بالنسبة للمحترفين أو الناس العاديين، وفي حوار مع "المغربية" يوضح أن الظاهرة يمكن أن تحدث أثناء أو بعد المباراة أو التداريب، لذلك يجب على الطاقم الطبي ألا يغادر الملعب قبل أن يغادر جميع اللاعبين، لأنه طبيا يمكن أن تفاجئ الأزمة القلبية اللاعب ساعة بعد الممارسة، كما أن سيارة الإسعاف ملزمة بعدم مغادرة الملعب قبل مغادرة جميع اللاعبين، ناهيك عن التجهيزات الضرورية التي يجب أن تتوفر.

الملف الطبي المتكامل يعود إلى الواجهة

إبراهيم شخمان - مباشرة بعد رحيل لاعب حسنية أكادير جواد أقدار طفا على السطح الحديث عن الملف الطبي للاعبين الذي وضعته جامعة الكرة، ضمن دفتر التحملات التي فرضته على الفرق لدخول مرحلة الاحتراف، تنفيذا لتوصيات الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا، خصوصا أن سجل الكرة المغربية حافل بحالات الموت المفاجئ، أشهرها حالة يوسف بلخوجة، الذي فارق الحياة أمام جماهير الديربي. فضلا عن عزيز التكرادي لاعب الجيش الذي توفي في إحدى الحصص التدريبية، وزكريا الزروالي الذي ظلت أسباب وفاته غامضة.

وشدد محمد عبور، مختص في الطب الرياضي وطبيب سابق في الوداد البيضاوي، على ضرورة إخضاع كل لاعب للفحوصات الطبية التي تؤكد سلامته البدنية، وعدم معاناته بعض المشاكل الصحية، التي قد تتسبب في موته فجأة.

ويعتبر محمد عبور أن تكرار هذا النوع من الوفيات يعيد فتح مسألة الملف الطبي، الذي لديه قواعد يعرفها جميع الأطباء المختصين في الطب الرياضي، خاصة الذين يشتغلون في الأندية، مشيراً إلى أن الملف الطبي المتكامل يبدأ بالكشوفات السريرية، ثم البيولوجية، وبعدها الفحوصات المتعلقة بالقلب والشرايين، بما فيها التخطيط الكهربائي للقلب، وغيرها من الفحوصات.

وأوضح المتخصص في الطب الرياضي أن هذه الفحوصات تظهر سلامة جسم الممارس في حالة الراحة وفي حالة القيام بأقصى مجهود، مبرزا أنها تساعد في كشف بعض الأمراض، التي ربما لا تظهر بالكشف السريري.

وذكر أن هذه الفحوصات تمكن الطاقم الطبي من الخروج بقرار بخصوص ما إذا كان الممارس قادراً جسديا ونفسيا وعقليا على اللعب، أم لديه عاهة أو علامة تؤشر على مرض يمكن أن يعيقه عن الممارسة الرياضية، موضحاً أن الملف الطبي ينجز في أول السنة، ولا يجب أن يحصل اللاعب على رخصة الممارسة، إلا بعد ظهور النتائج، مضيفا أنه يجب تتبع اللاعب في ما يخص تغذيته، وإرشاده لكيفية التعامل مع بعض الأمراض العادية التي تصيب الجميع.

وكشف عبور أن هناك بعض الحالات الاستثنائية، التي ورغم إجراء الفحوصات يأتيها الموت المفاجئ، الذي يكون سببه غير معروف، إلا أنها حالات نادرة تكون غالبا ناجمة عن مشاكل جينية في القلب.

رياضيون ماتوا في ريعان شبابهم

مصطفى الضابي - طفت إلى السطح في السنوات الأخيرة ظاهرة وفيات الرياضيين في ظروف يلفها الكثير من الغموض، وظلت جثامينهم ملفوفة بعدة أسئلة لم يجد لها المسؤولون أي جواب مقنع.

