فاطمة مغناوي تبرز حاجز العقلية الذكورية أمام ثقافة المساواة

الأحزاب والنقابات خذلت المرأة في تجديد ثلث مجلس المستشارين

الإثنين 02 نونبر 2009 - 19:40

احتفلت نساء المغرب، يوم 10 أكتوبر، باليوم الوطني للمرأة في حلته الثانية، واستغلت الحركة النسائية المناسبة لوضع جرد لحصيلة مكتسباتها ونضالها، من أجل وضعية اجتماعية واقتصادية وسياسية أفضل.

وإذ لا تنكر هذه الحركة كل ما تحقق، وما أحرزته من تقدم على المستويات التشريعية، تعبر عن شعورها بالإحباط إزاء نتائج المحطة الانتخابية الأخيرة الخاصة بتجديد ثلث مجلس المستشارين، فهناك ثلاث نساء، فقط، انضفن إلى 3 أخريات لم يشملهن التجديد، ليصبح المجموع ست نساء، من أصل 270 مستشارا في الغرفة الثانية، أو 3 من أصل 90 عضوا انتخبوا لهذا الثلث.

وعبرت فاطمة مغناوي، الفاعلة الجمعوية والسياسية، عن استيائها من النتيجة، وتتحدث، في الحوار التالي، عن إكراهات التمثيلية النسائية أمام عقلية ذكورية، لا تخترقها الخطابات المتقدمة، ولا نضالات النساء من أجل المساواة بين الجنسين.

* ما هي قراءتك الخاصة للنتائج التي حصلت عليها النساء، خلال انتخابات تجديد ثلث مجلس المستشارين؟

- إنها نسبة ضعيفة جدا ، في الواقع، ولا ترقى إلى طموحاتنا، كحركة نسائية ناضلت، وما زالت، من أجل تمثيلية فاعلة ووازنة، ومن أجل إقرار الكوطا، كآلية مرحلية، للتمييز الإيجابي. كنت أتمنى أن تحصل المرأة، على الأقل، على نسبة 12 في المائة، وهي النسبة التي كانت ستعطينا 11 منتخبة، خلال تجديد ثلث هذه الغرفة، لكن الفائزات الثلاث (من أصل 90، أي ثلث أعضاء المجلس) لم يجعلن العدد يتعدى 6 مستشارات، من أصل 270 عضوا.

إن هذه النتائج مردها، أولا، إلى عدم مأسسة الكوطا، كما أن الأحزاب السياسية لم تتخذ الإجراءات الكافية لإعمالها وتدبيرها بشكل ديمقراطي.

ولاحظت أن مركزيات نقابية، مشهود لها بنضالاتها، ومواقفها من قضايا المرأة الرئيسية، جعلت المرأة في آخر الترتيب في انتخابات تجديد ثلث المستشارين، رغم أنها تتفانى في عملها في القطاع الذي تمثله. فلا نضالها ولا كفاءتها أخذا بعين الاعتبار، ما يعني أن الأمور لم تدبر بالجدية والمسؤولية اللازمتين، وهذا ليس إلا مثال من أمثلة عديدة. وحتى في الانتخابات الجماعية، وجد الرجال داخل الأحزاب في اللائحة الإضافية، متنفسا لإبعاد النساء عن اللائحة الأصلية، بل هناك من وضع رجالا في اللائحة الإضافية، ليتدارك، بعد ذلك، أن هذه اللائحة هي للنساء فقط.

هناك مسألة أخرى، أوصلتنا إلى ضعف التمثيلية في مجلس المستشارين، هي طبيعة الاستحقاق، أو ما يسمى باستحقاق الناخبين الكبار، وما يرافقه من استعمال للمال بشكل مكشوف، في حين، أن النساء المرشحات، بشكل عام، لم ينخرطن في هذا النوع من الفساد، وهذا يحسب لهن.

* إذن، بماذا تفسرين هذه الكبوة الجديدة، بعد أن ظلت الحركة النسائية تناضل من أجل تمثيلية نسائية أفضل؟

