مشروع لتعميق الممارسة الديمقراطية ضمن الدولة الموحدة

باحثون وسياسيون يحددون إطار الجهوية الموسعة بالمغرب

الأربعاء 14 أكتوبر 2009 - 09:23

يعتبر خيار الجهوية الموسعة من الخيارات الديمقراطية، التي يطمح المغرب إلى ترسيخها، وجعلها آلية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ومنذ سنة 1997، أطلق المغرب هذا المشروع، بإصدار قانون، قسم المغرب إلى 16 جهة، وهو ما يعتبره الملاحظون مرحلة جنينية للجهوية الموسعة، وإن كان البعض يعتبر هذا التقسيم إداريا، ولا يمكن اعتماده في تفعيل النظام الجهوي المتوخى.

وبمناسبة الذكرى العاشرة لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس على العرش، يوم الخميس 30 يوليو 2009، قال جلالته في خطاب العرش "في سياق تصميمنا على الارتقاء بالحكامة الترابية، قررنا فتح ورش إصلاحي أساسي، بإقامة جهوية متقدمة، نريدها نقلة نوعية في مسار الديمقراطية المحلية. ولهذه الغاية، سنتولى، قريبا، تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية.

منتظرين منها أن تعرض على سامي نظرنا، في غضون بضعة أشهر، تصورا عاما، لنموذج مغربي لجهوية متقدمة، تنهض بها مجالس ديمقراطية، بما يلزم من التوزيع المتناسق للاختصاصات، بين المركز والجهات". الخطاب الملكي يبرز أن مشروع الجهوية الموسعة بات وشيكا، وأن المغرب مقبل على خطوة لها أهميتها على مستوى البناء الديمقراطي، ما يستوجب فتح نقاش موسع، يمكن من توضيح الرؤى.

ينبغي أن تطبق الجهوية في إطار الدولة الموحدة

المغرب، وكما هو معروف، بلد يتميز بتنوعه الثقافي والإثني واللغوي. وكان الخطاب الرسمي يقدم المغرب على أنه إمبراطورية تضم مجموعة من الجهات، والأكيد، كما هو ملاحظ ،هناك تنوع كبير، يشكل في حد ذاته مدخلا لتطبيق جهوية موسعة، قد تتخذ شكل حكم ذاتي، كما هو مقترح في الأقاليم الجنوبية.

والآن، ونحن نتحدث عن الجهوية، علينا أن نذكر بأن المغرب اعتمد قانون الجهات منذ سنة 1997، وأن الدستور المغربي يعتبر الجهة جماعة محلية، بمعنى أن هناك دسترة للجهة، إضافة إلى أن هناك قانونا للجهات، قسم المغرب إلى 16 جهة، والأكيد أن الجهوية المعتمدة اليوم، هي جهوية مقلصة، ينبغي توسيعها، وهناك إجماع من قبل مختلف الفاعلين، سواء تعلق الأمر بالمؤسسة الملكية، أو الفاعلين السياسيين الفرعيين، حول ضرورة اعتماد جهوية موسعة، وخطب الملك محمد السادس مافتئت تعتبر الجهوية الموسعة خيارا استراتيجيا.

وطبعا، حين نتحدث عن الجهوية الموسعة في المغرب، نعرف أن اعتماد هذا النظام ينبغي أن يكون مؤطرا بمبدأين أساسيين، يتأسس الأول على أن الجهوية ستطبق في إطار دولة موحدة، لأننا، حين الحديث عن الجهوية الموسعة، التي قد ترقى لتصبح حكما ذاتيا، كما هو مقترح بالنسبة للأقاليم الجنوبية، فإننا نستقي مضامينها من تجارب الجهوية الموسعة المعتمدة في الدول الموحدة، مثل اسبانيا وإيطاليا، ولا نتحدث إطلاقا عن جهوية موسعة في إطار دولة فيدرالية، كما هو معمول في الولايات المتحدة الأميركية، أو ألمانيا الفيدرالية. وإذن فهذه الجهوية الموسعة، التي يعتزم المغرب اعتمادها، لن تفضي إطلاقا إلى تغيير في طبيعة الدولة، بمعنى أن المغرب سيبقى دولة موحدة، وكما يقول فقهاء القانون الدستوري، ستبقى دولة بسيطة، ولن تحول إلى دولة فيدرالية.