مات التكرادي، أثناء مشاركته في حصة تدريبية، ولقب بلخوجة بشهيد "الديربي" بعد وفاته في المباراة الأشهر في الكرة المغربية بين الوداد، فريق الفقيد، والغريم نادي الرجاء، الذي سيفقد بدوره عشر سنوات بعد وفاة بلخوجة، لاعبه زكرياء الزروالي، الذي فارق الحياة بعد سيناريو درامي استأثر فيه الفقيد باهتمام جميع المغاربة وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة في إحدى مصحات العاصمة الاقتصادية، لم تتوقف الظاهرة عند الزروالي، إذ سنة بعد ذلك سيضاف جواد أقدار، لاعب حسنية أكادير، إلى قائمة لاعبي الكرة الذين سيودعون هذه الدنيا في ظروف عصيبة.

العديد من الرياضيين فارقوا الحياة وسط غموض، وظلت حكايات موتهم أشبه بألغاز "هيتشكوكية" زادها الاجتهاد في الرأي تعقيدا، ونظرا للتكتم الذي أحاط بالعديد من الحالات، فإن الزمن عجز عن كشف تفاصيل جديدة، ما خلق تربة خصبة لتنامي الشائعات، فمن رحم التعتيم تولد الإشاعة.

عادل التكرادي .. وافته المنية في التداريب

التاريخ يشير إلى يوم الأربعاء الخامس من نونبر من سنة 1997، المكان ملعب الفوسفاط بمدينة خريبكة، حيث كانت عناصر الأولمبيك تجري حصة تدريبية عادية تحت قيادة الإطار الوطني مصطفى مديح، وفي غفلة من الجميع سقط قلب الهجوم على أرضية الملعب، وبعدما تيقن الجميع من أن الأمر غير طبيعي عملوا على وجه السرعة على استدعاء سيارة الإسعاف، بحكم أن سيارة الإسعاف لا ترابض بجنبات الملعب خلال الحصص التدريبية، وفي طريقه إلى المستشفى توقف نبض قلب التكرادي، وغادر الدنيا دون رجعة.

لم يكن عادل التكرادي، يشكو من أي مرض حسب شهادات مقربيه وأفراد عائلته، وبشهادة عشق الفرق التي كان يلعب لها وكذلك زملاؤه، فإن عادل كان يتمتع بلياقة بدنية قوية.

التشريح الأولي الذي خضع له اللاعب قبل دفن جثمانه، سجل في التقرير الطبي الذي أرسل إلى الجهات المسؤولة، أن وفاة اللاعب كانت بسبب توقف نبضات القلب، مما ترك أكثر من علامة استفهام حول مصداقية الكشوفات الطبية التي خضع لها عادل في أكثر من مصحة، قبل انضمامه إلى معهد مولاي رشيد، حيث خضع اللاعب لكشف أكد سلامته من كل الأمراض، وقبل الالتحاق بالفتح والجيش ومعسكرات المنتخب الوطني، التي شارك فيها في أكثر من مناسبة.

ولد عادل التيكرادي بتاريخ السابع من مارس سنة 1976 بخريبكة، التحق بعد حصوله على شهادة الباكلوريا، بمعهد مولاي رشيد تخصص كرة القدم، لعب الراحل بداية من موسم 1990/1991 في فئة الفتيان، ثم انضم إلى منتخب عصبة تادلة، وبعد أربع سنوات وجد نفسه على عتبة المنتخب الوطني وتحديدا سنة 1995، كما أعير لفريق الفتح الرياضي بحكم ارتباطه بالدراسة حيث كان على وشك إنهاء مساره والحصول على دبلوم السلك العالي للرياضات بالمعهد الملكي لتكوين الأطر بالرباط تخصص كرة القدم، وخلال عام 1996 أعير ثانية لفريق الجيش الملكي، وبعد التحاقه بناديه الأصلي أولمبيك خريبكة، كما أبدت عدة أندية أوربية من هولندا، وألمانيا، رغبتها في ضمه إلى صفوفها، لكن القدر كان يخفي أمرا آخر.

