يرمي مشروع مواكبة الرجال مرتكبي العنف الزوجي، الذي أطلقته الجمعية المغربية لمناهضة العنف ضد المرأة إلى إنجاز دراسة حول موضوع "أي صورة للرجال مرتكبي العنف الزوجي"
ووضع نموذج لمواكبة الرجال مرتكبي العنف الزوجي، ومواكبتهم عن طريق تكوين مدربين ومدربات في مجال الدعم النفسي والاجتماعي. وأكدت خديجة الرباح، مديرة الجمعية المغربية لمناهضة العنف ضد المرأة، أن الاشتغال مع الرجال أحد الطرق لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، ووسيلة لتعزيز المعرفة والمهارات والمواقف اللازمة والميسرة لإشراك الرجال في مناهضة العنف، ولاهتمام المقاربة بدراسة العلاقة بين الجنسين والبحث في طبيعة البناء التراتبي، الذي يشرعن الوضيعة التبعية التي تعرفها النساء داخل الأسرة.
قدمت الجمعية المغربية لمناهضة العنف ضد المرأة في ندوة نظمت، أخيرا، بالدارالبيضاء، الخطوط العريضة لبرنامج مواكبة الرجال مرتكبي العنف الزوجي، الذي أطلق في يونيو 2010 .
وحسب تقرير الجمعية الذي توصلت "المغربية" بنسخة، منه أن برنامج مواكبة الرجال مرتكبي العنف الزوجي، يعد التجربة الأولى من نوعها في المغرب، وأطلق في محاولة من الجمعية لتكسير العنف عن طريق المتابعة النفسية الاجتماعية للرجال، ويأتي ذلك لسد الفراغ الحاصل في مجال الاشتغال مع الرجال المعنفين داخل البيت والمجتمع المدني، بعد أن ركزت الجمعيات المناهضة للعنف في نضالها، على البعد القانوني والسياسي، وتقديم خدمات القرب، مست النساء، فقط، ولم تشتغل مع الرجال.
واعتبر التقرير التجربة الأولى على المستوى الوطني لغياب أي تجربة محلية يمكن الاستئناس بها، جاءت بعد اقتناع مناضلات الجمعية بأهمية الموضوع فقررن خوضها وتقاسمها مع الجميع، حسب ما أعلن عنه بمناسبة الإعلان عن انطلاق العمل بها.
وتحاول الجمعية من خلال عرضها تقريب الأفراد داخل البيت المغربي من فكرة هذا المشروع وحيثيات إخراجه إلى أرض الوجود وشروط الاستفادة منه، عل ذلك يحفز الرجال مرتكبي العنف على التقدم بطلب الاستفادة من برنامج المواكبة النفسية والاجتماعية لوقف سلوكاتهم وأعمالهم العنيفة، قبل حلول موعد نهاية المشروع المحددة في يونيو المقبل.
إلحاح على تغيير سلوك الزوج المعنف
خروج المشروع إلى أرض الواقع، جاء أخذا بعين الاعتبار لطلب النساء المستفيدات من خدمات مركز الاستماع، ومن طلبات الزوجين المستفيدين من برنامج الوساطة داخل الجمعية المغربية لمناهضة العنف ضد المرأة، بتوفير صيغ أخرى لوضع حد للعنف الممارس عليهن عن طريق تغيير سلوك أزواجهن العنيف عبر مواكبة الأزواج وتقييم سلوكياتهم.
ومع الإلحاح في الطلب من قبل النساء المعنفات، وبعد دراسة الجمعية لتجارب أخرى، اقتنعت بوجود إمكانية للوقاية من العنف باعتماد هذه الطريقة، فاختارت خوض تجربة مرافقة الرجال المعنفين وتتبع أثر المواكبة على النساء ضحايا العنف.
وحسب التقرير، فإن واقع الحال يفيد أن عددا من النساء المعنفات لا يرجحن خيار متابعة الزوج المعنف، بل يفضلن الاتصال بالزوج لإقناعه بالتوقف عن ممارسة العنف، لأنهن يتخوفن من توريط أزواجهن في عقوبات حبسية باعتبارهم آباء لأطفالهن.