ويتعلق المبدأ الثاني، بخصوصية المجتمع المغربي على المستوى الديني، إذ ينبغي الحرص على الوحدة الدينية، لذلك حين نتحدث عن جهوية موسعة نراعي خصوصيات كل جهة أو كل منطقة، فالأمر لا علاقة له بالمسألة الدينية، بمعنى أن المبادئ المشكلة للهوية المغربية الدينية والمتمثلة في العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي، والتصوف السني، في إطار إمارة المؤمنين، ستظل ثابتة.

وهذان المبدآن الأساسيان، على الأقل، يشكلان مدخلا للتعاطي مع مسألة الجهوية الموسعة في المغرب.
وحين الحديث عن تنزيل الجهوية الموسعة، نجد أن بعض الفاعلين يطمحون إلى أن تتخذ شكلا واحدا، يصل إلى تطبيق الحكم الذاتي في مختلف الجهات المغربية، لكن هناك اتجاه يؤمن بضرورة اعتماد مقاربة تدريجية وتدرجية، على أساس اعتماد الجهوية الموسعة، التي لن تصل إلى مستوى الحكم الذاتي، باستثناء الأقاليم الجنوبية، التي ينبغي أن تمتع بوضع خاص، يتمثل في تمكين سكان هذه المناطق من ممارسة حكم ذاتي.

ويتضح أن الرؤية ليست موحدة بين مختلف الفاعلين، لأن هناك من يطالب بتعميم تجربة الحكم الذاتي، كما هي مقترحة في الأقاليم الجنوبية، وهناك من يرى أن الظروف لم تنضج بعد، ولذلك يلزم اعتماد مقاربة تدرجية، تنطلق من تطبيق الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، وتمكين جهات أخرى من شكل متقدم من الجهوية الموسعة، لا يصل إلى درجة الحكم الذاتي.

لكن حين الحديث عن الجهوية الموسعة، فالحكم الذاتي هو شكل من أشكال هذه الجهوية الموسعة، التي قد تبدأ بشكل مقلص، كما هو معتمد في المغرب، من خلال قانون 1997، وقد تتطور بإعطاء صلاحيات للجهات، وقد تصل هذه الجهوية إلى أرقى أشكالها، كما هي معتمدة في الدول الموحدة، والمتمثلة أساسا في الحكم الذاتي.

في المغرب اليوم، هناك إرادة في تطبيق الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، لأن الصراع في هذه الأقاليم استمر زمنا طويلا، والمغرب اقترح صيغة عملية لوضع حد لهذا الصراع، وتتجلى في الحكم الذاتي، إلا أن هذا الحل لقي معارضة من قبل خصوم الوحدة الترابية، والخطاب الملكي ليوم 6 نونبر 2008، كان واضحا، إذ أعلن عن قرب تطبيق الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، سواء قبل خصوم الوحدة الترابية بذلك أم لم يقبلوا، كما أعلن الخطاب عن قرب وضع لجنة استشارية، ستضع تصورا حول كيفية تطبيق الجهوية الموسعة، مع مراعاة الخصوصيات المغربية.

وكما قلت إنه حين الحديث عن جهوية موسعة قد تصل مستوى الحكم الذاتي، فإننا نستحضر نماذج وتجارب تعيشها العديد من البلدان، وينبغي أن نستفيد منها، ومعلوم أن تطبيق الجهوية الموسعة، خاصة في شكلها المتمثل في الحكم الذاتي، يتأسس على احتفاظ السلطة المركزية برموز السيادة، ونقصد برموز السيادة العلم والعملة والبريد والجيش والتمثيل الدبلوماسي الخارجي، بينما كل القضايا المتعلقة بتدبير الشأن المحلي داخل الجهة، تتكلف بها مؤسسات تمثيلية، وتتكون أساسا من مجلس محلي منتخب، أو مجلس جهوي منتخب، يمثل سكان المنطقة المتمتعة بالحكم الذاتي، وهذا المجلس لا يمكن اعتباره برلمانا، لأنه لا يمكنه أن يشرع، ما دام أن ما يميز تجربة الحكم الذاتي في دولة موحدة، هو أن البرلمان على الصعيد الوطني هو الذي يشرع.

إلا أن هذا المجلس المنتخب محليا يتداول كل القضايا المتعلقة بتدبير شؤون سكان المنطقة، مع إمكانية فرض بعض الرسوم أو حتى بعض الضرائب، حسب متطلبات المنطقة.

