لم يكن متوقعا عدد الزوار الذين قدموا في أول يوم من فتح الحديقة الوطنية للحيوانات بالرباط أبوابها في وجه العموم، بحيث إن ارتفاع عدد الوافدين عليها جعل الدخول إليها صعبا
بالنسبة للعديد من العائلات، التي لم تتمكن من الحصول على التذاكر، ولم تجد مكانا تركن فيه سياراتها، فعادت أدراجها في انتظار العودة في يوم آخر لإشباع فضولها بخصوص أصناف الحيوانات المعروفة والنادرة، التي يحتضنها فضاء الحديقة الجديدة. وللتقرب أكثر من هذه الحديقة النموذجية على الصعيد الإفريقي، قامت "المغربية" بجولة بين أنظمتها الأيكلوجية الخمسة وشاهدت عن قرب أغلب أصناف هذه الحيوانات.
بعيدا عن التصميم التقليدي المتعارف عليه، المتمثل في عرض الحيوانات داخل الأقفاص الحديدية بحدائق الحيوانات، صُممت حديقة الحيوانات الجديدة بالرباط على مفهوم الفضاء المفتوح، الذي يمكن من عرض الحيوانات البرية في كامل حريتها وكأنها في مواطنها الأصلية، ما يسمح للزوار بالاندماج والغوص في الوسط الطبيعي لعيش هذه الحيوانات.
كما أن القيام بجولة بين الأنظمة الأيكلوجية الخمسة المخصصة لعرض الحيوانات حسب أصنافها "الغابة الاستوائية، السفانا، الصحراء، جبال الأطلس والمناطق الرطبة المشكلة من المستنقعات" يجعلك لوهلة تظن أنك فعلا بالمواطن الأصلية للحيوانات التي ترعى فيها، والحقيقة أن الأمر يتعلق بأنظمة اصطناعية صممت من طرف خبراء أجانب متخصصين في هذا المجال، وقد جرى الاعتماد على خيار التركيز على أصناف النباتات والحيوانات البرية، التي تنتمي إلى القارة الإفريقية بصفة عامة والمغرب على وجه الخصوص كأسد الأطلس، الخراف البربرية، وأبو منجل الأصلع، حيث يؤوي المغرب آخر هجراتها البرية القابلة للحياة في العالم.
و صممت مآوي هذه الأصناف بشكل يشابه بيئتها الأصلية، لتهيئة ظروف الحياة الأصلية نفسها وتمكين هذه الحيوانات من ممارسة سلوكها الطبيعي كما لو في البرية.
أصناف الحيوانات
وضعت الحيوانات بالأنظمة الأيكولوجية للحديقة حسب نوعها، ولهذه الغاية وُضع على مدخل كل نظام أيكلوجي لوحة تحمل اسمها، فهناك جبال الأطلس، وتمثل هذه الأخيرة منظومة الأطلس المتوسط تحده تلتين اصطناعيتين إضافة إلى هضيبات صخرية، ويضم هذا المجال أنواعا حيوانية من أصل مغربي، خاصة الوحيش الذي يمثل الموروث الحيواني المغربي، كأسد الأطلس والقرد زعطود، والأروي، والفهد، وحيوانات أخرى.
وهناك معرض الغابة الاستيوائية، التي تقع في وسط المستنقعات وتتكون من مناظر طبيعية في شكل غابة كثيفة ذات أشجار استوائية الأصل. وبهذا الفضاء، يمكن الاستمتاع بجميع الأصوات والروائح الخاصة بهذا النوع من الغابات، كما أنه يتيح للزائر فرصة اكتشاف المشاهد الخاصة بحيوانات هذه البيئة، التي تتشكل من أصناف عديدة من الحيوانات، منها الميمون، وقرد الليمور المخطط، وأنواع من الطيور الموجودة في قفص كبير، والشمباري وهو نوع من القردة، وأنواع أخرى من الحيوانات.
وبمعرض السفانا الإفريقية، تتعايش مجموعة من أصناف الحيوانات، كالفيلة والأسود والفهود، والزرافات، ووحيد القرن، وقردة البابون، ونعامات إفريقيا، بشكل متوازن تجعل من هذه المنظومة مجالا للتعايش بين هذه الحيوانات في انسجام تام.
