المغربية تنقل تفاصيل رحلة الموت من مصراتة الى الدارالبيضاء

المغاربة العائدون من جحيم ليبيا يستغيثون..

الأربعاء 18 ماي 2011 - 10:27

لم تكن بعض الأسر المغربية العائدة من الديار الليبية بسبب التدهور الأمني ، تستطيع التسليم بأن حاضرها في المغرب صار مقتصرا على اجترار الخيبة والفراغ، وبأن تختفي تطلعاتها نحو غد أفضل وسط الإهمال والتهميش

،إذ لم تعد تملك شيئا، في وقت كانت تأمل أن تعوض في موطنها الأصلي ما فقدته على حين غرة بالمهجر، لتوقن، حسب تصريحاتها لـ"المغربية"، أن كفة الضياع والحاجة ستكون أكثر رجحانا من كفة الاستقرار والأمان، مادامت هذه الأسر لم تتلق إلى الآن أي مبادرة من قبل المعنيين، تبعث الأمل على أن هناك بديلا ملائما، سيضمد جراحها، بعد أن خسرت ممتلكاتها بليبيا وعادت مرغمة في ظروف مريرة وحرجة.

مثلما أيقن خليل الوافي ( 33 سنة، أب لطفل وطفلة) أن وجوده بطرابلس في ليبيا منذ سنة 1998 واشتغاله في مجال "الميكانيك"، سيتيح له العيش في ظروف كريمة، فهو اليوم يدرك بعد عودته مجبرا للمغرب يوم 18 مارس الماضي، أن مصيره مجهول، فكلما مضى الوقت إلا وتعمقت مأساته، وهو لا يملك عملا ولا مسكنا، ما عدا ما يجود به بعض أقربائه على طفليه، وإذا ما أراد أن يجدد الأمل على أن موطنه المغرب سيوفر له احتياجاته، يجد نفسه في غفلة منه أنه ملزم بدفع مبلغ يقدر بحوالي 350 ألف درهم إثر شيك بنكي، كان أودعه ضمانة لاقتناء آلة حصاد بقيمة 90 ألف درهم، ليتضح لخليل أن المبلغ تضاعف مع مرور الوقت، في حين أخذت منه آلة الحصاد كبديل عن المبلغ.

فوالد خليل الذي كان استفاد من آلة الحصاد لفترة وجيزة، توفى في ما بعد متأثرا بانتزاع الآلة منه بعد قضائه ثلاثة أشهر حبسا، ليضطر خليل اليوم إلى تحمل أعباء دين لم يستسغه، فبنظرات هادئة ومستغربة، يصف خليل كيف أن حياته تغيرت نحو الأسوأ دونما أن يعثر على سبيل يحتكم إليه، فالبطالة وغياب مأوى كافيان ليجعلا منه إنسانا يائسا، ومع ذلك يذكر خليل أنه يأمل في أن يتخطى محنته التي ابتدأت منذ انطلاقته من ميناء مسراطة في تجاه طرابلس، حين قضى 5 أيام على متن باخرة ظلت عالقة بين الحدود الليبية والإيطالية، بدعوى أن هناك ثوار بها، فكان عليه أن يتعايش مع الخوف والهلع داخل باخرة، كانت تقل حوالي 2000 راكب، من بينهم مغاربة مصابون بطلقات رصاص.

أدرك خليل أنه انتزع من كل ما يملك، حتى ما جاء به من مال، أخذ منه عنوة، وهو في طريقه إلى المغرب، وأدرك أنه يجب عليه أن يتحمل تبعات مصير يجهله ويخشاه، فخليل حسب قوله لـ"المغربية" يريد أن يُنصف كمواطن مغربي جردته الظروف من كل شيء، وألقت به في دوامة من المتابعات القضائية، كما يريد أن يستعيد فرصة العيش على نحو عاد، يخلو من العجز وقلة الحيلة، هكذا يفصح خليل عن ثقل معاناته.

بنظرات يشوبها الخوف من المستقبل، يؤكد خليل أن ما يحتاجه هو التفاتة من قبل المسؤولين، حتى تتأتى له إمكانية مواصلة الحياة في موطنه، فإذا لم يستطع البقاء في ليبيا بسبب الأزمة هناك، فعليه أن يجعل الحياة التي سيعيشها في المغرب أكثر قبولا وارتياحا، لكن هذا بالنسبة إليه في هذه الأثناء ليس متاحا، وينتظر أن يحظى باهتمام المعنيين، حتى يعفى من المكوث متفرجا على طفليه وهما يتجرعان ويلات الفقر والحاجة.

