الفصام مرض مزمن لا يعالج بالشعوذة

الثلاثاء 12 أبريل 2011 - 11:20
جانب من ورشة للتدريب على الرسم لفائدة المصابين بالفصام (خاص)

كشفت دراسة ميدانية حول داء الفصام بالمغرب، توصلت "المغربية" بنسخة من نتائجها، أن الفصام مرض مزمن لا يعالج بالشعوذة، وأن المرضى يبدأون حياتهم في مرحلة الطفولة بشكل عاد

إذ يتابعون دراستهم بنجاح، ويبهرون آباءهم بذكائهم ونشاطهم، غير أنهم يفاجئونهم عند بلوغهم سن المراهقة أو النضج، بظهور ارتباك في التصرفات، وهذيان في الأفكار، وانطواء عن الذات، يحسبونه في البداية نوعا من "العين"، التي تصيب كل من هو جميل أو ذكي أومجتهد، ليعتقدون، بعد ذلك أنه مس من الجن، ويتوصلون بعد دوامة طويلة، إلى أن الإصابة لها تفسيرات علمية، وتعود، حسب الاختصاصيين، إلى عدم وصول مادة الدوبامين إلى الدماغ، ما ينتج خللا في وظائفه، ويؤثر بذلك على تصرفات صاحبه.

حاولت "المغربية" رصد الظاهرة، التي تصيب شريحة من الشباب، عبر تصريحات آباء وأولياء المصابين، ونتائج الدراسة الميدانية، مع تفسيرات الاختصاصيين.

عبرت عدد من الأمهات، بعد جلسة تكوينية، نظمتها جمعية "أملي"، عن مشاكلهن مع أبنائهن، المصابين بداء الفصام، وكشفت عن تأثير المرض على الاستقرار النفسي لباقي أفراد الأسرة، كما عبرت عن تخوفاتهن حول مستقبل أبنائهن، الذين قد يمشهن التشرد والإدمان، إذا افتقدوا رعاية الأهل.

استبعدت سعيدة (اسم مستعار)، أم مصاب بداء الفصام، في توضيح لـ"المغربية" أن يستحمل أحد أفراد الأسرة تصرفات ابنها. وقالت إن حياته، من دونها، ستنتهي بالتشرد في الشوارع، أو الإدمان على المخدرات، مضيفة أن المرض، الذي أصيب به ابنها، منذ حوالي 6 سنوات، غير مجرى حياته.

وذكرت سعيدة أن حياتها ارتبكت، بعدما أصيب ابنها يوسف بالمرض، إذ أصبح متقلب المزاج، عند بلوغه 17 سنة من عمره، يقيم الليل في التعبد، ويقضي نهاره في الصيام، ولا يتحدث مع إخوته إلا نادرا، فظنت أنه استقطب من طرف بعض الجهات المتطرفة، وبلغت ذروة المرض، حين أصبح يصاب بنوع من الصرع، فيصرخ، ويطلب من والديه أن يحمياه من العدو، فما كان على سعيدة سوى التوجه إلى أحد الفقهاء، الذي قدم لها وصفة بالأعشاب، وطلب منها ألا تكشف أمره، لأنه نوع من "العين".

انتهت الوصفة "السحرية"، تقول سعيدة، وظل يوسف كما هو، إذ كان يتخلف عن مواعيد الدراسة، وانتهى بالانقطاع عنها نهائيا، في مستوى الباكلوريا، ما أصاب والديه بالخوف على مستقبله.

تخلت الأم عن وظيفتها في وكالة بنكية، لترعى ابنها، بعدما تدهور وضعه الصحي، فكانت تستعين، في السنة الأولى من مرضه، بمساعدة الفقيه، الذي كان يوهمها، حسب قولها، بأنه يعالجه من المس، فوقعت مرتين ضحية نصب من المشعوذين، وقررت اللجوء إلى الطب النفسي، لتكتشف، بعد زيارات عديدة، أن ابنها مصاب بمرض وصفه الأخصائي بالمزمن، يحتاج إلى مواظبة على الأدوية، للتخفيف من معاناة المريض.

بدورها، أوضحت ثوريا، أم عزيز، 28 سنة، موظفة بشركة للتأمين، لـ"المغربية" أنها لاحظت تغييرا في تعامل ابنها مع إخوته، إذ كان يحرمهم من متابعة البرامج التلفزية، خاصة الأغاني، وكان ينفرد في غرفته، ويعزف عن الأكل، وقرر مقاطعة الدراسة، لأنها بنظره لن تؤهله لمنصب شغل مرموق، ثم كان يصاب بنوبات عصبية، ما دعاها إلى التوجه إلى أحد الأخصائيين بالدرالبيضاء.