- إن المسألة بنيوية، في نظري، فالبنية العميقة داخل الأحزاب مازالت محافظة، بشكل عام، تظهر خلال أي استحقاق، كالزيت فوق الماء. إنها دائما العقلية الذكورية، التي ما زالت مهيمنة في النقابات، وفي الأحزاب، وفي المجتمع ككل. إنه مشكل ثقافي بالأساس، وهذه العقلية الذكورية لم تستطع لا الإجراءات المحفزة، ولا نضالات المرأة، اختراقها. أكيد، الحقل السياسة هو مجال المنافسة بامتياز، لكن أن يجري إقصاء المناضلات، والكفاءات النسائية من اللوائح الأصلية، ويقع الصراع والتهافت على الترتيب من طرف المناضلين، الذين يرتدي أغلبهم وجها آخر بمجرد ما تحل الانتخابات، رغم خطاباتهم المتقدمة، فهذه مفارقة خطيرة وصادمة، عاشتها المناضلات أثناء إعداد اللوائح. فهناك من أحبطن وسحبن ترشيحهن، وهناك من قاومن واضطررن للمرافعة عن أنفسهن. هذا النضال الجديد مع "المناضلين" من الإخوة والرفاق، هو جبهة من أصعب الجبهات، التي تتطلب نفسا طويلا، وعملا مكثفا على مستوى إشاعة وترسيخ ثقافة المساواة بين الجنسين في الذهنيات، وهو العمل الذي تتجند له الجمعيات النسائية، وفعاليات المجتمع المدني، لكن، رغم جهودها، لا بد أن تؤدي الدولة دورها على هذا المستوى، من خلال المدرسة، ووسائل الإعلام، والكتاب المدرسي، وغيرذلك من الوسائل التربوية.

إذا كنا تطورنا، وتمكنا من رفع نسبة النساء في البرلمان، وفي الجماعات المحلية، فذلك بكثير من الصعوبات، بمعنى أن نضالنا مازال شاقا وطويلا. وفي نظري، ما دام النقاش مفتوحا حول الإصلاحات السياسية والدستورية، أعتقد أنها فرصة لكي يجري التنصيص على المساواة بين الجنسين في الحقوق السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وعلى سمو المواثيق الدولية على التشريعات الوطنية، واستكمال ملاءمة الإصلاحات التشريعية مع المعايير الدولية، وحماية النساء من كل أشكال الميز والإقصاء والعنف.

* ألم تكن الميزانية التي خصصتها وزارة الداخلية للأحزاب، التي ترشح أكبر عدد من النساء، حافزا لتقديم نساء في مختلف المحطات الانتخابية؟

- بالفعل، كان هذا حافزا مهما في الانتخابات الجماعية، وأدى إلى خلق دينامية جديدة في المجتمع، إذ تحركت القطاعات النسائية داخل الأحزاب والجمعيات التي حصلت على الدعم، ووضعت برامج للتحسيس وتكوين المرشحات. وتشكلت شبكات، مثل "نساء من أجل النساء"، بمبادرة من اتحاد العمل النسائي، وهي شبكة تضم قطاعات نسائية للأحزاب، وجمعيات نسائية وحقوقية، وباحثات، وبعض الفعاليات، وسطرت برنامجا طويلا للتحسيس والمرافعة أمام الأحزاب، من أجل ترتيب النساء في مواقع ودوائر تساعدهن على الفوز.

وتبين للشبكة زيادة وعي النساء، وهي تحدد المرشحات المحتملات على المستوى الوطني، بأهمية المشاركة النسائية، وبضرورة الانخراط في بناء مغرب الحرية والمساواة، فأقبلن على المشاركة في الدورات التكوينية بحماس، وعلى ترشيح أنفسهن، ما دحض مزاعم الأحزاب بأنه ليس هناك نساء لترشيحهن.

* غير مأسسة الإجراءات والكوطا، ما هي، في نظرك، الآليات المناسبة، اليوم، لدعم المرأة في نضالها، من أجل انتزاع مكاسب مشاركة أكبر في المجالس المنتخبة؟

- نحن نناضل، اليوم، من أجل الثلث في اتجاه المناصفة، وهناك شبكتان مهمتان، هما "الحركة من أجل الثلث"، و"نساء من أجل النساء"، ونحن مستمرات في هذا العمل، ونتمنى أن تلج النساء مناصب المسؤولية في الجماعات. هاهن اليوم أصبحن مستشارات، لكن نريدهن رئيسات الجماعات، فلو نتصور، فقط، أن نسبة 12 في المائة من الجماعات تترأسها نسبة النساء الفائزات، أي، بعملية بسيطة، سنجد أن 180 جماعة ستترأسها امرأة. لكن، رغم غياب معطيات صحيحة عن عدد رئيسات الجماعات، وهذا مشكل آخر نصطدم به عندما نريد توثيق مثل هذه المعطيات، لنعتمد عليها في دراساتنا، فإننا نبقى بعيدين جدا عن هذا الرقم.

* لكن ما العمل، الآن، حتى لا نبقى مكتوفي الأيدي، وننتظر محطة انتخابية جديدة لتستيقظ الحركة النسائية، أو الأحزاب؟

- نحن، الآن، بصدد إعداد برنامج، في إطار حركة "نساء من أجل النساء"، خاص بتكوين المستشارات الجماعيات، في ما يتعلق بالميزانية المرتكزة على النوع الاجتماعي، وحول الحكامة المحلية والتنمية، وحول التحالفات، أي كيف يمكن للنساء، أيضا، أن يخضن غمارها، وكذلك، تكوين حول محور الميثاق الجماعي، وغيره.

