بعد معاناة دامت عدة شهور، بدأ الأمل يراود منكوبي مخيمات النوايل، "لستيراد" وبلعامري والجعاونة، بمنطقة الغرب
بعد طمأنتهم من طرف السلطات الإقليمية بإيوائهم في القريب العاجل والاستفادة من مشروع قريتين نموذجيتين لإيواء السكان المتضررين، بشراكة بين عمالة سيدي سليمان والمجلس الإقليمي والجماعة القروية، أولاد بن حمادي، وصندوق التنمية القروية التابع لوزارة الإسكان (الأشغال التقنية والطوبوغرافية جارية تحت إشراف الوكالة الحضرية).
يأوي مخيم دوار بلعامري، بسيدي سليمان، 64 أسرة متضررة من فيضانات واد "أم الزين"، كلهم يطمحون إلى السكن في منازل تتوفر على شروط الصحة والسلامة، وتجدد أملهم في تحقيق هذا المبتغى، مباشرة بعد الزيارة التفقدية الأخيرة، التي قام بها عامل الإقليم إلى دوار بلعامري، حيث ووزع 1000 "كيت" على المتضررين، ووعدهم بانتشالهم من تلك الخيام في وقت قريب.
مخيم النوايل
وجوه تائهة تبحث عن جواب وسط ركام التراب والروائح النتنة، وأخرى تحملق في السماء الصافية، تدعو الله أن ينعم عليها بسكن لائق يحميها قساوة البرد، الذي تسلل إلى أجسادها وحرارة الشمس، التي لسعت جباهها، وأحرقت وجوهها، وتأجج لهيبها في رؤوسها. هكذا كانت حالة أغلب سكان مخيم النوايل، بضواحي سيدي سليمان، الذي ذمرته فيضانات واد "الحامة"، الذي اجتاح المنطقة.
أطفال يعيشون في دائرة الخوف، وآخرون يلعبون فوق تلال الأزبال والوحل، يرددون أنشودة المطر من كلماتهم وإبداعهم، يقول مطلعها "ياربي تصب الشتا غير شوية، وتخلينا نمشيو المدرسة". ليس الأطفال وحدهم من تأقلموا مع هذا الوضع المرير، بل النساء بدورهن يبحثن عن حل للخروج من هذه الظروف التي يصفها السكان بالعصيبة.
قالت عائشة برزق، بصوت عال، "منذ شهرين وأنا أعيش ظروفا صعبة رفقة خمسة أبناء عاطلين عن العمل"، دون أن تنسى ذكر المساعدات الغذائية والطبية التي وزعتها السلطات الإقليمية والهلال الأحمر المغربي.
وأضافت عائشة أن همهم الوحيد هو الحصول على بقعة أرضية، وبناء منزل يحميها وأبناءها من البرد القارس، مركزة على ضرورة البناء المجاني.
أما خديجة محروقي، فرددت، بنبرة حزينة، أن زوجها مكث بالمستشفى أسبوعا قصد العلاج، لتعرضه لنزلات برد، بسبب النوم داخل الخيمة البلاستيكية، الشيء ذاته زكته عائشة الحرتول، أم لثمانية أولاد، رفقة جارتها فاطمة.
أزبال متناثرة هنا وهناك، وروائح كريهة تنتشر في الدوار، بسبب أكياس بلاستيكية مملوءة بالأزبال، وروائح نتنة ناتجة عن البول المنتشر في كل مكان، ما تسبب في انتشار أمراض العيون وضيق التنفس لدى العديد من الأطفال والشيوخ.
أكد محمد خاصي، عضو في لجنة المتابعة في ملف دوار "لاستيراد" الملقب بالنوايل لـ "المغربية" أن السكان المتضررين سيستفيدون من بقع أرضية، مشيرا إلى أنه جرى عقد اجتماع مع عامل عمالة سيدي سليمان، وطرح المشكل، ووعدهم بإيجاد حل جذري يخص مشكل السكن في دور ذات مواصفات ومعايير حديثة، بدل السكن في دور من طوب.
وقال خاصي إن تفويت الأرض لبناء دور لإيواء المنكوبين يتطلب وقتا طويلا لإتمام الإجراءات القانونية المتعلقة بتمرير الأرض عبر الجماعات المحلية، مؤكدا أن السكان ينتظرون، أيضا، مساعدات مالية، قصد البناء والخروج من أزمتهم.
وختم خاصي كلمته بأن الحوار مازال متواصلا مع عامل عمالة سيدي سليمان، من أجل تسريع وتيرة الحصول على الأرض.
"أم الزين" يخيب الآمال
حين تسمع اسم "أم الزين" يوحي إليك أنه لقب يطلق على امرأة ذات جمال فاتن وأخاذ، لا يقاومه أحد، أو أن الأمر يتعلق بأسطورة امرأة حير جمالها مشايخ القبيلة والوافدين عليها، لكن "المغربية" اكتشفت، من خلال زيارتها لمنطقة الغرب، أن "أم الزين" هو اسم يطلق على واد بدوار بلعامري، بضواحي سيدي سليمان، وهو اسم على غير مسمى، لأنه يرعب أطفال ونساء وشيوخ الدوار عند دنو فصل الشتاء.