يوسف بلخوجة .. شهيد "ديربي"

سيظل تاريخ 29 شتنبر من سنة 2001 وشما راسخا لا يمحوه الزمن، بذكرى أليمة في تاريخ "الديربي" البيضاوي، كيف لا وهو يؤرخ فقدان اللاعب يوسف بلخوجة، أول حالة وفاة تسجل في الملاعب المغربية.

المناسبة كانت نصف نهائي كأس العرش بين الغريمين التقليديين، ورغم فوز الوداد إلا أن الحزن خيم على جماهيرها، ففي الدقائق الأولى من المباراة سقط اللاعب الدولي الشاب يوسف بلخوجة مغمى عليه، ما استدعى تدخل الطاقمين الطبيين للفريقين، قبل الاستنجاد بسيارة الإسعاف وحمل اللاعب بسرعة للمستشفى، لكن القدر لم يمهله كثيرا ليفارق الحياة مخلفا أسفا وحزنا عميقا في نفوس لاعبي وجماهير الفريقين، ليتحول يوسف بلخوجة، شهيدا الديربي البيضاوي للأبد.

يوسف بلخوجة من مواليد مدينة القنيطرة سنة 1976، داعب الكرة مع أصدقاء الحي ولما اشتد عوده التحق بالفئات الصغرى لفريق النادي القنيطري، حيث اكتسب الثقة وطور إمكانياته، لكن انتماء "الكاك" لأندية القسم الثاني، كان يشعر اللاعب بالضيق كون الأمر يحد من طموحاته، إلا أن تأتى له اللعب على أكبر مستوى وطنيا بعدما حمله بادو الزاكي، للعب بالوداد البيضاوي موسم 1999-2000.

خدمت الظروف بلخوجة، حين احترف عادل الشبوكي في الدوري الليبي، فتحول يوسف للاعب رسمي لا غنى عنه وسط دفاع الوداد رفقة محمد بنشريفة، كان لاعبا مميزا وفنانا حقيقيا ذو أدوار متعددة فقد لعب الفقيد في كل مراكز الدفاع وفي وسط الميدان كذلك، ما فتح أمامه الأبواب للعب ضمن صفوف المنتخب المغربي سنة 2001، لعب لقاءين ضد كل من الغابون، وكينيا، وكان يستعد للانضمام لمعسكر الأسود لكن القدر لم يمهله ففارق الحياة فوق المستطيل الأخضر وفي أهم مواعيد الكرة المغربية، حمله للقميص رقم 19 جعل جماهير الوداد تحيي ذكراه مع كل "ديربي"، عبر رفع قميص كبير للوداد يحمل رقم 19.

جواد أقدار .. آخر ثماني دقائق

أسلم جواد أقدار الروح لبارئها السبت 20 من أكتوبر المنصرم، على الساعة العاشرة و46 دقيقة عن عمر يناهز 28 عاما، ساعات قليلة بعد مشاركته في المباراة التي جمعت فريقه حسنية أكادير بضيفه فريق النادي القنيطري.

وكشف الناطق الرسمي باسم فريق حسنية أكادير أن المهاجم جواد أقدار توفي بسبب سكتة قلبية وهو يسوق سيارته، مؤكدا أنه بالرغم من جميع محاولات الإنعاش التي أجراها طاقم طبي بإحدى مصحات أكادير، وكان الفقيد، الذي لعب الدقائق الثمانية الأخيرة من عمر مباراة الحسنية والكاك بملعب الانبعاث بأكادير، عن الجولة الخامسة من البطولة الوطنية للمحترفين، آخر من غادر مستودع الملابس رفقة صديقه عز الدين حيسا.

وحسب الناطق الرسمي للفريق السوسي، فإن اللاعبين استقلا بعد ذلك سيارة أجرة ليلتحقا بالفندق، الذي كان يقيم به الفريق السوسي خلال تربص ما قبل المباراة من أجل استلام سيارة الفقيد التي كانت مركونة بمرآب الفندق.