وضعت حركة "نساء من أجل النساء" برنامجا للاستمرارية، ولا نفكر في التوقف عند الجماعات المحلية، والغرف المهنية، والغرفة الثانية، فقط، بل سنواصل العمل إلى غاية 2012، موعد الانتخابات التشريعة المقبلة، بالاستراتيجية نفسها، الخاصة بتقوية قدرات النساء للمزيد من تشجيعهن على المشاركة السياسية، كما أن التحسيس بمقاربة النوع يوجد ضمن برامجنا ، لأن الحزب لا يمكن أن يكون إلا برجاله ونسائه، والتأطير يهم النساء والرجال، وبالتالي، على المؤسسة أن تعكس حضور النساء والرجال معا.

إن برامجنا واضحة، ونستهدف فيها، أيضا، الشباب، إذ سنشتغل مع الجامعات، والمؤسسات التعليمية، للدفع بالشباب إلى ممارسة السياسة، والمشاركة في الانتخابات، وهذا تحد نواجهه جميعا. لكن، بالفعل، يجب التأكيد على قضية أساسية، وهي أنه لا ينبغي أن نترك الأمور إلى آخر لحظة لنتحرك، فالأحزاب آخر من يستيقظ لاستقطاب النساء أو الشباب. يجب أن نبدأ من الآن، يجب أن يكون لدينا بعد نظر، ونرى كيف يمكن ربح رهان المشاركة، ورهان التمثيلية المشرفة في المؤسسات المنتخبة، لأن هذا هو ما يحدد المؤشرات، التي تضعنا، حتى الآن، في مرتبة متأخرة جدا، في التصنيف العام لتقرير التنمية البشرية.

إن المغرب منخرط في عدد من الالتزامات الوطنية والدولية، فلا مجال أمامنا للرجوع إلى الخلف، بعد أن حققنا خطوات مهمة إلى الأمام. لهذا، يجب تعزيز ما حققناه بتمثيلية فاعلة ووازنة، وهذا يجعلنا نبحث عن كفاءات نسائية، تحتاج إلى تكوين وإلى مواكبة. وهذا دور الحزب، الذي عليه، بالإضافة إلى التأطير، أن يضطلع بالتكوين من الآن، لا أن يترك الأمور إلى آخر لحظة، ليطلب من النساء الالتحاق للترشيح، دون أي تكوين أو تحسيس. إنه إشكال حقيقي عشناه داخل أحزابنا، ولو كانت تبلور برامج تستوعب هذه المقاربة للنوع، وتكون وتؤطر تأطيرا سياسيا، لأنجبت، بالفعل، نساء لهن هم سياسي.

إننا عشنا مفارقة غريبة في الانتخابات الجماعية، فقد وجدنا نساء لهن استعداد لخوض غمار المنافسة السياسية، لكن لم يجدن التشجيع والتكوين اللازمين، ما جعلهن يتخوفن من الدخول إلى عالم السياسة. هناك إشكالية أخرى عرفناها، هي تدبير اللائحة، التي لم تنبن على معايير الديمقراطية، وهذا يجعلنا نشعر بالإحباط حين نجد أن الأحزاب تستقطب نساء من أحزاب أخرى، وتضعها في الواجهة الأمامية، في حين، تهمش المناضلات الحقيقيات، التي هن أولى بأن يحظين بالترتيب المناسب.

* ماذا عن تخصيص وزارة المالية لميزانية لمقاربة النوع؟

- في الحقيقة، أحيي تجربة وزارة المالية، التي كانت سباقة لجندرة الميزانية. وهذا مهم جدا، وأملنا أن توحد كل القطاعات ميزانيتها لهذا الغرض، حتى يظهر ذلك جليا في قانون المالية، فنحن بحاجة إلى هذه الجندرة، لأنها مؤشر على تلك الإرادة في تجاوز العقلية الذكورية.

* ما هو تقييمك للنساء البرلمانيات حاليا؟

- أحييهن كثيرا، وأخص منهن المناضلات الحقيقيات، اللواتي نلنها عن جدارة واستحقاق، وساهمن في إعداد وتقديم قوانين، ويشتغلن بنفس جاد، ولعل آلية "منتدى النساء البرلمانيات" تعزز هذا الدور النسائي الرائد، وتمثل قوة ضاغطة داخل البرلمان. هناك حركة وهمة من قبل نسائنا، لا يسعنا إلا أن نتفاءل بها، لكن العقليات تبقى من أصعب ما يمكن تطويره في المجتمعات، وتحتاج إلى وقت طويل يندرج في الزمان، غير أن العامل الزمني لا ينبغي أن يسقطنا في الانتظارية، بل علينا التفعيل السريع، بتجنيد كل الوسائل المتاحة، لندحض كل التبريرات الذكورية الواهية بإقصاء النساء.




تابعونا على فيسبوك