واد "أم الزين" ازداد منسوبه مع التساقطات المطرية الأخيرة واجتاح الدوار، وهدم عشرات الدور الطينية، وحرم المتضررين من سكن دافئ يحتمون فيه، وحوّل الدوار إلى خراب ومنتجع للحشرات، من قبيل "الناموس" والذباب و"الشنيولة"، كما أجبر السكان على الإقامة الجبرية داخل خيام بلاستيكية قدمتها السلطات والهلال الأحمر المغربي.
وتساءل متضرر هل شبح واد "أم الزين" سيهدد من جديد سكان الدوار، أم الشروع في عملية توسيع عمقه من طرف السلطات الإقليمية سيحول دون ذلك، ويسترجع الدوار هدوءه وسكينته؟
"أم الزين كَرْفس لينا الحوايج، عْتقنا غير الوثائق"، عبارة أكدتها زوجة لحسن بجدين (فلاح)، حينما قالت إنها تعاني رفقة أفراد أسرتها لفحات البرد القارس داخل الخيمة البلاستيكية، حيث يعيشون حياة بدائية، حسب تعبيرها.
قالت زوجة بدين إن العيش بشكل يومي داخل خيمة بلاستيكية يشعرهم بالغبن، فجأة، قاطعتها فاطمة وطوط وقالت بتحفظ "زوجي معاق ومتطلبات الحياة كثيرة، لكن الحمد لله نتسناو العمالة تفرج علينا".
صمتت وطوط بضع دقائق ورددت "زار الكاتب العام الدوار، ووعدنا بتغيير مجرى الوادي"، بينما قالت محجوبة العروي، أم لثلاثة أبناء، إنهم استفادوا من مساعدات الهلال الأحمر، المتمثلة في الزيت والسكر والدقيق، لكن رغم ذلك، تضيف، أن أغلب القاطنين بالخيام يعانون البرد القارس، ما تسبب لدى البعض في التبول اللاإرادي.
الطفلة نادية، من دوار بلعامري، التحقت بالمتضررين الذين تحملقوا حول موفدة "المغربية"، وقالت، بنبرة حادة، "أنظروا إلى بيتي، لقد هدمته مياه أم الزين وأصبح ركاما".
ليست نادية، الطفلة الوحيدة التي تنتقل بين الفينة والأخرى إلى الدور المهدمة، بل عشرات من نساء الدوار يفعلن ذلك كلما أتممن أشغالهن المنزلية، حيث يذهبن ليتفقدن منازلهن، التي حولتها مياه"أم الزين" إلى بقايا وأطلال.
يأوي مخيم دوار بلعامري 64 أسرة متضررة من فيضانات واد "أم الزين"، كلها تطمح لسكن في منازل تتوفر على شروط الصحة والسلامة، وتولد لديهم الأمل مباشرة بعد الزيارة التفقدية الأخيرة التي قام بها عامل الإقليم إلى دوار بلعامري، حيث وزع 1000 "كيت" على المتضررين، واعدا إياهم بانتشالهم من تلك الخيام في وقت قريب، بينما طمأنهم مسؤول آخر بعملية إعداد تصاميم البناء من طرف مصالح عمالة سيدي سليمان، إضافة إلى توسيع عمق واد "أم الزين" بشكل استعجالي بمبلغ مالي مهم، من أجل حماية الدوار من التقلبات الجوية المقبلة.
قام عامل إقليم سيدي سليمان، الحسين أمزال، بزيارة إلى المنطقة المتضررة، رفقة وفد يضم جميع رؤساء المصالح الخارجية بالإقليم، وتشكيل لجن تتبع تضم ممثلين عن السكان، حيث جرى إحداث مخيم مجهز بالماء والكهرباء بدوار أولاد عبد الصادق، يأوي حاليا 45 متضررا بالإضافة إلى توزيع 49 خيمة لفائدة متضررين آخرين، نصبت قرب منازلهم المهدمة جزئيا.
ومن بين الإجراءات الاستعجالية، التي اتخذتها الجهات المسؤولة بعمالة سيدي سليمان، حفر واد أم الزين وتنقيته على مسافة 835 مترا، استجابة لطلب السكان، وحماية ما تبقى من الدوار من الفيضانات، إضافة إلى اقتناء مرافق صحية متنقلة بمبلغ 105 ألفا و935 درهم، بتمويل من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وكذا اقتناء كتب ولوازم مدرسية لفائدة 35 تلميذا بتمويل من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتوزيع الأغطية والأفرشة لفائدة 120 متضررا.