لم يكلف الأخصائي نفسه في الجلوس إلى المريض، إذ سألها عن الأعراض التي يشكو منها ابنها، فكتب لها وصفة طبية، في ظرف وجيز، ما اعتبرتهن فحصا، غير كاف لكشف ما يعانيه الابن.

قالت ثوريا إن الدواء الذي وصفه الطبيب لابنها، عبارة عن مهدئ، يؤدي به إلى النوم العميق، غير دار ما يدور حوله. واهتدت ثوريا إلى جمعية تضم أولياء وآباء المصابين بمرض الفصام، لتبدأ مرحلة تبادل الخبرات في التعامل مع المرض.

ذكرت فتيحة، 46 سنة، لـ"المغربية" أن المرض، أحدث شرخا بين أسرتها، إذ أن زوجها تخلى عن وظيفته في إحدى شركات قطع الغيار، فلزم المنزل، وتحولت حياتها وحياة بناتها إلى جحيم بسبب المشاداة اليومية، فغادرت المنزل لتعيش في منزل والديها.

كان الزوج المريض ينقل بمساعدة إخوته إلى قسم الأمراض النفسية التابع للمركز الصحي الجامعي ابن رشد، قصد العلاج، حسب فتيحة، ويغادره بعدما يتحسن حاله، إلى أن فوجئت، بعد انقطاع الأخبار عنه، إلى أن زوجها، الذي كان لا يدخن السجائر، أصبح مدمنا على المخدرات، ويقضي لياليه في إحدى حدائق المدينة. وبلغت حدة معاناة فتيحة، حين اكتشفت أن ابنتها، البالغة 17 سنة تعاني أعراض مرض الفصام، فتوجهت إلى اختصاصي بالدارالبيضاء، ثم إلى جمعية "أملي".

الفشل في الدراسة والعمل يؤديان بمرضى الفصام إلى الضياع

كشفت دراسة ميدانية، أنجزتها أم كلثوم الخليفي، باحثة وأستاذة جامعية، بين فبراير ومارس الماضيين، أن مرض الفصام يطارد حياة المصاب بالفشل في حياته الدراسية والزوجية والعملية، ويحول دون ربطه علاقات مع أفراد أسرته ومع محيطه، ما يؤدي به إلى الانطواء، فيعيش عالة على والديه، ويهدده بالضياع بعد فقدانهما.

وأوضحت الدراسة، التي أنجزت حول الواقع الاجتماعي وحاجيات أسر مرضى الفصام، شمل عينة من مرضى بمستشفيات الدارالبيضاء والرباط ومراكش وبرشيد، وتوصلت "المغربية" بنسخة منها، أن 6 في المائة من المصابين فقط حصلوا على شهادات، وأن 10 في المائة أسسوا حياة زوجية، و30 في المائة من هذه النسبة هجرتها أزواجهن.

ويعيش هؤلاء المرضى حياة العزوبية، رغم تجاوزهم 30 سنة، مع أسرهم، ويعاني الآباء محنة متابعة وضعهم الصحي، حسب الدراسة نفسها، التي أشارت إلى أن 61 في المائة تعيش في أسرة يتجاوز عددها 5 أفراد، ويعتبر الأخصائيون هذا المعدل مرتفعا، لأن مرضى الفصام يحتاجون للهدوء. كما يحتاجون إلى مراكز ومؤسسات اجتماعية وتربوية تأويهم، وتزود ذويهم بمعلومات حول كيفية التعامل مع المرض.

ويؤدي عجز المريض عن مواصلة الدراسة والعمل وتكوين أسرة إلى جانب عدم القدرة على الاندماج مع أفراد الأسرة، إلى جانب المضاعفات الصحية بالنسبة للمصابين بأمراض أخرى من قبيل مرض القلب والسكري، بسبب الأدوية، التي تؤدي إلى الإفراط في الأكل، وإلى تفكيره في وضع حد لحياتهم.

وركزت الدراسة، التي أنجزتها الخليفي، بمساعدة، نعيمة التراشن، رئيسة جمعية أملي، وفوزي برادة، أستاذ جامعي، على أن توفير مؤسسات خاصة بهذه الشريحة من الشباب، إضافة إلى المرافقة الجيدة من طرف أولياء وآباء المرضى يحول دون تدهور تفكير المصابين بالفصام، وبالتالي انخفاض حالات الانتحار، التي تسجل بين المرضى.