إضافة إلى المجلس المنتخب، تكون هناك حكومة محلية، منبثقة عن هذا المجلس، وتعتبر أداة تنفيذية تطبق كل ما يصدر عن المجلس المنتخب، وطبعا، اعتمادا على التجارب المعتمدة في العديد من الدول، التي سبقتنا إلى تطبيق الحكم الذاتي، أو الجهوية الموسعة، نجد دائما مسؤولا يربط بين السلطة المركزية وسلطة المنطقة المتمتعة بنظام الحكم الذاتي، أو الجهوية الموسعة.

وإذن على مستوى المؤسسات، أعتقد أن المغرب لن يشذ عن القاعدة، أي أن كل المؤسسات المنتخبة المكلفة بتدبير شؤون الجهة أو شؤون منطقة الحكم الذاتي، سوف لن تختلف عن تلك التي تعتمدها تجارب دولية، مع التركيز، كما سبق أن أشرت، على الخصوصيات المغربية، خاصة على المستوى الديني.

وينبغي أن أضيف أنه حين الحديث عن منطقة تتمتع بجهوية موسعة، أو بحكم ذاتي، فإن ذلك لا يعني أن هذه المنطقة انعزلت أو انفصلت عن باقي المناطق والجهات، لذلك نجد أن في كل الدول التي عاشت و ما زالت تعيش هذه التجربة، هناك مجموعة من المبادئ التي تؤسس للعلاقة بين الجهات، ومن هذه المبادئ التضامن، إذ أن كل جهة هي ملزمة بالتضامن مع الجهات الأخرى. ومن الواضح أن هناك جهات تتمتع بثروات طبيعية، لكن ذلك لا يعطيها الحق في احتكارها كاملة، بل ينبغي وضع ضوابط من أجل أن تستفيد المناطق الأخرى من هذه الثروات، وهناك أيضا مبدأ التوازن.

وأعتقد أن كل الشروط متوفرة، ولا أريد أن أعود إلى ما يقوله بعض الباحثين، إذ يبرزون أن المغرب عرف تجربة الجهوية منذ القديم، وأن هذه الجهوية كانت قائمة بشكل فعلي، لكن أريد التأكيد على أن المغرب استطاع مراكمة تجربة على مستوى ممارسة ما يسمى بالديمقراطية المحلية، منذ تجربة الجماعات المحلية سنة 1976، وتجربة الجهات منذ 1997، بصدور قانون منظم للجهات، لم يكرس جهوية موسعة بالتأكيد، لكن على مستوى الممارسة هناك مجالس جهوية، ويمكن القول إن هناك تدبيرا جهويا، وأصبحت الجهوية حاضرة حتى على المستوى المدني، وأصبحت هناك صحف وجرائد جهوية، أي أن ثقافة الجهة فرضت نفسها.

الإشكالية المفصلية تتمثل أساسا في إعداد التراب الوطني

إن الاتحاد الدستوري، يعتبر الجهوبة مدخلا أساسيا للتنمية الشاملة والمتوازنة بالنسبة للمغرب، وقد وضعها منذ نشأته كدعامة من دعامات بناء المجتمع المتضامن والمتوازن، الذي ظل يدعو إليه. لذلك تأسست برامجه السياسية ورؤيته للمستقبل على قاعدة الجهوية القائمة على ديمقراطية محلية نزيهة وشفافة، وعلى هياكل منتخبة، تتوفر على اختصاصات واسعة في سائر القطاعات، التي تهم التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مدعومة بوسائل مادية مناسبة، وبقدر واسع من اللاتمركز.

إننا نعتبر أن للمغرب خصوصية يكاد يتميز بها عن العديد من شعوب الأرض كافة، وهي أنه نموذج للتماسك الاجتماعي، والتناغم الثقافي والحضاري، والتآلف العرقي، ظل قائما على مدى تعاقب الحقب والعصور بالرغم من كل الهزات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعرض لها.

لذلك فإن تفعيل مختلف المكونات الجغرافية، والبشرية والثقافية، في إطار جهوية متقدمة، من شأنه أن يبعث بالفعل دينامية تنموية جديدة، تنطلق من استغلال الخصوصية الجهوية كدافع للتطور والتقدم في إطار استمرار دور الدولة كضامن للوحدة وكمحفز للتضامن وكحريص على تقويم الاختلالات واللاتوازنات.

ونحن عازمون في هذا الإطار على أن تكون المناطق الصحراوية إحدى العلامات البارزة لنجاح الجهوية المتقدمة، التي يدعو إليها صاحب الجلالة.