وكشف المصدر ذاته أن الراحل هو من كان يسوق السيارة على طول شارع محمد الخامس وأن زميله "عز الدين هو من تدخل ليوقف السيارة متفاديا حادثة سير.

وبعدما أعرب البلاغ عن "أحر التعازي" لأسرة الفقيد باسم جميع مكونات الفريق السوسي٬ ذكر أن الراحل "كان رجلا متميزا بكل المقاييس وكان سعيدا بالعيش في أكادير التي استقبلته بذراعين مفتوحين".

المرحوم جواد أقدار (28 سنة) بدأ مساره الكروي في فريق أولمبيك خريبكة، ودرج بجميع فئاته العمرية ليلتحق بفريق الكبار وعمره لم يتجاوز 17 سنة، قبل أن ينضم لنادي الرائد السعودي ومنه انتقل لفريق الجيش الملكي، ثم فريق حسنية أكادير، الذي وقع في كشوفاته بداية الموسم الجاري، علما أنه سبق له حمل قميص المنتخب الوطني الأول في عهد المدرب الزاكي وسنه لا يتجاوز 20 سنة، وكان له الفضل في تسجيل هدف التأهيل للمونديال الإفريقي بتونس.

زكرياء الزروالي .. الموت الغامض

فارق زكرياء الزروالي الحياة عن عمر يناهز 33 عاما، وكان ذلك يوم الاثنين 3 أكتوبر من السنة الماضية (2011)، بعد صراع قصير مع عوارض تسمم دوائي ألم به وأثر بشكل كبير على كبده، وحسب الطبيب الذي كان يشرف صحيا على حالة اللاعب، أشار إلى أن وفاة اللاعب جاءت في وقت تجري الاستعدادات لنقله على وجه السرعة إلى الخارج من أجل معالجته، بحيث لم يتمكن الأطباء من تشخيص مرضه بشكل مبكر، بسبب تركيزهم على احتمالات إصابته بمرض فيروسي عقب المباراة التي لعبها فريقه في الكاميرون، وقال "يبدو أن الزروالي تناول علبة كاملة من الدواء المهدئ، في أقل من يومين، وهو ما لا يستطيع أي جسد آدمي تحمله".

رقد الراحل في غرفة الإنعاش في إحدى مصحات مدينة الدارالبيضاء بعد أن نقل إليها على وجه السرعة، بعدما دخل في غيبوبة نتيجة نزيف حاد في الجهاز الهضمي على مستوى الكبد.

وتبين بعد الفحوص الدقيقة أن الأمر يتعلق بفيروس كبدي لم تتحدد طبيعته، وخضع اللاعب لعلاجات دقيقة ومكثفة، وتوافد على المصحة مئات من مناصري نادي الرجاء، خاصة بعد علمهم أن نجمهم فقد كمية هائلة من الدم نتيجة النزيف الحاد وقد يحتاج لتغذية بالدم.

ولم يجر الكشف عن مسببات هذا المرض الذي داهم لاعبا خاض آخر مباراة للرجاء في غاروا أمام القطن الكاميروني في الجولة 5 من دوري المجموعات بدوري أبطال إفريقيا، وجرى نفي أن يكون زكرياء الزروالي تعرض للإصابة بأي وباء خلال الرحلة الإفريقية.
ولد زكرياء الزروالي بمدينة بركان في 24 ماي 1978، لعب لنادي مولودية وجدة موسم 2004/2005 ثم انتقل إلى نادي الرجاء الرياضي، الذي لعب له إلى غاية وفاته كما سبق له اللعب للمنتخب المغربي الأول في مبارتين.