أما بخصوص النظام الأيكولوجي الصحراوي، فقد صُمم بشكل مستنسخ لمناظر طبيعية رملية وصخرية بشكل يصور للزائر حالات الجفاف والقحولة القصوى. ويعرض هذا الفضاء مختلف أصناف الحيوانات المنتمية للبيئة الصحراوية، وكذلك مختلف أنواع ظباء الصحراء، بينها الغزلان والمها)، مع إيلاء أهمية خاصة للأصناف النادرة والمعرضة لخطر الانقراض داخل المجال الصحراوي، مثل النعام أحمر الرقبة، السحالي الصحراوية وغيرها. وهذه الأنظمة الأيكلوجية الصحراوية الغنية والحساسة تعمل بشكل دائم على تذكير الزوار بهشاشة التوازنات البيئية، وبالحاجة الملحة لضمان الحفاظ عليها.
أما بالنسبة للنظام الأيكولوجي الخامس والأخير، فيهم المستنقعات أو المناطق الرطبة، وهنا يبدأ استعراض المستنقعات بتقليد حياة الجاموس الإفريقي، والطيور المائية والتماسيح وغيرها، ويمكن للزائر الولوج في البنية المخصصة للمراقبة ليجد نفسه من خلال لوحة نافذة زجاجية وجها لوجه مع فرس النهر والتماسيح، مما يسمح للزائر بالاقتراب أكثر من هذه الحيوانات التي لا يمكن رؤيتها إلا في القنوات الفضائية المخصصة للحيوانات.
وقد وضعت إدارة الحديقة لوحات بالقرب من كل صنف من هذه الحيوانات بكل الأنظمة الأيكلوجية تحمل معلومات مهمة حول صنف الحيوان ونوع تغذيته ومدة حياته ووزنه، والأهم من ذلك إن كان مهددا بالانقراض أو غير مهدد.
وقد تبين، من خلال الجولة التي قامت بها "المغربية" داخل الحديقة الجديدة للحيوانات أن هناك مجموعة من الحيوانات مهددة بالانقراض، كوحيد القرن الأبيض، والكلب الإفريقي المبقع، والقرد الأحمر، والكوبر المصرية وهي من فئة الزواحف، فصيلة الأفعويات، وهذه الأخيرة مهددة بشكل ضعيف.
خطر وممنوع
تنبه إدارة الحديقة الزوار من عدم جلب المأكولات داخل الحديقة، كما منعت إدخال الحيوانات الأليفة وأواني المطبخ أو وسائل التنقل أو آلات الموسيقية أو مكبرات الصوت إلى الحديقة. كما تحذر من الدخول إلى حظيرة الحيوانات أو رمي أي غرض داخلها، وهذا الإشعار وضعته الإدارة في عدة زوايا من الحديقة.
توجد بالحديقة الوطنية للرباط مرافق مخصصة للترفيه من خلال المطاعم والمقاهي ومرافق أخرى تعرض فيها خدمات للزوار، ومن أهم مهام هذه الأخيرة، حسب المسؤولين بها، عرض جملة من الحيوانات بطريقة متميزة في مواطن تحاكي المنظومات الطبيعية، مع تشجيع البحث العلمي وتحقيق التنمية المستدامة ودعم التربية البيئية، بهدف جعل الزائر يفهم التفاعلات المعقدة بين النباتات والحيوانات من جهة، وبين التربة والظروف المناخية المسؤولة عن ديمومة الحياة من جهة أخرى.
قال عبد العظيم الحافي، المندوب السامي للمياه والغابات، إن الحديقة الجديدة للحيوانات بالرباط تعتبر حاليا أول حديقة نموذجية على الصعيد الإفريقي، حيث إن الحيوانات لا تظل حبيسة الأقفاص، وإنما تعيش في الطبيعة وكأنها في مواطنها الأصلية وتتصرف وكأنها في الطبيعة، مؤكدا أنه ليس هناك مثيل لهذه الحديقة بإفريقيا باستثناء حديقة حيوانات بإفريقيا الجنوبية يطلق عليها "سفاري"، لكنه شيء مغاير للحديقة الوطنية سواء من حيث أصناف الحيوانات أو عددها أو المساحة التي توجد عليها. أما على صعيد الشرق الأوسط، يضيف الحافي، فهناك حديقة وحيدة في طور الانجاز بمدينة العين بالإمارات العربية المتحدة وترتكز على النمط نفسه، أي أن الحيوانات تعرض في محيطها الطبيعي.