فالإشكالية المفصلية في موضوع الجهوية في نظرنا، تتمثل أساسا في إعداد التراب الوطني، الذي لم يرق حسب رأينا، حتى الآن، إلى مستوى مصاحبة الإشارات الملكية القوية في مجال التنمية الجهوية، والتي يشكل إحداث وكالات التنمية الجهوية إحدى علاماتها البارزة، كما تمثل المبادرات والقرارات السامية، التي ما فتئت تتخذ خلال الزيارات الملكية السامية عبر الجهات والأقاليم، علامات طريق، لإعداد سياسات حكومية مسؤولة، لم نر بعد معالمها.

فالاتحاد الدستوري واع بأنه آن الأوان لوضع حد للتوزيع غير المتكافئ لثمار النمو الاقتصادي بين مختلف المناطق والفئات الاجتماعية في المغرب، الذي يشكل استمرار هيمنة المحور الأطلسي الممتد من القنيطرة إلى الجديدة على سائر الاستثمارات والبنيات التحتية، أحد الأسباب الأساسية المؤدية إليه. مما يضع مناطق واسعة من المغرب، في القرى، والجبال، تحت رحمة الخصاص، والهشاشة.

فالجهوية المؤسسة على إعداد ترابي متعقل، وعلى ديمقراطية محلية نزيهة وشفافة، وعلى حكامة ترابية جيدة، هي الحل لإرساء قواعد مغرب التوازن الاجتماعي، والتطور الاقتصادي المتكامل والمتضامن، ومغرب توسيع الخدمات العمومية، وحماية البيئة الطبيعية، وصيانة التنوع والغنى الثقافي والحضاري.

من أجل ذلك لا بد أولا من إيجاد صيغة للخروج من ضغط التمركز الإداري، الذي لا يتناغم مع مبدأ التدبير الجهوي المبني على الأساس الديمقراطي، وإعادة النظر في مفهوم الوصاية، ولا بد ثانيا: من تخويل الجهات أجهزة تنفيذية مزودة باختصاصات، تمكنها من أن تصبح محركا جديدا للعمل العمومي، وباعثا للثقة لدى المواطنين، ومحفزا لمشاركة الشباب والمثقفين والنساء في تطوير الحياة داخل الجهة. وذلك في إطار من التوزيع المتناسق بين هذه الاختصاصات واختصاصات الدولة.

ونحن نبارك في هذا الإطار الدعوة الملكية السامية إلى تنصيب اللجنة الاستشارية الجهوية، قصد تقديم تصور عام للنموذج المغربي للجهوية المتقدمة. فهذه في اعتقادنا محطة جديدة من المحطات الأساسية والمصيرية في بناء المغرب الجديد، التي يتحتم علينا أن نتجند لإنجاحها.

الجهوية مرهونة بإصلاح دستوري شامل

أولا نحن نرى أن الجهوية ينبغي أن تشكل جزءا من إصلاح دستوري شامل، ولا نعتقد أنها ستكون ذات مدلول وفائدة وتأثير على الحياة السياسية والاقتصادية بشكل عام، دون إرفاقها بإصلاحات سياسية ودستورية عميقة، لأن المشكل بالنسبة لنا ناتج عن عطب في النظام السياسي لبلادنا، وهذا العطب لا يمكن تجاوزه دون إصلاح النظام المؤسساتي، اعتمادا على المبادئ العامة المتعارف عليها كونيا، التي تشكل مدخلا لبناء أي ديمقراطية حقيقية، ونقصد فصل السلط، وربط القرار السياسي بصناديق الاقتراع، ومساواة جميع المواطنين أمام القانون، وإرساء قضاء مستقل ونزيه.

وبخصوص اقتراحاتنا داخل الحزب الاشتراكي الموحد، نرى أن التقسيم الجهوي الحالي، الذي يضعنا أمام 16 جهة، نعتبره تقسيما إداريا، لا ينسجم مع المعطيات الاقتصادية والثقافية للبلاد، أي أن هذا التقسيم ينبغي أن يعاد فيه النظر، بما يجعل الجهة تصبح وحدة اقتصادية وثقافية، حتى تكون متوفرة على مقومات تؤهلها لتلعب دورها، بمعنى أن التقسيم ينبغي أن يراعى فيه، من جهة، الانسجام السوسيو ثقافي، وهو أمر مهم، واستحضار المقومات الاقتصادية، من جهة ثانية، حتى تكون الجهة متكاملة ولها من الإمكانيات ما يجعلها تباشر عملها التنموي.