أمين الدغمي: لا نتوفر على شروط ممارسة رياضية سليمة

حاوره: ابراهيم شخمان - طبيا يمكن أن تفاجئ الأزمة القلبية اللاعب ساعة بعد الممارسة لذلك يلزم بقاء اللاعبين في مستودعات الملابس ساعة على الأقل بعد نهاية المباراة

يجب أن يتوفر كل لاعب على ملف طبي متكامل منذ ولوجه عالم الكرة في الفئات العمرية الصغيرة يتضمن المعطيات البيولوجية والراديولوجية والكلينيكية وكل ما يتعلق بالتلقيحات

قلب الرياضي أكبر من قلب الإنسان العادي ويستطيع أن يضخ كميات مضاعفة من الدم لكن حجمه هذا يضغط على الشرايين المحيطة به ويعرقل عملها ما يتسبب في الخفقان الضعيف غير المنتظم الذي يؤدي إلى الموت المفاجئ

قال الدكتور أمين الدغمي، المتخصص في الطب الرياضي، وفيزيولوجية الرياضة، إن الموت المفاجئ للاعبين ظاهرة كونية في كل ملاعب العالم ولا تقتصر على منطقة دون أخرى، وأضاف مدير المركز الطبي لنادي اتحاد الفتح الرياضي، وطبيب المنتخبات الوطنية للريكبي، في الحوار التالي، أن أسباب الظاهرة متعددة، ولا يمكن أبدا ربطها بتناول المنشطات أو الشيشا، كما أشار إلى ذلك العديد من المتتبعين بعد وفاة لاعب حسنية أكادير جواد أقدار، مشيرا في الوقت ذاته إلى غياب فضاء صحي لممارسة الطب الرياضي في المغرب، لافتا النظر إلى ظاهرة هجرة الأطباء إلى الخليج العربي وخصوصا نحو مركز "أسباير" بقطر، الذي رحلت إليه العديد من الخبرات الطبية في الآونة الأخيرة.

الموت المفاجئ في الملاعب الوطنية أصبح ظاهرة بعد وفاة عدد من اللاعبين كان آخرهم الراحل جواد أقدار، هلا قربتنا أكثر من الظاهرة؟

الموت المفاجئ هو توقف غير نهائي لضربات القلب، إذ يظل قلب الرياضي ينبض بوتيرة منخفضة غير منتظمة، ويمكننا إنقاذه إذا ما توفرت الظروف والشروط والوسائل للتدخل في الوقت المناسب، لكن الأهم من ذلك كله، هو وقاية اللاعب أو الرياضي من أن تصيبه أزمة قلبية في بداية مساره كمحترف للكرة مع النادي، وعموما يبقى الموت المفاجئ ظاهرة عالمية لا تقتصر على بلد دون آخر، يختطف الرياضيين المحترفين من مستوى عال وأيضا الهواة وحتى الناس العاديين، الذين يمارسون الرياضة في الحدائق العمومية، والإحصائيات في هذا المجال كثيرة، ففي فرنسا مثلا يصاب عدد هائل من الرياضيين بأزمات قلبية أثناء أو بعد ممارستهم للرياضة، لكن أغلبهم ينقذون بفضل توفر الشروط المناسبة، وأقل من واحد في المائة منهم يموتون.

الحديث عن الموت المفاجئ في صفوف الرياضيين ولاعبي الكرة على وجه الخصوص، لم يظهر على السطح إلا أخيرا، لماذا في رأيك؟