ليبيا ..ماض مزهر

يمثل الماضي في ليبيا بالنسبة لعبد المالك ياسين، (39 سنة، أب لثلاث بنات)، تلك الفترة المزهرة من حياته، حيث كان يقضي أيامه في العمل بمجال الأثاث والديكور، داخل ورش كبير بمدينة بنغازي، لم يكن هناك ما يشوش على حياته، فكان النجاح حليفه بفضل تفانيه في العمل، وكذا حسن الجوار والمعاملة اللذين كانا يلقاه من قبل الليبيين هناك، حسب ما عبر عنه بالقول إن "الحياة هناك كانت كريمة وملائمة جدا".

كما يحكي عبد المالك ياسين، على نحو يكشف أن الرجل قانط من وضعه الجديد بالمغرب، أن وجوده بليبيا منذ سنة 2000 لم تتخلله أي مشاكل تثنيه عن الاستمرار في بنغازي، إلى أن تفاجأ شأنه كباقي العالم، بالأحداث الدامية التي غيرت مجرى حياة الكثيرين بليبيا ودفعت بهم نحو الموت البطيء ( غياب المأوى والعمل)، فعبد المالك تمنى لو دامت حياته بليبيا، إذ من المرير عليه اليوم أن يعيش في المغرب دون عمل يضمن قوته اليومي، في وقت هو ملزم برعاية بناته الثلاث، ولأن ما ادخره من مال نفد، فهو مجبر على إيجاد عمل، قال إنه غير متوفر، رغم تردده على عدد من الأماكن، وهو يخشى أن يستمر وضعه على هذا النحو، بعد أن أيقن في ما مضى أن الظروف حليفته.

بنبرة هادئة ومستغربة، يصف عبد المالك لـ"المغربية" كيف أنه توقع بأن الأحداث في ليبيا هي مؤقتة، ولم يدر بخلده أن ذلك سيقود به إلى ترك كل ممتلكاته، (ورشه المجهز بالأثاث والديكورات وكذا سيارته وأغراض منزلية مهمة).

وهو ما يزال متأثرا بالمآل الجديد، ويحكي أنه قضى أسبوعا داخل البيت في انتظار تهدئة الأوضاع، ليعزم العودة إلى المغرب رفقة أخيه حسن ياسين ( 41 سنة أب لطفلين) الذي شاركه الحياة نفسها هناك، كما شاركه المعاناة نفسها وهما في طريقهما إلى المغرب، فحسب حكايته، استعانا معا بسيارات مدنية لنقلهما إلى طرابلس، مادام المطار ببنغازي دمر، ولأن الرحلة شاقة كان حريا بهما الصبر ودفع ألف درهم للفرد، للوصول إلى الحدود المصرية، (منفذ السلوم المصري)، ولأن عملية ختم الجوازات استغرقت ثلاث ساعات، اضطرا إلى الانتظار في ظروف حرجة رفقة أشخاص آخرين، إلى أن بلغا القاهرة، وهنا اضطرا مرة أخرى إلى البقاء يومين إلى حين توفير تذاكر الطائرة لهما من قبل القنصلية المغربية، وفي هذا الإطار، يؤكد عبد المالك ياسين، أن مواطنا مصريا مكنهما من إيجاد مسكن للمبيت إضافة إلى بعض المصاريف، ليساهما بدورهما في مد العون إلى بعض الأسر المغربية التي كانت تائهة وحائرة، فاستطاع رفقة أخيه وهذه الأسر أن يتجاوزوا محنة التيه في المهجر، لكن محنة عبد المالك وأخيه حسن ابتدأت حين وصوله إلى المغرب، والاصطدام بواقع البطالة ثم الديون المتراكمة عليهما، فكان سقوطهما في دوامة الحاجة إلى العمل، أشد ثقلا من الأيام العصيبة التي قضوها تحت إيقاعات الحرب في ليبيا، فوفق ما أكده عبد المالك، "الموت الحقيقي هو أن يتحول الإنسان إلى فرد عاجز عن أن يكفل حتى نفسه، فبالأحرى أسرة تعول عليه"، مضيفا أنه "لا يطلب الإعانة من المسؤولين، لكنه يطلب الدعم الذي يتيح له حياة جديدة بالمغرب ووفق شروط إنسانية"، معبرا عن ذلك بالقول "لا نريد أن نكون عالة على المجتمع، ولا ننتظر الصدقات بقدر ما ننتظر فرص إدماجنا في المجتمع كمواطنين مغاربة لنا حقوق وواجبات".