وأوضح المندوب السامي، في تصريح لـ"المغربية"، أن إنشاء حديقة الحيوانات بالرباط، يهدف إلى عرض تنوع وغنى أشكال هذه الثروة الطبيعية، وخلق فضاء لحفظ أصناف حيوانات إفريقية وصحراوية، وتأسيس مركز دراسات لإنتاج المعرفة العلمية حول هذه الأصناف خصوصا المهددة منها، ومن هذا المنطلق، حسب الحافي، تركز الحديقة الوطنية في عروضها على مجموعة من الحيوانات البرية الإفريقية، وبشكل أكثر تحديدا على رموز الأنواع الحيوانية المغربية كأسد الأطلس والخراف البربرية، وغيرها.
وحول المقاربة التي اعتمدتها الحديقة في جلب أصناف الحيوانات، أوضح الحافي أن الإدارة ركزت على أن تعيش الحيوانات في المحيط الطبيعي لها، ما يعني أن تكون متأقلمة مع التموضع الجغرافي للحديقة، ومن هذا المنطلق جرى الاعتماد على الوحيش المغربي الأصلي الذي من خلاله يمكن التحسيس بالمجال البيئي والأيكلوجي. أما المقاربة الثانية، حسب المندوب السامي، فقد اعتمدت على جلب الوحيش الصحراوي مثل الأروي ولوريكش وأنواع أخرى، وهي حيوانات متأقلمة مع المحيط الصحراوي، فضلا عن حيوانات إفريقية كفرس النهر ووحيد القرن، مشيرا إلى أن هناك ثلاثة أصناف من الوحيش المغربي الصحراوي والإفريقي، ومن هذا المنطلق اخترنا خمسة نظم بيئية تمثل بالأساس 40 نظاما أيكلوجيا مغربيا.
وحول ما إذا كانت هناك إمكانية لجلب أصناف أخرى من الحيوانات، أبرز الحافي أنه لكي تستمر الحديقة يجب على الزائر أن يلمس التغيير ويعود إليها مجددا، ومن هذا المنطلق، فإن الحديقة ستعتمد على نظام التحديث والتطوير بشكل متواصل لخلق نوع من الجاذبية اتجاهها من أجل تشجيع الزوار على زيارتها باستمرار، حيث إنه حاليا جهزت 27 هكتارا من أصل 50 هكتارا في المرحلة الأولى لإيواء ألف حيوان تمثل 120 صنفا من مختلف المناطق الطبيعية المغربية والصحراوية والإفريقية، فيما سنعمل على جلب أصناف أخرى من الحيوانات التي تعيش في الليل في إطار المرحلة الثانية من تأهيل الحديقة وقد جهز الوعاء العقاري المخصص لها.
وبخصوص الضجة التي كانت أثيرت لدى الإعلان عن إحداث حديقة جديدة حول تفويت أرض الحديقة القديمة لإحدى الشركات، أوضح المندوب السامي أن الأرض التي كانت توجد عليها حديقة الحيوانات بتمارة لم تكن يوما في ملك المندوبية السامية للمياه والغابات، وإنما في ملك الدولة، وبالتالي، يضيف الحافي، فإن الأراضي التي تكون في ملك الدولة تخضع للمساطر والقوانين التي تتكلف بها مديرية الأملاك المخزنية التابعة لوزارة المالية، وتجري حسب المعايير المعمول بها. كما أن المداخيل التي جاءت عن طريق بيع ذلك العقار تقدر بـ 430 مليون درهم، وهذه المداخيل هي التي غطت مصاريف خلق الحديقة الجديدة بنسبة 100 في المائة، وأعتقد أننا توفقنا في هذا الملف. أما الوعاء العقاري الحالي فكان ضمن أراضي الكيش مثل الحزام الأخضر، وقد جرى تحديد ثمن هذه الأرض وتعويض ذوي الحقوق، ثم حفظت الأرض وأصبحت الحديقة الجديدة في ملك الدولة.