فعلا، العالم بأسره لم ينتبه إلى هذه الظاهرة إلا في سنة 2000 حين توفي اللاعب الكاميروني مارك فيفيان فوي، في مباراة أمام المنتخب الفرنسي برسم كأس القارات، إذ تابع 80 ألف متفرج كانوا حاضرين في الملعب، وأزيد من ملياري متفرج عبر الشاشات، بذهول كبير اللاعب الكاميروني، صاحب البنية الجسمانية القوية، وهو يلفظ أنفاسه أمام عجز الطاقم الطبي، بعد هذه الحادثة، بدأ الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا" والهيئات الرياضية الدولية، تشترط وجود وسائل وظروف للوقاية من تكرار الحادثة، وهنا يظهر دور الطب الرياضي، الذي يجب أن يدلي بدلوه ويكون حلقة أساسية في الموضوع، وهناك حالات عديدة وقعت في العالم مثل الهادي برخيصة في تونس، ومحمد عبد الوهاب في مصر، وباروس بالبرتغال، وغيرها من الحالات. في أوروبا وبقية العالم، مع مرور الوقت تطورت الممارسة الرياضية لتصل مستوى كبيرا من الاحتراف يتطلب جهدا كبيرا من أجل تجاوز الإنجازات السابقة، وتجاوز القدرة البشرية، وهو ما يرفع من احتمال الإصابة بأزمات تؤدي إلى الوفاة المفاجئة للاعبي الكرة.

ما هي الشروط والوسائل التي من شأنها ان تقي اللاعب من أن يذهب ضحية للظاهرة؟

في المغرب هناك حالات متعددة، أشهرها وفاة يوسف بلخوجة، لاعب الوداد البيضاوي، في الديربي، وعادل التكرادي، لاعب أولمبيك خريبكة، في مستودعات الملابس، وزكرياء الزروالي، لاعب الرجاء، فضلا عن جواد أقدار، دون أن ننسى أحد لاعبي فئة الأمل بأكادير.

أولا الظاهرة يمكن أن تحدث أثناء أو بعد المباراة أو التداريب، لذلك يجب على الطاقم الطبي ألا يغادر الملعب قبل أن يغادر جميع اللاعبين، لأنه طبيا يمكن أن تفاجئ الأزمة القلبية اللاعب ساعة بعد الممارسة، لذلك يجب على اللاعبين البقاء في مستودعات الملابس ساعة على الأقل بعد نهاية المباراة، كما أن سيارة الإسعاف ملزمة بعدم مغادرة الملعب قبل مغادرة جميع اللاعبين، ناهيك عن التجهيزات الضرورية التي يجب أن تتوفر والتي سنتطرق إليها لاحقا.

كما أن الناس العاديين يمكن أن تنتابهم أزمات الموت المفاجئ أثناء ممارستهم للرياضة في الفضاءات الرياضية، فمثلا سجلنا حالات عديدة توافدت على مستشفى ابن سينا المتعدد التخصصات بالرباط، إذ مات ثمانية أشخاص العام الماضي كانوا يمارسون الرياضة في الفضاء الرياضي المحاذي للمستشفى، وجرى إنقاذ العديد منهم لحسن الحظ، فكما سبق لي أن أشرت، الناس العاديون ليسوا في منأى عن الإصابة بالموت الفجائي.
وأريد هنا أن أشير إلى أن الظاهرة غير مرتبطة ببلدان غنية او فقيرة، فالظاهرة عامة وكونية ولا يمكننا أن نلصقها بالمغرب لأنه بلد غير متطور طبيا، أو حسب الكلام الذي سمعناه بعد رحيل اللاعب أقدار.

ألا يمكننا توجيه اللوم إلى التقصير في الكشف المبكر عن ضعف القلب مثلا لدى اللاعب، أو بعض الممارسات كتعاطي الشيشة أو المنشطات وغيرهما؟

أقدار مر بمختلف الفئات العمرية للمنتخبات الوطنية، لعب بالعديد من الأندية، في مقدمتها الجيش الملكي، الذي يتوفر على مركز طبي يمكن اعتباره الأفضل في القارة، فضلا عن فريقه الأم أولمبيك خريبكة والمغرب التطواني، وحسنية أكادير، ولعل احترافه بالدوري السعودي وبعده الدوري القطري ألزمه بالخضوع للكشوفات اللازمة قبل توقيع العقدين.