ونرى أيضا أنه ينبغي أن تقر أن الجهات القائمة اليوم، جهات إدارية دون إمكانيات، ولذلك ينبغي تحويل الإمكانيات إلى الجهات، حتى تصبح قادرة على وضع مخططات اقتصادية واجتماعية وتنموية، لأن الدور الذي تلعبه الجهات القائمة اليوم، هو دور شكلي، لأن ميزانيات بعض الجهات تقل عما هو متوفر لجماعة صغيرة.

ولذلك سيمكن تحويل الإمكانيات إلى الجهات من وضع برمجة وتخطيط، والمساهمة في تمويل المخططات الكبرى، التي ستعرفها جهات البلاد. كذلك نريد أن تتوفر هذه الجهات على هيئات تقريرية وتنفيذية منتخبة، وتمارس دورها كاملا.

ونرى أن الدول التي عرفت نظام الجهوية، مثل إسبانيا وألمانيا، سبق تبنيها لهذه الأنظمة إصلاحات سياسية على مستوى النظام المؤسساتي، ولذلك لا ينبغي أن نبدأ من حيث لا يجب أن نبدأ، لأن إعطاء صلاحيات كبرى مثلا لهذه الجهات، وفي ظل ما هو سائد الآن، من فساد وإفلات من العقاب والمحاسبة، وفي ظل فشل الأنظمة الرقابية، السياسية والإدارية، قد يؤدي بنظام الجهوية إلى وضع أصعب، لذلك ينبغي أن ننطلق من إصلاح النظام المؤسساتي، ثم ندشن نظاما جهويا حقيقيا، وهو النظام الذي يمكن أن يتطور ليبلغ ما وصلت إليه الأنظمة المتقدمة، إذ يمكن أن نصل مستقبلا إلى حكومات محلية، وهو ما لا نعتقد أنه مطروح الآن.

انتكاسة انتخابات 2009 لا تجعل مشروع الجهوية حاملا لمضمون جيد

أعتقد أن حزب العدالة والتنمية من الأحزاب التي أثارت في مناسبات عديدة، أن المسار الديمقراطي في المغرب، لا يمكن أن يستند وأن يبنى إلا على أساس تدعيم الجهوية لتقريب الشأن المحلي من المواطنين، في كافة مستوياته. وهذا التصور يندرج ضمن البناء الديمقراطي للدولة، وتجديد تدبير الشأن العام، والانخراط الجاد في مسلسل رد الاعتبار للمواطن، من خلال تحميله مسؤولية تدبير شأنه.

هذا المسعى، يصطدم، للأسف الشديد، بواقع عنيد، لا يسعف في رفقه (أي المسعى) بإنجاز كبير في هذا الشأن، على اعتبار أن المسار الديمقراطي، من أسسه، بالإضافة إلى حرية التفكير والتعبير والتنظيم واستقلال القضاء، الانتخابات الحرة والنزيهة. وللأسف الشديد، فالمسار الانتخابي في المغرب، والانتكاسة التي عرفتها انتخابات 2009، عبر عدة تداعيات سيئة جدا، لا تجعل هذا المشروع الجهوي حاملا لمضمون جيد،
من الناحية المبدئية، لا خلاف بأن المغرب بحكم تنوعه التاريخي والجغرافي والثقافي والاقتصادي، ولذلك فكل هذه المعطيات تطلب منه تعميق الديمقراطية من خلال تعميق العمل في الجهات، وبناء الجهة كمؤسسة مسؤولة ومستقلة، وكبنية ترابية واقتصادية واجتماعية وبيئية منسجمة، وقادرة على جر المغرب نحو التقدم والتنمية.

وللأسف فمن الناحية العملية، ومن حيث الإخلال بقواعد بناء الديمقراطية، نعتقد أن هناك تهديدات حقيقية لبناء هذا الورش الجهوي.

من خلال التجارب التي عرفتها مجموعة من الدول، مثل إسبانيا و إيطاليا، يتأكد أنه ليس هناك منطق التعميم على كافة الجهات، وأن إقامة حكم ذاتي توجب توفر شرطه، إذ تكون بعض الجهات لها، في الغالب، ظروف استثنائية، تجعل أن حماية الوحدة الوطنية تقتضي تمتيعها بالحكم الذاتي، لكن تعميم ذلك على كافة الجهات فيه نوع من التعسف، وأعتقد أن في المغرب، وباستثناء الأقاليم الصحراوية، التي لها وضع خاص، لا يمكن الحديث عن حكم ذاتي في كافة الجهات، والمغرب في حاجة إلى جهوية حقيقية موسعة في بعدها الناجح في الدول التي خاضت هذه التجربة.

