بعد عشرين سنة من العطاء والتفاني في عملها، انطفأت شمعة الصحافية نعيمة النوري، وودعت أحبتها، وزملاءها في مهنة المتاعب.
متحلية بصبر نادر، دون أن تفارقها الابتسامة، التي كانت تستقبل وتودع بها زوارها، الذين توافدوا على غرفتها في إحدى مصحات الرباط، حيث كانت تصارع الألم والمرض حد الموت.
بسبب المرض، لم تتمكن نعيمة النوري من إنجاز تغطية فعاليات مهرجان موازين، المنظم في شهر ماي الماضي. كانت آخر مهمة كلفت بإنجازها، لكن الداء، الذي كان أخذ ينخر جسدها البض، ويلون بياض بشرتها، حال دون إنجازها تغطية المهرجان، بعد أن ظلت، منذ انطلاق أول دوراته، تؤثث صفحات "المغربية" بمقالات حوله وحوارات، وتغطيات لفعالياته.
في ماي من هذه السنة، توقفت نعيمة النوري عن الكتابة، للتفرغ لمصارعة مرض أصر على انتزاعها منا مبكرا، وقبل ذلك، في ماي من سنة 1963، رأت نعيمة نور الحياة، وأطلقت أول صرخاتها، حين اقتحم هواء الدنيا رئتيها، إنها صدفة الأقدار.
لم تكد نعيمة النوري تبلغ من العمر خمس عشرة سنة، حتى ودعت والدتها إلى دار البقاء، وها هي ابنتها إيمان، تودعها أمها الوداع الأخير، وهي بعد لم تتجاوز سنتها الخامس عشرة، إنها صدف الأقدار، مرة أخرى.
كانت نعيمة صبورة، كتومة، هادئة في طبعها، مسالمة متسامحة، تجنح لفعل الخير، لا تتردد في مؤازرة كل من كان بحاجة إلى دعمها، متفانية في عملها، إذ منذ أن تدخل قاعة التحرير، لا تغادر مكتبها إلا من أجل تسليم صفحاتها للقسم التقني، حتى وجبات الغداء، كانت تتناولها وعيناها مسمرتان على جهاز الحاسوب، وبين لقمة وأخرى، تضيف فاصلة، أو تصحح خطأ نحويا أو إملائيا، أو ترقن كلمة أو جملة، في سباق مع زمن صحفي، يحده موعد إغلاق الصفحات (البوكلاج).
قضت نعمية النوري جزءا من حياتها داخل مقطورات القطار، وحين ينهكها السفر اليومي بين مدينتي الرباط، حيث تقيم مع أسرتها الصغيرة، والدارالبيضاء، حيث مقر عملها، تلملم أحزانها وتردد "حسبي الله".
رغم معاناتها مع الألم، والإنهاك بسبب العلاج الكيماوي، كانت نعيمة، ذات العينين الخضراوين، والبشرة الناصعة البياض، تفكر في مرضى، كانت تقابلهم في المصحة، وفي محادثاتها مع زملائها وأفراد أسرتها، كانت تردد باستمرار "هناك من يعاني أكثر مني، وهناك حالات أعقد من حالتي، حمدا لله على هذا المصاب".
التحقت نعيمة بجريدة "المغربية" أياما قليلة بعد صدورها، سنة 1989، مشكلة واحدة من مؤسسي هذه التجربة الإعلامية. اشتغلت في بداية مسارها في قضايا مدينة الدارالبيضاء، قبل أن تنتقل إلى العمل في القسم الثقافي والفني، راسمة تجربتها في التعامل مع كل المشارب الفكرية، والاتجاهات الفنية، بمهنية عالية، وحنكة أكسبتها احترام الفنانين والمثقفين والفاعلين في الحقل الإعلامي.
لم تكن نعيمة تلك المرأة المدللة، بل كانت تتجلى فيها صورة امرأة مكافحة، تجسد كل قيم المساواة في علاقتها بزوجها، تتحمل معه أعباء الحياة، ومسؤوليات الأطفال، وحتى وهي ترقد في فراش الموت، ظلت تواصل مهامها بالسؤال عن ابنها إلياس، وابنتها إيمان، وتواكب أخبارهما، وتذكر زوجها، حسن، بمواعيد دراستهما وأكلهما واستحمامهما، وترعاهما بحنانها، الذي لم ينضب حتى أخذتها يد المنون.
ومنذ انتشار خبر وفاة نعيمة، تقاطرت على عنوان "المغربية" وعناوين زملائها، العشرات من التعازي، مرفوقة بعبارات المواساة، من فنانين ومثقفين وسينمائيين، ومبدعين وإعلاميين، كشفت مدى حب هؤلاء لزميلة فقدناها جميعا، وسنفتقدها دائما، لكن ذكراها ستظل حاضرة، بكل تقاسيم اللحظات التي قضتها بيننا.