ألا يمكننا توجيه اللوم إلى تعاطي المنشطات وما شابهها من المواد المخدرة والضارة، أو تعاطي المواد المنشطة كما أشار إلى ذلك مدرب وطني في تصريح صحفي؟

كثر الحديث عن مثل هذه الأمور بعد وفاة الراحل جواد أقدار، دعني أقول لك أولا في حالة جواد، فالكل يشهد بحسن أخلاق هذا اللاعب الذي يمكن اعتباره مثالا يحتذى من حيث الاستقامة، ولم يثبت أنه تناول "الشيشا" أو ما شابهها والكل يشهد بذلك، هذه الممارسات يمكن أن ندخلها في أقل من واحد في المائة من أسباب الموت المفاجئ، وهي موجودة، لا يمكننا نكرانها، لكن أسبابه أكثر من ذلك وأعمق بكثير، وكي نوضح أكثر لقراء "المغربية" فإن قلب الرياضي المحترف يختلف كثيرا عن قلب الإنسان العادي، لأن القلب هو في آخر المطاف عضلة تنمو بفضل التمارين، وقلب الرياضي أكبر من قلب الإنسان العادي ويستطيع أن يضخ أضعاف كمية الدم، التي يضخها القلب العادي، لكن حجمه هذا يضغط على الشرايين المحيطة به ويعرقل عملها، ما يتسبب في الخفقان الضعيف غير المنتظم الذي يؤدي إلى الموت المفاجئ، فالقلب هو أهم أسباب الظاهرة التي نتحدث عنها، فضلا عن أسباب دماغية، كإصابة اللاعب باصطدام في وقت سابق في رأسه، يمكن أن يكون سببا في سكتة دماغية، وهذه الإصابة لا يمكن الكشف عنها بواسطة التخطيط القلبي، كما يمكن للحرارة المفرطة أو البرودة الشديدة، أن يؤديان إلى موت بسبب مشاكل في التنفس، أو بعض الأمراض الباطنية، فضلا عن المواد الكيماوية التي تدخل ضمن تعاطي المنشطات أو أدوية بطريقة خاطئة دون الرجوع إلى الطبيب، فضلا عن الشيشة وما شابهها، رغم أنها لا تتجاوز واحد في المائة من أسباب الموت المفاجئ للرياضيين وللاعبي الكرة.

كيف يمكن الوقاية من الظاهرة؟

صراحة، القضية يجب أن تستأثر بالاهتمام على مستوى عال، من طرف المسؤولين، وإشراك الهيئات المتخصصة في الطب الرياضي، من أجل تعبئة شاملة للحد منها والوقاية، والتدخل السليم والسريع والفعال وقت وقوعها. يجب تلقين اللاعبين منذ سن مبكر، كيفية الأكل والأنواع الغذائية التي يجب تجنبها، وكذلك الشرب ووقته، نحن في فريق الفتح ولله الحمد بدأنا في تلقين اللاعبين أبجديات الطب الرياضي، ونقوم بإعطاء دروس في هذا المجال للاعبين، بواسطة دمية الاختبارات الطبية، لتبسيط الأمور للاعبين.

كما يلزم أن يتوفر كل لاعب على ملف طبي متكامل منذ ولوجه عالم الكرة في الفئات العمرية الصغيرة، يتم فيه وضع كل المعطيات البيولوجية والراديولوجية، والكلينيكية للاعب، وكل ما يتعلق بالتلقيحات، ويجدد كل سنة مع الاحتفاظ بالملف السابق، وخلال التجديد يتم إخضاع اللاعب لفحوصات جديدة ومتكاملة، ونحن في المغرب بدأنا في وضع هذا الملف لكن لم نصل بعد إلى المستوى المنشود، رغم أن الاتحاد الدولي فرضه على أندية كرة القدم عبر العالم، وهنا أتذكر حالة لاعب من المنتخب الوطني لم يكن يتوفر على ملف طبي خلال معسكر ماربيا الذي سبق كأس إفريقيا للأمم، وجرى وضع ملف له في آخر لحظة.