غدر الزمان

من الصعب على أحمد لكحال (47 سنة، أب لطفلين)، تقبل فكرة رجوعه إلى المغرب صفر اليدين، بعد أن استقر في طرابلس بليبيا منذ سنة 1986، عمل حينئذ في مجال النجارة، واستطاع أن يكسب مداخيل أسعفته على العيش راضيا عن نفسه، إلا أنه نسي ادخار المال تحسبا لتغير الزمان، فوجد نفسه معدما لا يملك حتى بيتا يستقر فيه، ولولا تلك "البراكة" الضيقة، التي تعيش فيها والدته بحي سيدي مومن، لما عثر على مكان للمبيت. يحكي لكحال ذلك بحسرة، مؤكدا أنه مصدوم من واقعه ومشوش على نحو لا يستطيع معه الخلود للنوم، بعد أن تبين له ودون سابق إنذار أنه عاجز كليا عن توفير مسكن وإيجاد عمل بالمغرب.

حاول أحمد لكحال طيلة وجوده بليبيا أن يعيش حياته ببساطة في منأى عن التفكير في العواقب التي يمكن أن يخلفها تغير الظروف، لهذا عبر عن ذلك بالقول "أتمنى لو مت في ليبيا على أن أرجع إلى المغرب خاضعا ومستسلما للفقر والحاجة، إنها مأساة كبيرة"، يحكي ذلك على نحو يعكس ندمه الشديد على إغفاله لتقلبات الحياة.

فلكحال يقبع حاليا في مساحة من "البراكة" لا تتعدى مترين مربعين، رفقة طفليه وزوجته، وهو الأمر الذي لا يستسيغه، بعد أن كان يعيش الاكتفاء الذاتي في ليبيا.

وهو يهز كتفيه يائسا من عجزه في الحيلولة دون الحسرة والمعاناة التي يشعرهما، يفيد أنه بحاجة ملحة إلى رحمة ربانية، والتفاتة جادة من قبل المعنيين لإيجاد حل لمشكلته الإنسانية، فهو مسؤول عن أسرته الصغيرة وكذا والدته، ولا يملك الآن ما يسد به حتى رمقه، ما عدا ما يجود به بعض الأقرباء بين الفينة والأخرى، لكنه يعيش على أمل أن يتحسن وضعه، وأن يضع المعنيين بالأمر ضمن أولياتهم واقع أسر مغربية شردت فجأة وبلا رحمة".

الأمل في الغد

"رغم أنها اليوم مستاءة وخائفة، فإن لها أمل في أن تجتاز هذه المرحلة"، هكذا ترى أمال منير ( 25 سنة) الأمور، بعد أن تركت زوجها السوداني بمصراطة في ليبيا وانقطع الاتصال به لعدة أيام، وجاءت مكرهة إلى المغرب تفاديا لوقوع ما هو سيء، إلا أنها اليوم تعيش الأسوأ بعد أن فقدت وليدتها في يومها الثالث، ثم تفاجأت بعد شهور بالحرب في ليبيا، لتزداد حاجتها إلى الاستقرار النفسي والاجتماعي، والذي لن تناله إلا بضمانة من المسؤولين بأن يتكفلوا بكل العائدين من ليبيا، "ليس من باب الشفقة" تقول آمال، لكن "من باب تحمل المسؤولية والواجب الوطني".

