البوليساريو وأعراض اليأس

الإثنين 26 يناير 2009 - 20:44
مخيمات الذل والعار حيث يحتجز ألآف الصحراويين المغاربة

منذ أن طرح المغرب مقترح الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية قبل عامين، وأعراض اليأس تظهر بجلاء على قيادة بوليساريو، متمثلة في خرجات التهديد والاستفزاز، التي لا تفعل أكثر من تأكيد إفلاس أطروحة الانفصال، ووصول مروجيها إلى قدم الجدار.

من المعروف أن المصاب باليأس يمكنه أن يقدم على كل الحماقات، بما في ذلك الانتحار، ويبدو أن قيادة بوليساريو مصممة على الذهاب في منحى التصعيد الانتحاري، كخيار أخير، وورقة يتيمة تلعبها من باب الرهان على صرف الأنظار عن الاختراق الكبير، الذي حققه المغرب بفضل مقترح الحكم الذاتي، وما أحرزه هذا المقترح من دعم ومساندة من طرف المجتمع الدولي، تعزز بقرارات واضحة من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.

وسيرا على عادتها الكلاسيكية في المناورة، اختارت قيادة البوليساريو ظرف تعيين ممثل شخصي جديد للأمين العام للأمم المتحدة في الصحراء، كريستوفر روس، وتنصيب الرئيس الأميركي الجديد، باراك أوباما، لتطلق رصاصة يأس أخرى، من خلال مصادقة "برلمان" جمهورية الوهم في مخيمات تندوف على "قانون يحدد المنطقة الاقتصادية والمناطق البحرية" لجمهورية على ورق أصحابها، ولا تملك من مقومات الوجود لا الأرض ولا الشعب ولا السيادة، ولا تدين بوجودها الوهمي إلا لحسابات البلد الجار، في معاكسته العدائية لحق المغرب في استكمال وحدته الترابية، ولحق الشعوب المغاربية في الانطلاق نحو بناء مستقبل مشترك.

ولا حاجة للوقوف مطولا عند سخافة هذا "القانون"، مادام يكشف بؤس أصحابه، إذ أنه يتعارض حتى مع أطروحة تقرير المصير نفسها، التي تتسوق بها جماعة الانفصال وحماتها، إذ كيف يستقيم قانونيا ومنطقيا "تحديد المنطقة الاقتصادية والمناطق البحرية" لـ"دولة" لم يتقرر مصيرها بعد؟

ومن منطلق اليأس والتخبط وإثارة الضجيج، أقدم زعيم البوليساريو، المدعو محمد عبد العزيز، على تخريجة، في السياق ذاته، بدعوته منظمة الأمم المتحدة إلى "التدخل العاجل لوضع حد فوري للتصعيد العسكري في الصحراء الغربية"، كما أورد ذلك الجهاز الدعائي لبوليساريو، أي وكالة الأنباء الجزائرية.

وتأتي صرخة اليأس هذه، في سياق تواتر الحديث عن مرض في مرحلة متقدمة لعبد العزيز المراكشي، وهي محاولة للتغطية على استفزازات البوليساريو للمغرب في بلدة تفاريتي، بالمنطقة المحايدة في الصحراء المغربية، مع اقتراب موعد ذكرى الجمهورية الوهمية. وكانت قيادة بوليساريو رفعت درجة الاستفزاز، في العام الماضي، بعقد مؤتمر ما تبقى من شراذمها في البلدة، لكنها لم تجن من ذلك أي مكسب، إذ ظل الدعم الدولي يتزايد لمقترح الحكم الذاتي، وتعزز بقرار اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، في نونبر الماضي، الذي كرس خيار الحل السياسي، المستند إلى مقترح الحكم الذاتي، المقدم من طرف المغرب، بما أعطى دفعة جديدة لدينامية التسوية، التي أطلقها المشروع المغربي، وقطع الطريق على أي محاولة للعودة إلى الوراء، كما عبرت عن ذلك الأطراف الدولية الفاعلة، مرة أخرى، عند تعيين المبعوث الأممي الجديد للصحراء.
وكان قرار الجمعية العامة، المصادق عليه بالتوافق، ومن دون تصويت، واضحا وحاسما في اتجاه الدفع بالأمور إلى الأمام، إذ نص على أن "الجمعية العامة تؤيد مسلسل المفاوضات، الذي نص عليه القرار 1754 (2007)، والذي أيده القراران 1783 (2007)، و1813 (2008) لمجلس الأمن، بهدف التوصل إلى حل سياسي عادل، ودائم، ومقبول من جميع الأطراف".

ولا يحتاج الأمر إلى كثير اجتهاد لربط التآكل الداخلي في معسكر الانفصال، ولجوئه إلى سلاح الاستفزاز والمناورة، بصلابة الموقف المغربي، وبالمخرج المشرف، المتضمن في مشروع الحكم الذاتي، كمبادرة سلمية لتسوية سياسية، من شأنها أن تنهي نزاعا مفتعلا عمّر طويلا، وتنهي مأساة إنسانية، بتأمين عودة المحتجزين المغاربة إلى ديارهم وأهلهم، وتخويل منطقة الصحراء حكما ذاتيا، وانصراف بلدان المنطقة إلى بناء الاتحاد المغاربي، المعطل أساسا بسبب هذا النزاع المفتعل.

أحست قيادة بوليساريو بالرمال تنزلق تحت أقدامها، فلجأت، مجددا، إلى المناورة لكسب الوقت، لكن مناوراتها باتت مكشوفة، ولا تشكل أكثر من رصاصة فاسدة، تطلقها "النواة الصلبة" المتمسكة بوهم الانفصال، فتحدث مفعولا عكسيا، إذ أثبتت التجارب أن حركة سياسية عندما تخطئ الموعد مع التاريخ، فإنها، بذلك، تحكم على نفسها بالإفلاس التاريخي.




تابعونا على فيسبوك