ومن بين المشاريع، التي قامت بها العمالة انطلاق إعداد دراسة تتعلق بإعادة هيكلة دوار أولاد عبد الصادق، بشراكة بين عمالة إقليم سيدي سليمان والمجلس الجماعي لدار بلعامري والوكالة الحضرية، قصد إيجاد أرضية قانونية، يجري بموجبها الترخيص للأسر المتضررة لبناء مساكنها وفق تصاميم معمارية، وفي هذا الصدد تكفلت مصالح الجماعة بإنجاز الأشغال الطوبوغرافية المتعلقة، التي جرى إحالتها على الوكالة الحضرية لإنجاز مشروع إعادة الهيكلة.
ووزعت العمالة، أخيرا، مساعدات غذائية وأفرشة على المتضررين، في إطار المساعدات التي تقدمها وزارة الداخلية للأسر المتضررة من الفيضانات، ومباشرة حملة تطهيرية من طرف السلطة المحلية والمصالح الصحية، بمخيم دار بلعامري، إضافة إلى توزيع أدوية لفائدة المتضررين من طرف مندوبية وزارة الصحة بإقليم سيدي سليمان ومبادرات أخرى.
من بين الإجراءات الأولى، التي قامت بها عمالة سيدي سليمان لفائدة مكنوبي دوار ليستراد والجعاونة بالجماعة القروية أولا بن حمادي، إيواء سكان دوار ليستراد بمرآب ضيعة "كوماكري" سابقا، وتزويدهم بالخيام (71 خيمة)، وكذا الأغطية (162 غطاء)، كما جرى ربط مكان الإيواء بالماء الصالح للشرب.
واستفاد المتضررون من خدمات فرقة طبية قامت بفحوصات طبية لفائدتهم، وذلك بتاريخ في فاتح يناير الماضي، إضافة إلى توزيع بعض المواد الغذائية والأغطية من طرف الهلال الأحمر المغربي، وتوزيع مساعدات غذائية وأغطية من طرف وزارة الداخلية لفائدة السكان المتضررين.
كما عملت السلطة المحلية والإقليمية على إنجاز حاجز وقائي لحماية دورا ليستراد من فيضانات واد الحامة على طول 300 متر، وإزالة الأوحال الموجودة بالدوار وتهيئة المسالك بتمويل مشترك بين المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والجماعة القروية لأولاد بن حمادي، بغلاف مالي قدره 160 ألف درهم، وتصريف المياه الموجودة بالدوار إلى قناة بومعيز المجاورة.
ويجري حاليا الاشتغال على إنجاز مشروع قريتين نموذجيتين بالدوارين لإيواء السكان المتضررين بشراكة بين عمالة سيدي سليمان والمجلس الإقليمي والجماعة القروية، أولاد بن حمادي وصندوق التنمية القروية التابع لوزارة الإسكان (الأشغال التقنية والطوبوغرافية جارية تحت الوكالة الخضرية).
يشار إلى أنه عقدت سلسلة من الاجتماعات التحسيسية والتواصلية والتقريرية مع السكان، من أجل الانخراط في مشروع القرية النموذجية، وتوجت الاجتماعات بتعيين تمثيلية عن السكان تتولى التنسيق مع السلطات والإدارة.
شاءت الأقدار أن يقضي الطفل عبد الهادي لهنيش (من دوار بلعامري) مدة أزيد من ثلاثة أشهر داخل خيمة بلاستيكية، رفقة عائلته، وهو يعاني مرض الكلي.
لم يتجاوز عمر عبد الهادي، الذي يدرس في الخامس أساسي، 10 سنوات، لكن الألم، الذي يعانيه يوميا، يجعله طفلا انطوائيا، إذ اختار العزلة بين الخيام البلاستيكية، يتكأ على شجرة صغيرة تارة، ليتأمل الوضع المزري، الذي يعيشه وأفراد أسرته، وتارة أخرى، يتذكر مرضه والفحوصات الطبية، التي تنتظره وقصر ذات اليد.
عبد الهادي أجرى حديثا عملية جراحية حول الكلي، وأخبره الطبيب بمتابعة العلاج في قاعة لا يدخلها التيار الهوائي، لكن هذا الطفل يضطر إلى النوم في خيمة بلاستيكية، يدخلها البرد القارس من مختلف المنافذ... لا تعرف جفونه النوم، بل يقضي ليله يرتعش من شدة البرد والألم، الذي لا يفارقه.
يحتاج عبد الهادي إلى مبلغ مالي قيمته 120 ألف درهم لإجراء فحوصات طبية موازية، لكن أسرته تعاني الفقر، وليس في مقدورها إجراء تلك الفحوصات.
ويبقى الإسراع في بناء مساكن إسمنتية لسكان دوار بلعامري الأمل الوحيد لعبد الهادي للنوم في مكان لا يدخله تيار هوائي وفي ومسكن دافئ يقيه الإصابة من جديد بمرض الكلي.