وتفسر الجمعية هذا الخيار بـ"الوضعية الاقتصادية الهشة للنساء، وعدم تمتعها بالاستقرار المادي الذي يعيقها باستمرار على الخروج من دوامة العنف، ويزكي رفضها أو ترددها في ترك الزوج، لكن في السنوات الأخير شهدت تحولا مهما يستحق الذكر، إذ بدأت النساء المعنفات، خاصة المستفيدات من خدمات مركز الاستماع، يبحثن عن وسائل أخرى للخروج من وضعية العنف لطموحهن إلى حياة عادية دون عنف وتوتر مع الشريك".
الاشتغال مع رجال معنفين
تعول الجمعية من خلال اعتماد مقاربة الاشتغال مع الرجال لوقف العنف الممارس على النساء، للمساهمة في التأثير على تفكير الرجال، بحيث يصبحون طرفا في عملية مناهضة العنف الممارس ضد المرأة، وكذلك على النساء، من خلال مساعدتهن على التخلص من عقدة الذنب، عوض اعتبار أنفسهن مسؤولات عن العنف الذي يتعرضن له.
إن الاشتغال مع الرجال مرتكبي العنف الزوجي، يمكن، بشكل أساسي، من توقع سلوك العنف واتخاذ تدابير لتجاوز الدوامة ولتكسير الحلقة، عن طريق جعل مرتكب العنف يعترف بمسؤوليته تجاه الفعل ويعي النتائج السلبية لسلوكه العنيف، وبالتالي يتعهد بالتغيير وبعدم العودة لممارسته، عبر التعود على سلوكات غير عنيفة.
إن الاشتغال مع الرجال، بالنسبة إلى خديجة الرباح، مديرة الجمعية المغربية لمناهضة العنف ضد المرأة، أحد الطرق لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، ووسيلة لتعزيز المعرفة والمهارات والمواقف اللازمة والميسرة لإشراك الرجال في مناهضة العنف، لاهتمام المقاربة بدراسة العلاقة بين الجنسين وتبحث في طبيعة البناء التراتبي، الذي يشرعن لوضعية التبعية التي تعرفها النساء داخل الأسرة.
إشراك الرجال في هذه العملية، بالنسبة إلى أعضاء الجمعية، يعد وسيلة تمكن من التعرف على آثار العنف على الزوجة وعلى الأطفال وعلى العلاقة الزوجية والمجتمع برمته، ناهيك عن التقرب من نفسية المعنف لوضع برامج تحسيسية لصالح الرجال، ناهيك عن أنه وسيلة لتعزيز المعرفة والمهارات اللازمة لإشراك الرجال في مناهضة العنف، والتأثير على الشكل الذي يتخذه العنف وعلى الآثار التي يخلفها وبالتالي سيساهم في الحد منه.
وينطلق المشروع من فكرة أن سبب ظاهرة العنف المبني على النوع الاجتماعي يكمن في الموافقة الضمنية، وفي تسامح المجتمع مع العنف الممارس من طرف الرجل وفي إعطاء تبريرات له، إذ أن الرجل الذي يهين ويضرب زوجته، إنما يكرس ثقافة مقبولة في المجتمع، يوظف خلالها الرجل القوة الجسدية لتعزيز هذه الهيمنة.
وتنبني فكرة مشروع مواكبة الرجال على تنظيم مجموعات عمل، يتواصل خلالها الرجال مع اختصاصيين في مجالات متعددة، تسمح بتعلم آليات التواصل عوض الوصول إلى العنف.
منهجية العمل
يتطلب العمل مع مرتكبي العنف مواكبة فردية وجماعية من طرف مجموعة من الخبراء في المجال النفسي، وفي تنشيط المجموعات ومدربين متخصصين واعين بمختلف إكراه وخلفيات العنف الزوجي الممارس ضد النساء والقائم على النوع الاجتماعي.
ينطلق فريق العمل من اعتبار العنف عملا مجرما قانونيا، وأن مرافقة المعنف وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي له، لا يعني تقديم تبريرات لسلوك الرجل المعنف، أو أن بإمكان الزوج أن يجد في هذه المواكبة ضمانا لسلوكه غير الشرعي، حسب تأكيدات خديجة الرباح، بل تجعل الرجال مرتكبي العنف يفكرون في طريقة للتغير وتبني سلوكات وتوجهات غير معنفة وتمييزية.
