هل سيبقى حزب الأحرار في حكومة عباس الفاسي، بعدما خانت الأغلبية مرشحها في السباق نحو رئاسة مجلس المستشارين، ورجحت أصوات عنها كفة مرشح المعارضة، محمد الشيخ بيد الله؟
هذا سؤال اعتبره القيادي التجمعي، المعطي بنقدور، المهزوم في انتخابات رئاسة الغرفة الثانية، سؤالا "مشروعا ومنسجما مع الواقع"، قبل أن يضيف، غاضبا "سأطرحه، شخصيا، على قيادة حزب أولا، وعلى الحكومة، ثانيا".
وتقاطع ما أعلن عنه بنقدور مع تصريح تلفزي للقيادي التجمعي، محمد أوجار، سبق انتخابات مجلس المستشارين بيوم واحد، ولمح إلى ضرورة ترجيح خيار خروج حزب الأحرار من الحكومة، إذا تخلت الأغلبية عن دعم مرشحه لرئاسة الغرفة الثانية، ما يعني أن تيارا جديدا داخل الحزب، يطالب بالنزول إلى المعارضة، قد تكون ملامحه بدأت تتشكل.
وقال بنقدور، الذي كان متأثرا بهزيمته أمام مرشح حزب الأصالة والمعاصرة (المعارض)، لـ "المغربية"، إنه "رغم كل ماجرى في انتخابات رئاسة مجلس المستشارين، خرجت من المنافسة مرفوع الرأس، وللأمانة والتاريخ، فالمعارضة أخذت الشيء الكثير من أصوات مرشح الأغلبية، التي لم تلتزم بما التزم به أمناء أحزابها سياسيا، وهذا إشكال".
وأقر بنقدور بسقوطه مرتين أمام غريمه، مرشح المعارضة، الشيخ بيد الله، في السباق نحو رئاسة الغرفة الثانية. وقال الرئيس السابق لمجلس المستشارين "أهنئ الفائز بفوزه، والانتخابات مرت في جو ديمقراطي، لكنها أبانت عن تفكك الأغلبية بهذا المجلس، وأكدت، بما لا يدع مجالا للشك ،أن ما حصدته من أصوات خلال جولتي الانتخابات كان بمجهودي الشخصي".
وكان بيد الله حصل، في الدور الأول من التصويت، على 133 صوتا، مقابل 111 صوتا لفائدة بنقدور، مع 10 أصوات ملغاة، من أصل 254 صوتا معبر عنها، ما فتح الباب أمام جولة ثانية من التنافس على منصب رئاسة الغرفة الثانية.
وجاء اللجوء إلى جولة ثانية منسجما مع مقتضيات المادة 13 من النظام الداخلي للمجلس، التي تنص على أن "الرئيس ينتخب عن طريق الاقتراع السري بالأغلبية المطلقة للأعضاء، الذين يتكون منهم المجلس، في دورتين، وبالأغلبية النسبية في الدورة الثالثة. وإذا تساوى المرشحون في الأصوات، رجح أكبرهم سنا، وإذا تساووا في السن، حكمت القرعة".
وانتخب بيد الله ،عن فريق الأصالة والمعاصرة، من المعارضة، أول أمس الثلاثاء، رئيسا لمجلس المستشارين بالأغلبية المطلقة، بعد تسع ساعات من التنافس بينه وبين مرشح الأغلبية المهزوم، المعطي بنقدور، عن التجمع الوطني للأحرار.
ولم يحسم السباق لرئاسة المجلس إلا بعد اللجوء إلى دور ثان، تمكن خلاله بيد الله من الحصول على 140 صوتا، مقابل 100 صوت لمنافسه الوحيد، بنقدور.
واكد بيد الله، في تصريح للصحافة، عقب الإعلان عن نتائج الاقتراع، أنه سيحرص على العمل، مع مكتب مجلس المستشارين وجميع الفرق، على أن تكون النقاشات، خاصة خلال دراسة القوانين، "موضوعية، وهادئة، ووطنية، ومسؤولة ".
