تختلط العبارات، وتتصاعد الأنفاس، وتتحول صيحات الترحيب إلى نشيج وبكاء، هكذا كان حال مجموعة من النسوة، وهن يستقبلن، عشية أول أمس الأحد، وفدا وزاريا رفيع المستوى، يقوده وزير الداخلية، شكيب بنموسى، توجه إلى سيدي سليمان، تنفيذا للتعليمات الملكية السامية، للقيا
ورغم المشاعر المضطربة المتأرجحة ما بين الفرح والسعادة والرغبة في البوح بما يعتصر القلوب من ألم وشكوى، بعد ما تعرضوا له من كوارث، أبان المواطنون السبعمائة وخمسة وستون، الذين جرى إيواؤهم في مركز استقبال مؤقت، وهم يتحدثون إلى الوفد، عن قدر كبير من المسؤولية والإيمان بقضاء الله وقدره.
بين الرغبة في التعبير عن واقع حال أليم، بعد ضياع البيت ونفوق الضرع وإتلاف الزرع، والسعي إلى تحديد لائحة المطالب أو البوح بشكوى، ثمة قاسم مشترك في تصريحات جميع المتضررين من الفيضانات: إنه الاعتراف.
تحولت زيارة الوفد الوزاري لمركز الإيواء الذي جرت تهيئته لفائدة الأسر المتضررة، من هدفها الرئيسي المتمثل في الوقوف على ظروف الإيواء والإنصات لمطالبها، إلى جلسة للبوح والاعتراف بالمجهودات الاستثنائية والكبيرة التي تبذلها جميع مصالح الدولة المكلفة بعمليات الإغاثة والإنقاذ من أجل تقديم المساعدات اللازمة والضرورية للسكان مع العمل على ضمان سلامتهم وسلامة ممتلكاتهم.
هناك حقيقة ثابتة وراسخة، تتمثل في أن الاستعداد المسبق، والتدخل السريع والفوري، وحسن إدارة وتدبير الأزمة، من لدن السلطات المسؤولة، ساهم بشكل كبير في الحيلولة دون وقوع خسائر في الأرواح، لاسيما بالنظر إلى الحجم الكبير للكارثة.
في تصريحات المتضررين بمنطقة سيدي سليمان، هناك إجماع على الاعتراف بالعمل الجبار، الذي يقوم به أزيد من ألف عنصر من رجال وأعوان السلطة المحلية، والوقاية المدنية، والقوات المساعدة، والأمن الوطني، والدرك الملكي، والقوات المسلحة الملكية، والهلال الأحمر لإنقاذ أرواح بشرية، وإجلاء المئات ممن حاصرتهم المياه في مناطق ودواوير نائية.
كل الوسائل والمعدات كانت حاضرة، سواء تعلق الأمر بالجرارات أو الشاحنات أو السيارات الرباعية الدفع أو الزوارق المطاطية أو المروحيات..الخ، من أجل تحقيق هدف رئيسي يتمثل في إجلاء أكبر قدر من المتضررين وإيصال المساعدات من مواد غذائية وأغطية وأدوية وخيام للمستفيدين في أبعد النقاط.
إذا كانت الفيضانات التي شهدتها سيدي سليمان والمناطق المحيطة بها، على مستوى إقليم القنيطرة، قد تسببت في غمر نحو 2775 منزلا وأدت إلى انهيار 820 منزلا منها، وتسجيل نحو 41 ألف شخص في عداد المتضررين، فإن تصريحات هؤلاء تكشف في طياتها عن ""أعمال بطولية حقيقية" لرجال الإنقاذ والإسعاف.
وبالمقابل، يتجلى في كلام ممثلي عدد من المصالح الحكومية والأجهزة الأمنية إحساس كبير بالمسؤولية، واستعداد للبذل والعطاء من أجل أداء الواجب.
في هذا السياق، كثيرة هي الحكايات التي تروى عن رجل الوقاية المدنية الذي يقود جرارا يجر خلفه عربة تقل أزيد من ستين من المتضررين، وهو يسير بهم في برك وبحيرات مائية يصل ارتفاعها إلى ما فوق المتر، أو عن رجل السلطة الذي انقلبت سيارته وهو في الطريق للوقوف على أحوال دوار حاصرته المياه.
ومن جهة أخرى، أبانت السلطات المحلية عن قدرة كبيرة على ابتكار الحلول من أجل إيواء نحو 3690 متضررا. فسواء تعلق الأمر بمسرح كنيسة أو مستودع معمل قديم لتلفيف الحوامض (سيدي سليمان)، أو دار للأطفال أو دار للطالب أو دار للشباب (سيدي يحيى)، أو إحداث مخيمات (دائرة سيدي سليمان)، كان الهدف واحدا: ضمان المأوى لأكبر عدد من المتضررين.
أما على مستوى التغذية، فقد جندت السلطة المحلية، والتعاون الوطني، جميع إمكانياتهما لضمان تزويد المتضررين بالوجبات الرئيسية إلى جانب مواد غذائية.
ومن جهتها باشرت مؤسسة محمد الخامس للتضامن، انطلاقا من يوم السبت الماضي، عملية توزيع 2500 وحدة غذائية لفائدة المتضررين. وتتكون الوحدة الغذائية الواحدة من 6 لترات من الحليب المبستر، و10 كلغ من الدقيق، و5 كلغ من السكر ونصف كلغ من الشاي و5 لترات من الزيت.
وفي ما يتعلق بقطاع الصحة والدعم الاجتماعي، بادرت مؤسسة محمد الخامس للتضامن إلى إرسال فريق طبي للمناطق المتضررة يضم أربعة عشر طبيبا وعشر مساعدات اجتماعيات، من أجل توفير الدعم المعنوي والنفسي والطبي للمتضررين.
ومن جهتها، بادرت المندوبية الجهوية للصحة إلى توفير كميات مهمة من الأدوية والطواقم الطبية، التي جرى تجنيدها لإسعاف المتضررين من الفيضانات بكل من سيدي سليمان وسيدي يحيى.
وقامت المندوبية، في هذا السياق بإحداث ثماني عشرة وحدة طبية متنقلة بالمناطق التي جرى إيواء المتضررين بها. وتضم كل وحدة طبيبا وممرضا ومتطوعين اثنين من عناصر الهلال الأحمر المغربي.
كما شرعت جميع المستوصفات والمستشفيات التابعة لوزارة الصحة، بالوسطين القروي والحضري، في العمل في إطار مداومة على مدار أربع وعشرين ساعة. كما جرى توفير سبع عشرة سيارة إسعاف (ست منها تابعة لقطاع الصحة، وخمس للهلال الأحمر، وثلاث خاصة بالجماعات المحلية، إلى جانب ثلاث تابعة للقطاع الخاص) من أجل ضمان نقل المصابين والمرضى في أسرع الأجال وأحسن الظروف.(و م ع)