آسفي.. مدينة مائة ضريح وضريح

الإثنين 08 غشت 2011 - 13:13
ضريح الشيح أبي محمد صالح وسط آسفي (أرشيف)

أكثر ما يلاحظه المتتبعون هذه الأيام بإقليم آسفي هو الزيارات العديدة والمتكررة، للعديد من سكان الإقليم، لبعض الأضرحة سواء بالبادية أو المدينة، خاصة بين مكونات الطبقة الشعبية، وتكثر هذه الزيارة بالخصوص في الأيام الأخيرة من شهر رمضان.

حيثما وليت وجهك يصادفك ضريح.. إنك في إقليم آسفي، الذي يعد من أكثر الأقاليم ازدحاما بالأولياء والأضرحة.

العديد من المراجع التاريخية تقر بأن ظاهرة الأضرحة بآسفي تضرب بجذورها عميقا في تاريخ الإقليم، وأنها ظلت قوية عبر العصور، فهذا المؤرخ والجغرافي والرحالة الإغريقي "سيلاكس SCYLAX"، والذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، يشدد بعد زيارته للمجال الترابي لآسفي، على وجود حياة دينية مكثفة بها، وعلى أنها أقدس مكان بمجموع شمال إفريقيا.

وذكر أنه وجد بها معبدا عظيما مخصصا "لبوصيدون" إله البحر عند اليونان القدماء، ويعتقد أن موقعه قريب من ضريح الولي المعروف بسيدي بوزيد ابن قنفد، الذي أقام بالمنطقة زمنا خلال القرن الرابع عشر. ويؤكد على تجدر هذه الظاهرة بمنطقة عبدة، بقوله: "إن أرضها تنبث الصلحاء، كما تنبت العشب" ونفس التأكيد نجده بالحرف الواحد عند "التمنارتي"، وهو من القرن السابع عشر، وإن كان استبدل عبارة العشب "بالبقول"، هذه الأمكنة يؤمها، على مدار السنة، الزائرون للتبرك وطلب الحماية والاستشفاء وغير ذلك من المآرب الغارقة في هالة من التقديس والممارسات، التي اجتهد العامة في اختلاقها وتعديدها وابتداع سلوكيات رسخت الخضوع لها، وكرست تعايشا تلقائيا معها.

الموقع المزار قد يضم رفات لأشخاص حقيقيين معروفين تاريخيا أو آخرين مجهولين أو وهميين، وأحيانا لا يضم المدفن شيئا، بحيث يكون عبارة عن قبر فارغ، كما أثبتت ذلك العديد من الحفريات، من بينها تلك التي همت ضريح أبي الذهب، بوسط مدينة آسفي، كما أشار إلى ذلك الفقيه "الكانوني"، وقد يكون الموقع مجرد مزار تتشكل رمزيته وتظهر قداسته في الأشجار والأحجار أو منبع الماء، كمزار لأميرة شمال آسفي، واكتسبت هذه الأضرحة مكانة خاصة بين زوارها، واحتلت موقعا متميزا في حياتهم، نسجوا حول أصحابها قصصا والأساطير المتعددة والمختلفة وصلت إلى حد التداخل مع المعتقدات الشعبية، التي تعتبر ثوابت مقدسة لا تخضع للتغيير، ومن ثمة كانت حاجة سكان المدينة تاريخا، حسب بعض المصادر إلى مزارات وأضرحة من خلال ما يرمز إليه من قداسة وما يجسده من قوى مادية ترقى به إلى حالة نفسية عليا، ويقول في هذا الإطار الدكتور أحمد بوشارب، تعود هذه المكانة التي خص بها المجتمع أولئك الأولياء إلى عدة عوامل، جعل الجهل العامي يتقبل أكاذيب وخوارق وهمية روجها المستفيدون من ذلك التقدير، إذ كان الإنسان دوما يشعر بعدم الاطمئنان، وكان ضحية التسلط أو ضحية طغيان العوامل الطبيعية كالجفاف والمجاعات أو ضحية للأمراض والأوبئة، وهذا العجز عن مواجهة الواقع دفع الناس إلى اللجوء إلى الزهاد و الأولياء ليحصلوا على ضمانة ولو معنوية، تفتح لهم أبواب الطمأنينة والرجاء.




تابعونا على فيسبوك