هناك حاجة إلى تعديلات قانونية وإلى نقاش حول مشروع الحكم الذاتي

الجهوية مطلب قديم في تصورات الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، يعود إلى منتصف الثمانينيات، عندما كانت الدولة المركزية هي النموذج في نقاشات الفاعلين. ومطلب الجهوية كان دائما مرتبطا بمطلب تفعيل الديمقراطية المحلية، لذلك فالمنهجية التي تعامل بها الحزب مع النصوص الأولى، التي أقرت التنظيم الجهوي، اعتبرت أن هذا التنظيم المحتشم، على علته، مهم لأنه يشكل نقطة بداية، ولأنه يشكل منفذا في مسار مسلسل، لا شك أن حلقاته سوف تكتمل بتعميق هذا البناء الجهوي.

الدفاع عن الجهوية، بالنسبة للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، يعني كذلك الدفاع عن عمق ديمقراطي لتجربة جهوية، وبالتالي فالحديث عن هذا الخيار يعني الحديث عن البعد الاقتصادي للجهة، وعن الجهة كفاعل اقتصادي، وكإطار للتكامل والاندماج الاقتصادي، وهناك جانب آخر مهم، يتعلق بالجانب السياسي، الذي يستند على أن الجهة ينبغي أن تشكل نموذجا مدخلا نموذجياا للديمقراطية المحلية، وأن تكون جماعات محلية رائدة.

وما يلاحظ هو أن هناك جماعات قروية لها ميزانيات تفوق بكثير ميزانيات الجهات، والاختصاصات التي تعطى للمنتخبين الجهويين تظل ضعيفة بالمقارنة مع الاختصاصات المعطاة لممثلي الدولة على مستوى الجهة، ونرى أن معالجة هذا الاختلال بين المنتخبين والمعينين، سيشكل مدخلا أساسيا لتعميق الديمقراطية المحلية، ولبناء جهات حقيقية، وعندما نتحدث عن الجهات يجب أن نتحدث عن اللامركزية، والحديث عن اللامركزية يعني أن السلط ينبغي أن تعطى للمنتخبين. لأن في النظام الجهوي يكون لسلطة المركزية ممثلين، لهم مهمة المواكبة، وليس الرقابة أو الوصاية، والعلاقة بين المنتخبين الجهويين وممثلون السلطة المركزية، يجب أن تكون علاقة ندية، إذ نجد في التجربة الحالية أن رئيس الجهة ليس آمرا بالصرف، والعديد من الاختصاصات تؤول إلى الوالي أو العامل.

جانب مهم جدا يفرض الإثارة، ويتعلق الأمر بطريقة الانتخاب، من أجل إعطاء البعد السياسي للجهة، وجعلها فضاء للعمل السياسي، وفاعلا، ولتحقيق ذلك ينبغي إعادة النظر في طريقة انتخاب الممثلين الجهويين، لأن انتخابهم بشكل مباشر من طرف المواطن، من شأنه أن يخلق علاقة مباشرة ما بين الناخبين والمنتخبين، ومن شأنه أن يخلق دينامية أقوى من الدينامية التي تخلقها طريقة الانتخاب غير المباشرة المعتمدة حاليا، مع الإشارات في هذا الصدد إلى الاختلالات اللاأخلاقية التي تعرفها طريقة الانتخاب.

إذن هناك حاجة إلى تعديلات قانونية، وإلى تعديلات على مستوى القانون الانتخابي، وهناك حاجة إلى نقاش حول مشروع الحكم الذاتي، الذي أعلن عنه المغرب في الأقاليم الجنوبية، وهل سيكون له تأثير على باقي الجهات، لأن هذا المقترح سيلقي بظلاله على الطريقة التي تفكر بها النخب السياسية المغربية في موضوع الجهوية، ولا شك أن الانتظارات ستتقوى وستصبح أكثر جذرية، في أفق جهوية متقدمة، وفي أفق جهوية بمضمون سياسي، تأسس على الوحدة الوطنية.

وتطرح الجهوية أيضا موضوع إعادة النظر في توزيع الجهات، فلا ينبغي أن تصبح الجهة مجرد امتدادات إثنية أو قبلية، بل يلزم أن تكون فضاء قادرا على الإقلاع الاقتصادي، وعلى أن يحقق التكامل الاقتصادي والاجتماعي.




تابعونا على فيسبوك