ألا يتحمل الطبيب الرياضي أية مسؤولية؟

+ أولا وقبل كل شيء، يجب أن يكون الطبيب متفرغا تفرغا كاملا للعمل ضمن النادي، فلا يعقل أن طبيبا يعمل في المستشفى وفي أماكن أخرى بجانب عمله في النادي، فهذا هو السائد لدينا في المغرب وللأسف، المقابل المادي الذي تقدمه الأندية غير كاف لتشجيع الطبيب على التركيز على عمله بالفريق، كما أن فضاء ممارسة مهنته غير متوفر في بعض الأندية، ولله الحمد، نحن في فريق الفتح نتوفر على مركز طبي متكامل، نعمل من عام إلى آخر على تطويره حسب إمكانياتنا، وشخصيا أعمل ليلا كل أربعة أيام من أجل أن أتفرغ لفريق الفتح لأن أغلب الأندية لا يمكنها توفير 30 ألف درهم كأجر لطبيب الفريق، فكلنا نسمع عن لاعبين ومدربين لم يتوصلوا بمستحقاتهم فما بالك بالطبيب، وعلاقة بالموضوع أريد أن أدق عبر "المغربية" ناقوس الخطر، لأن قطر بدأت في استقطاب الأطباء المتخصصين في الرياضة لضمهم للمركز الرياضي "اسباير" فخلال الأسبوع الماضي فقط انضم الدكتور العزاوي، وقبله رحل الجامعي والمتوكل، وأنا شخصيا توصلت بعرض للالتحاق غير أنني لدي مشروع هنا بالمغرب وأريد الاستمرار فيه، والتغيير من الداخل، وإبراز دور الطب الرياضي في تحقيق نتائج جيدة.

وهل يمكن للطب الرياضي أن يساهم في تحقيق النتائج؟

+ هذا أمر أكيد، فمايكل فيلبس الذي توج بخمس ذهبيات في السباحة خلال دورة الألعاب الأولمبية الأخيرة بلندن، أهدى ميدالية لكل واحد من أطبائه، فسباح واحد لديه خمسة أطباء كل لديه اختصاصه، وإذا ما أردنا أن نقارن مع الوفد المغربي سنشعر بالخيبة، لأن الوفد كله، المتكون من 65 رياضيا لم يذهب معه سوى طبيب واحد، فضلا عن الطبيب الذي رافق وفد ألعاب القوى، فكيف نريد أن ننافس الدول الكبيرة، لدينا نقص مهول في هذا المجال.

هل تتوفر ملاعبنا، على الأقل في القسم الذي نطلق عليه "احترافيا" على شروط الممارسة السليمة من وجهة نظر طبية؟

للأسف لا، فسيارة الإسعاف التي توفرها الوقاية المدنية في الملاعب، لا تقوم سوى بدور واحد وهو النقل، لذلك يمكن تعويضها بأي عربة نقل أخرى، لأنها غير مجهزة تجهيزا كاملا يمكن الطبيب من إنقاذ اللاعب الذي قد يصاب بأزمة قلبية، لأن أي تأخر في إسعافه يعني تقلص حظوظ نجاته، فسيارات الإسعاف في الملاعب لا تتوفر على جهاز ينعش القلب ولا على صادم كهربائي، فضلا عن أشياء أخرى تعد ضرورية لإنقاذ المصاب بهذا النوع من الأزمات، على المسؤولين أن يضعوا شروطا صارمة في دفتر تحملات الأندية، بما فيها الملف الطبي ووجود مركز طبي بكل ناد، فخلال وضع دفتر التحملات لم ينتبه أحد إلى أهمية هذا الجانب، حتى في قانون الرياضة جرى تخصيص بندين صغيرين فقط لهذا الجانب، علما أن الدول التي تريد حصد أفضل النتائج أخذت بعين الاعتبار أهمية الطب الرياضي في الممارسة الرياضية، وخصصت له مجالا واسعا في قوانينها المنظمة.




تابعونا على فيسبوك