شنت السلطات الإيرانية حملة ملاحقات بحق قيادات إصلاحية، أمس الأحد، غداة إعلان فوز الرئيس محمود احمدي نجاد لولاية رئاسية ثانية، وحوادث شغب عمت شوارع طهران، احتجاجا على نتائج الانتخابات، التي أكد خصمه الرئيسي أنها شهدت تجاوزات.
وظهر الرئيس المتشدد على شاشة التلفزيون، أول أمس السبت، ليعلن أن فوزه على المرشح المحافظ المعتدل رئيس الوزراء السابق، مير حسين موسوي، تحقق في انتخابات "حرة تماما".
وجاء إعلان احمدي نجاد إثر خروج الآلاف من أنصار موسوي الغاضبين إلى شوارع وسط طهران، حيث تظاهروا احتجاجا على النتائج. وما لبثت أن تطورت تظاهراتهم إلى حوادث شغب ومواجهات عنيفة مع الشرطة لم يسبق للجمهورية الإسلامية أن شهدت مثلا لها، منذ عقد من الزمن.
وفي حمأة هذه المواجهات، اعتقلت الأجهزة الأمنية عشرة، على الأقل، من القادة الإصلاحيين في حركتين دعمتا رئيس الوزراء السابق في انتخابات الجمعة وفي الاحتجاج على نتائجها أيضا، كما أعلن مسؤول في إحدى هاتين الحركتين لوكالة فرانس برس.
ومن القادة المعتقلين عدد ممن شغل مناصب عليا في عهد الرئيس الإصلاحي، محمد خاتمي، الداعم الأساسي لموسوي.
وأكدت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية أن اثنين من القادة الإصلاحيين المعتقلين "ادارا الاضطرابات"، إثر الإعلان عن النتائج الرسمية النهائية للانتخابات، التي أظهرت فوز احمدي نجاد بـ 63 في المائة من الأصوات مقابل 34 في المائة من الأصوات حصل عليها موسوي.
وشملت التوقيفات أنصار المرشح الإصلاحي، الذي حل رابعا في الانتخابات الرئاسية، مهدي كروبي، إذ أكدت نرجس محمدي لوكالة فرانس برس أن القوى الأمنية اقتادت زوجها تاجي رحماني من منزله ليلا.
وقالت "أمس بعد منتصف الليل قرعوا على باب منزلنا، ذهب تاجي ليفتح الباب فاعتقلوه على الفور ووضعوه في سيارة".
ورحماني منشق معروف وسبق له أن دخل السجن لفترة طويلة بتهمة النيل من الأمن القومي.
وهتف الآلاف من أنصار موسوي في شوارع طهران، أول أمس السبت، "فليسقط الديكتاتور"، في حين استخدمت قوات مكافحة الشغب الهراوات والغازات المسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين الغاضبين، الذين رشقوا القوى الأمنية بالحجارة، وأضرموا النيران في حاويات القمامة وسيارات للشرطة.
وأفاد مراسل لوكالة فرانس برس، جال، أمس الأحد، على الأحياء، التي شهدت حوادث شغب ليلا، عن انتشار أعداد كثيفة من القوى الأمنية حول مبنى وزارة الداخلية، في حين جرى إحراق مبنى مصرف وأغلقت الطريق المؤدية إلى المبنى السكني لطلاب جامعة طهران مغلقة.
وقضت نتائج الانتخابات الإيرانية على آمال الدول الغربية في تغيير في الجمهورية الإسلامية بعد أربع سنوات من السياسة الصدامية، التي اتبعها الرئيس احمدي نجاد، الذي وضع بلاده في مواجهة مباشرة مع الغرب على خلفية برنامج النووي الإيراني المثير للجدل، وخطاباته النارية المناهضة لإسرائيل.
ووصف احمدي نجاد فوزه في الانتخابات بأنه "نصر عظيم"، داعيا أنصاره إلى الاجتماع، أمس الأحد، في ساحة ولي العصر في وسط طهران، حيث جرى القسم الأكبر من الصدامات بين أنصار موسوي والقوى الأمنية.
وقال الرئيس، أول أمس السبت، في خطابه المتلفز "اليوم، ألهم شعب إيران أمما أخرى وخيب آمال أولئك الذين يريدون له الشر".
غير أن موسوي الذي لم يظهر علنا، منذ إعلان نتائج الانتخابات، أكد أن الانتخابات اعترتها "مخالفات واضحة وكثيرة"، مؤكدا أنها لا يمكن إلا أن "تضعف النظام الإسلامي وتفرض الكذب والطغيان" ومع ارتفاع حدة الصدامات بين المتظاهرين والقوى الأمنية، أول أمس السبت، قطعت شبكة الهاتف المحمول الرئيسية ومنعت السلطات الوصول إلى موقع التواصل الاجتماعي على الأنترنت "فايسبوك".
وعادت الاتصالات الخلوية إلى بعض أنحاء طهران الأحد.
وأخرجت الانتخابات إلى العلن الانقسامات العميقة، التي يعاني منها المجتمع الإيراني إذ يتركز أنصار احمدي نجاد في الأرياف وأوساط الفقراء، بينما يدعم شباب المدن الكبيرة وشاباتها المرشح المعتدل، مير حسين موسوي.
وبدا أن الحملة الانتخابية، التي شهدت حماوة منقطعة النظير، ومناظرات تخللها تشهير وتجمعات شعبية غفيرة، حركت موجة تغيير في أوساط الإيرانيين، الذين ولد 60 في المائة منهم في عهد الثورة الإسلامية.
من جهته، رحب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي، الذي يمثل السلطة الأعلى في البلاد، بفوز احمدي نجاد، داعيا الشعب إلى الوقوف صفا واحدا خلف الرئيس ودعمه، بعد الحملة الانتخابية الأكثر حماوة منذ قيام الثورة في 1979 .
وقال مهدي شمران، رئيس مجلس بلدية طهران والمحافظ النافذ لصحيفة همشري الصادرة، أمس الأحد، إن "المشاركة الفريدة من نوعها في ملحمة (انتخابات)12 يونيو أظهرت أن شعار التغيير، الذي رفعه الرئيس الأميركي، باراك أوباما، لا مكان له بين شعبنا".
وأضاف أن "هوية إيران لا تسمح باستنساخ أعمى (...) الثورات المخملية والملونة لا تجدي نفعا لدى شعبنا".
وأثار الإعلان عن فوز احمدي نجاد ردود فعل حذرة لدى المجتمع الدولي سيما لجهة الاتهامات بتجاوزات ومخالفات شابت العملية الانتخابية.
وقالت وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، إن "الولايات المتحدة امتنعت عن التعليق على الانتخابات في إيران. نأمل أن تكون النتائج تعكس الإرادة الحقيقة للسكان ورغبتهم".