ووفق عملية المواكبة، تجري متابعة الزوج، في إطار عمل مجموعات مكونة من الرجال الذين يعانون المشكلة نفسها أو يمارسون السلوك نفسه، بهدف تعريف الرجل بمسؤوليته الكاملة عن اعتدائه الجسدي والنفسي على زوجته مهما كانت المثيرات.
ويقترح البرنامج المتبع في تنفيذ المشروع على تنظيم عدة نقاشات حول محاور مرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، وصيرورة التنشئة الاجتماعية أو التطبيع الاجتماعي للرجال، والتساؤل حول "كيفية تربية الرجال في المجتمع، وبناء الذكورة أو الرجولة داخل المجتمع المغربي، والصور النمطية السائدة عن الرجال والتي يكونوها عن أنفسهم وعن أدوارهم.
في ظل هذه المقاربة، ينطلق المدرب أو المدربة، من فكرة مسلمة بها، مفادها أن التعامل مع مرتكب العنف ليس بهدف تبرير سلوكه أو البحث عن تفسيرات لسلوكه العنيف، بل بهدف أساسي، هو الوعي بالطابع اللاقانوني واللاإنساني لسلوك العنف ولعواقبه الوخيمه على الزوجة والأطفال والمجتمع.
إن هذه المقاربة لا تريد أن تجعل الرجال ضحايا العنف، لأن الواقع يوضح أن الرجل مسؤول عن ارتكاب فعل العنف، لأن واقع الحال يوضح أن الرجل مسؤول عن ارتكاب فعل العنف اتجاه الزوجة، كما أن مواكبة هذه الفئة بالذات ليس بهدف تقديم تبريرات وتفسيرات موضوعية للسلوك العنيف.
الفئة المستهدفة من المشروع
تأتي النساء المعنفات على رأس قائمة الفئات التي يستهدفها المشروع، ثم الرجال مرتكبو العنف، والمنخرطون في برنامج الوساطة من أزواج النساء المستفيدات من خدمات مراكز الاستماع الوافدون من جمعيات أخرى تشتغل على العنف. كما أن المشروع يهدف إلى تكوين نساء ورجال الإعلام والصحافة المكتوبة في المجال، إلى جانب رجال ونساء التعليم ومراكز تكوين المعلمين والمعلمات المساهمة في مناهضة كافة أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، لأن العنف ما يزال يقبل اجتماعيا، يحد من الحقوق الإنسانية للنساء، وحاجزا أمام تحقيق مجتمع ديموقراطي وعادل، سد منيع أمام التنمية المستدامة ويقلص فرصة المشاركة النساء في بناء المجتمع.
يهدف المشروع بشكل عام، حسب مسؤولي الجمعية المغربية لمناهضة العنف ضد المرأة إلى مناهضة العنف الممارس ضد النساء والمساهمة في تغيير القيم الذكورية الحاملة للتمييز عن طريق مرافقة، وتتبع الرجل دون التقليص من مسؤولياتهم في ارتكاب العنف أو التشكيك في وجود حالة ارتكاب عنف قائم على النوع الاجتماعي، ومساعدتهم للاعتراف به وقياس مدى خطورته والتعرف على الآثار الناجمة عن سلوكاته.
أما الأهداف الجزئية للمشروع، فتتمثل في التعرف أكثر على مرتكبي العنف بعيون رجالية، من خلال إعداد دراسة أولى عنهم، إلى جانب تنظيم دورات تكوينية لصالح مجموعة خبراء مختصون ومختصات في مجال مواكبة مرتكبي العنف، وتحفيزهم لتغيير سلوكهم العنيف للمساهمة في عملية التحول الاجتماعي، التي من شأنها أن تفضي إلى جعل الثقافة المجتمعية أكثر مساواة كما يهدف المشروع إلى الترافع اتجاه مركز تكوين المعلمين والمعلمات من لتدريس كيفية مناهضة العنف للجيل الجديد التربوي، إلى جانب تحسيس وتكوين الأطر التعليمية بأهمية مناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي وتنظيم حملات توعية لصالح ثلاث مؤسسات.