وأعرب عن أمله في أن يشكل مجلس المستشارين قيمة مضافة في تحصين المكتسبات، التي حققها المغرب، وأن يعمل على استشراف آفاق المستقبل، ومسايرة القضايا الكبرى.
وتميزت جلسة التصويت على الرئيس الجديد، بتقدم مصوتين من أحزاب الكتلة، المساندة لمرشح الأغلبية، بنقدور، لمصافحة غريمه، مرشح المعارضة الشيخ بيد الله، بل شوهد بعض المستشارين يأخذونه بالأحضان، وأوسعوا رأسه تقبيلا.
وحسب مصدر حزبي، فإن فريق الحركة الشعبية بمجلس المستشارين عقد اجتماعا طارئا، صباح يوم الاقتراع، حضره جميع أعضاء الفريق، تحت رئاسة القيادي محمد الفاضلي، وجرى التأكيد على ضرورة الالتزام بالتصويت على مرشح "البام"، بيد الله.
لم يتجاوز بالكاد عقده السادس، ابن السمارة البار الذي أصبح من زعماء قبيلة الركيبات العريقة، عرف كيف تورد الإبل، وبدل ركوب البحر عشق الإبل والصحراء، ودخل عالم السياسة من بابه الواسع لينتزع كرسي الرئيس الجديد لمجلس المستشارين، هو باختصار محمد الشيخ بيد الله.
محمد الشيخ الذي أسقط مرشح الأغلبية مرتين( الطور الأول والثاني) في السباق نحو رئاسة مجلس المستشارين المعطي بنقدور، أو ابن "الجاقمة المدلل" نسبة إلى مسقط رأسه بجماعة جاقمة، التي يرأسها بجهة الشاوية، اعتبر فوزه هو امتداد لنفوذ أبناء وجهاء الصحراء في مراكز القرار بالدولة المغربية.
فتوحات بيد الله السياسية ظهرت بشكل كبير عندما، انتخب أمينا عاما لحزب الأصالة والمعاصرة ربيع العام الجاري، ومستشارا لجهة كلميم السمارة بمجلس المستشارين، ما جعله محط متابعات الصحافيين وعدسات المصورين.
سار بيد الله على درب العمل، انطلاقا من مستشفى ابن رشد بالدارالبيضاء، بعد أن حصل على الدكتوراه في الطب سنة 1979، ليتقلد بعد ذلك منصب رئيس مصلحة بالمؤسسة نفسها، وأستاذا باحثا مبرزا في الطب الباطني سنة 1987 بكلية الطب بالدا البيضاء.
قبل دخوله المستشفى كطبيب انتخب بيد الله نائبا لمدينة السمارة بمجلس النواب سنة 1977، وأعيد انتخابه سنة 1984.
كما جرى انتخابه داخل المجلس رئيسا للجنة الشؤون الخارجية والتعاون والحدود والمناطق المحتلة والدفاع الوطني ثم رئيسا للجنة التجهيز والبريد والاتصالات، وشغل بيد الله منصب وزير الصحة في حكومة جلالة الملك من 2002 إلى 2007.
وعرف بيد الله بدفاعه عن ملف الوحدة الترابية في الأمم المتحدة لمدة فاقت عشرين سنة، ابتدأت قبل حدث المسيرة الخضراء إلى جانب حضوره في مؤسسة اتحاد البرلمانات الدولية وعضويته في مكتب اتحاد البرلمانات الإفريقية.
كما شارك كملاحظ في عملية تحديد هوية سكان الأقاليم الصحراوية، التي قامت بها بعثة الأمم المتحدة (المينورسو).
وإلى جانب عمله الرسمي والدولي، ساهم محمد الشيخ بيد الله في العديد من الندوات والملتقيات العلمية، وله مساهمات علمية في أكبر المجلات الطبية المتخصصة، كما يحظى بعضوية اللجنة الاستشارية لمنظمة الصحة العالمية في الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا.
يذكر أن بيد الله حاصل على وسام العرش من درجة ضابط، إلى جانب أوسمة أخرى حظي بها من دول صديقة وشقيقة. ومحمد الشيخ بيد الله متزوج وأب لخمسة أبناء.