فكلما مضى الوقت إلا وتعمق شعورها بالقلق من واقع صعب ومستقبل مجهول، والحال أنها تعيش مع أسرتها الفقيرة ولا تجد بدا غير التعايش مع فقرها وترقب لحظات الفرج، حسب تعبيرها لـ"المغربية"، لتخفض صوتها بحياء، مؤكدة أنها "لا تطلب المال، بل تطالب بحقها كمواطنة مغربية جرفت بها الظروف إلى المعاناة"، وكلما أرادت الخروج بنفسها من أزمتها الاجتماعية والنفسية، تجد نفسها عاجزة، لذلك تؤكد أن "واقعها كباقي الأسر المغربية العائدة من ليبيا، مأزوم ويستدعي أخذ مبادرات تكفل المتضررين وتسمح بإدماجهم في المجتمع، لتختم حديثها بالقول إن "الحكرة مرة وصعبة خصوصا في بلدك المغرب، وأنا أعترف بأنني صرت أعاني نفسيا ولا أملك البديل".

الحرب هي الفقر

بانفعال واضح يتحدث عبد الكريم أبو ناصر (37 سنة، أب لطفل)، عن تجربته في ليبيا، حين توجه إليها عاقدا العزم على تطوير كفاءته في مجال "الجبص"، ليظل هناك مدة سنة وشهرين، في وقت كان يأمل أن يستقر هناك على الأقل خمس سنوات، مادامت فرص العمل هناك كانت أكثر ارتياحا ورواجا حسب رأيه، وحتى لا يغفل علاقاته بالليبيين، ذكر عبد الكريم أن هؤلاء المواطنين، كانوا أشد احتراما للمغاربة، إذ لقي منه كل الضمانات التي تشجع على الاستثمار في ليبيا والاستقرار فيها.

وبنوع من التأفف، يضيف عبد الكريم، أنه عاد إلى المغرب في 27 فبراير الماضي، لكنه عاين خلال هذه الرحلة مآسي إنسانية، كان مطار طرابلس العالمي، مسرحا لها، حيث تحول المكان إلى مرتع للفضلات والفوضى، عانت فيه النساء كما عانى الأطفال والشيوخ، بل إن معظمهم انتابتهم نوبات صحية حرجة جراء الاختناق والعطش والجوع.

فالواقع الجديد في المغرب بالنسبة إلى عبد الكريم، غير مشجع لتدارك ما فات، خاصة أن المفاجأة التي عاشتها كل الأسر المغربية العائدة من ليبيا، لم تترك مجالا لها، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في حياتها، ومن ثمة وجدت نفسها تعيش بدايات شاقة لا يمكن تحملها.

وحتى يكون عبد الكريم أكثر واقعية، يذكر أنه اليوم يعش بمعزل عن أسرته الصغيرة، بعد أن انتقل إلى بيت والديه، فيما انتقلت زوجته إلى بيت أقربائها، وهذا كاف حتى يتذمر المرء من واقعه، ويحاول أن ينفضه ولو بالعبارات.

في حين يحكي عصام بوبكرين، (28 سنة)، بلهجة ساخرة من واقعه، أنه بعدما قضى ست سنوات في طرابلس كعامل في شركة لتركيب المظلات والخيام، يجد نفسه دون أي وثيقة تثبت هويته، إثر احتراق سيارته التي تضمنت كل الوثائق (جواز السفر والبطاقة الوطنية ورخصة السياقة وأوراق السيارة)، فيما يضيف أن ذلك لم يؤثر عليه سلبا، بقدر ما أثر فيه أن يعود إلى المغرب ولا يلقى أدنى اهتمام من قبل المعنيين، في إشارة منه إلى أنه كان في ليبيا يستمتع بحياة جيدة، يكتري شقة مجهزة رفقة صديقه بمبلغ 2500 درهم ويسوق سيارة من النوع الجيد، أما اليوم بعد أن غادر ليبيا في أجواء محفوفة بالمتاعب، فهو إنسان عاطل عن العمل.

وبأسلوب ينم عن الاستغراب، يكشف كيف أن الليبيين تطوعوا في أكثر من موقف لمساعدة الأسر المغربية، إذ احتاجت بعض النساء الحوامل والأطفال للإسعافات الطبية، فكان بعض المستشفيات في خدمتهم دون مقابل بما فيها المستشفيات الخاصة.

وبابتسامة تخفي في ثناياها سخطا من الواقع، يذكر عصام بوبكرين أن "الحرب الحقيقية ليست تلك التي عاشتها الأسر بليبيا، وإنما هي الحرب الجارية الآن بين هذه الأسر والعوز الذي ألقيت فيه على نحو إجباري وفي منأى عن تدخلات المسؤولين لرد الاعتبار وإنصافها".




تابعونا على فيسبوك