ويخصص المشروع جانبا لتحسيس وتكوين رجال ونساء الإعلام والصحافة المكتوبة حول العنف، موازاة مع تنظيم عدة حملات تحسيسية من خلال وسائل التواصل.
أنشطة المشروع
يرمي المشروع لانجاز دراسة حول موضوع "أي صورة للرجال مرتكبي العنف الزوجي"، ووضع نموذج لمواكبة الرجال مرتكبي العنف الزوجي، ومواكبتهم عن طريق تكوين مدربين ومدربات في مجال الدعم النفسي والاجتماعي.
ومن الأنشطة المبرمجة، موازاة مع تنفيذ المشروع، تنظيم دورات نقاش وتبادل خبرات حول علاقات النوع الاجتماعي، وحملة تحسيسية وإخبارية حول العنف القائم على النوع الاجتماعي. إلى جانب التدخل لصالح مجموعة من المؤسسات التعليمية ومراكز التكوين للتعريف بمخاطر العنف المبني على النوع الاجتماعي.
وتفكر الجمعية في توفير كتابة مرجعية للتجربة والعمل على نشرها، مع تقييم التجربة عن طريق دراسة أثر المواكبة النفسية والاجتماعية للرجال مرتكبي العنف على زوجاتهم.
العنف الزوجي وصل إلى 80 في المائة
يمثل العنف الزوجي نسبة 80 في المائة، من مجموع أعمال العنف التي تتعرض إليها النساء في المغرب، حسب ما كشفت عنه إحصاءات لوزارة التنمية الاجتماعية، نشرت بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، إذ أعلنت عن تسجيل 503,29 حالة اعتداء على النساء خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2008 إلى سبتمبر 2009
بعض مبررات العنف
وتبرر أعمال العنف المصرح بها بوجود مشاكل اقتصادية ومادية، تعانيها أسرة المرأة المعنفة، إلى جانب عوامل اجتماعية مثل الإدمان على المخدرات والكحول وألعاب الحظ، أو التيرسي، بالإضافة إلى أسباب قانونية.
وللحد من ظاهرة العنف أوصىت العديد من الجمعيات النسائية الناشطة في مجال محاربة العنف، بضرورة سد الفراغ الحاصل في مجال القانون الجنائي والعمل على تجريم العنف ضد المرأة بصفة عامة والعنف الزوجي بصفة خاصة، وكذا تفعيل دور النيابة العامة في إرجاع المطرودة إلى بيت الزوجية مع ضمان حماية الزوجة وحقوقها
يشار في هذا الإطار إلى أن كتابة الدولة المكلفة بالأسرة والطفولة والأشخاص المعاقين لدى وزارة التنمية والأسرة والتضامن قدمت في 27 نوفمبر 2006، خلال ندوة وطنية، الصيغة الأولية لمشروع القانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، وهو ما جعل جمعيات المجتمع المدني الناشطة في مجال حقوق المرأة بالمغرب، تتطلع إلى صدور مشروع قانون حول تجريم العنف الزوجي، ينص على الآليات القانونية لمكافحة ظاهرة تعرف تفاقما.
وجاء الإعلان عن المشروع بمناسبة إطلاق الحملة القومية السابعة لمناهضة العنف ضد المرأة، التي أكدت خلالها وزيرة التنمية الاجتماعية والتضامن والأسرة، نزهة الصقلي، على الكلفة المرتفعة لظاهرة العنف الزوجي بالنسبة للصحة الجسدية والنفسية للنساء بالمغرب.
وهو مشروع حدد أهدافه في تقليص مستويات العنف ضد المرأة إلى النصف، ودعم المكتسبات المتضمنة في قانون الأسرة، الذي وصف لدى صدوره في فبراير 2005 بأنه "ثورة قانونية" في اتجاه المساواة بين الجنسين
وفي انتظار صدور القانون، تنتشر عبر أرجاء المملكة عدد من مراكز الاستماع والتوجيه، التي تنشطها جمعيات نسائية، بغرض كسر جدار الصمت واستقبال النساء ضحايا العنف وتقديم الدعم النفسي وتوجيههن قانونيا واجتماعيا، فضلا عن بناء قواعد معطيات لفهم وتحليل أبعاد الظاهرة.