ويدعو الأخصائيين إلى ضرورة تكوين آباء وأولياء مرضى الفصام حول كيفية التعامل مع أبنائهم المرضى، لأن صعوبة مراقبة المريض ترتفع حين لا يتمتع المصاب باستقلالية ويعتمد بشكل كلي على غيره ليصبح عالة عليه.

والخطأ، الذي يرتكبه آباء وأولياء المرضى، دون إدراكهم بذلك، حسب الدراسة، هو قيامهم بجميع المهام بدلا عن أبنائهم، وفي حالة وفاتهم يواجه الأبناء المصابين المستقبل المجهول، خاصة أن 44 في المائة منهم تتراوح أعمارهم بين 20 و30 سنة، فيما تتراوح أعمار أكثر من 48 في المائة من ذويهم بين 50 و60 سنة.

ويستفيد أغلبية مرضى الفصام من رعاية أفراد أسرتهم، إذ تمثل الأمهات نسبة 80 في المائة، وحوالي 35 بالمائة غادرن عملهن بسبب مرض أبنائهن، فيما يرفض 67 في المائة من الإخوة رعاية شؤون المصابين.

ويقع مرضى الفصام ضحايا الإدمان بسبب غياب المراقبة الجيدة، إذ أن مريض من أصل مريضين مدمن على السجائر أو المخدرات أو الاثنين معا، ما يعتبره الأخصائيون مضرا بصحتهم، حسب الدراسة، التي أشارت كذلك إلى أنه يصعب على هؤلاء المصابين تحقيق استقرارا في وضعهم الصحي.

ويواجه أولياء المرضى ارتفاع مصاريف المتابعة الصحية، إذ يكلف المرض أكثر من 500 درهم في الشهر، ما يثقل كاهل الأسر الفقيرة، لأن حوالي 68 في المائة من أسر المرضى لا يتوفرون على تغطية صحية، فيما لا تعوض نسبة كبيرة من الأسر، التي تتوفر على تغطية صحية على الدواء، لأن المصاب تجاوز سن التمدرس.

المغرب يتوفر على 400 طبيب نفسي

يشكو آباء وأولياء مرضى الفصام ضعف الأطباء الاختصاصيين، إلى جانب قلة المراكز الصحية الخاصة بإيواء المصابين بأمراض نفسية وعقلية، وكشف مصدر طبي أن المغرب يتوفر على حوالي 400 طبيب نفسي فقط، ما اعتبره نسبة ضعيفة، بالمقارنة مع سكان المغرب.

وإذا كان هناك استياء لدى آباء وأولياء المرضى من ندرة أطباء النفس، فإن سخطهم يرتفع، أيضا، لندرة الممرضين والمعالجين للمرض النفسي، إذ أوضحت أم مريض، في اتصال لـ"المغربية" أن الإشراف على جناح المرضى النفسيين بقسم الأمراض النفسية التابع للمركز الصحي الجامعي ابن رشد بالبيضاء أو ما يعرف بين المهنيين بـ"الفيرمي"يجري من طرف ممرضة واحدة، ما يفيد أن حياة هذه المريضة معرضة للخطر، في غياب مفعول الأقراص المنومة، التي تهدئ المريض.

ويعد الفصام أو ما يعرف بـ" سكيزوفرينيا"، حسب الاختصاصين، مرضا مزمنا، يؤدي إلى اضطرابات نفسية وعقلية، ويرفض بعض الاختصاصيين تسميته بانفصام الشخصية، لأن التسمية لا تمت للمرض بأي صلة، كما يرفضون ما يظنه بعض المغاربة بأنه ازدواجا للشخصية، أي أن للمصاب بالمرض شخصيتين مختلفتين يجري التعامل بهما، حسب وضعيته الصحية.

وتشير لأبحاث إلى أن المصابين بالفصام يعانون خللا في الموصلات العصبية والمواد الكيميائية خاصة «الدوبامين»، كما تحدثت عن عامل الاستعداد الوراثي. وتعود أسباب الإصابة بالفصام إلى وجود علامات عضوية بالمخ عند المصاب، وتغيرات في نسيج المخ والخلايا العصبية، إضافة إلى خلل في قابلية التشكل للمخ.

وتبدأ أعراض الإصابة بالمرض، خلال فترة المراهقة، عبر نقص في التحصيل الدراسي وصعوبة في التواصل، وخلق علاقات ودية مع الآخرين، إذ يلجأ المصاب إلى الانطواء والعزلة عن المجتمع، كما يواجه المريض اضطرابات في التفكير، مع ظهور نوبات للهلوسة، ويتأكد التشخيص المرضي عندما تدوم الأعراض أكثر من ستة شهور.




تابعونا على فيسبوك