يرجح محللون أن تتمكن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) من تحويل العدوان الإسرائيلي على غزة، الأعنف في تاريخ القطاع، إلى مكاسب سياسية، بعدما نجحت في تكريس نفسها لاعبا لا يمكن تجاهله في المنطقة.
ويبدو أن آلة الحرب الإسرائيلية رغم 24 يوما من القتل والتدمير وتصفية عدد من قادة الحركة وتدمير قسم كبير من الأنفاق التي يستخدمها ناشطوها في تهريب الأسلحة من مصر إلى القطاع، لن تتمكن من إلغاء وجود حماس، بل سيزيد في تكريسها كفاعل فلسطيني أساسي، ولهذا سارعت ليفني، وزيرة الخارجة الإسرائيلية إلى توقيع اتفاق مع نظيرتها الأميركية، كوندليزا رايس، سويعات قبل مغادرتها الحكومة، من أجل حمل القادة العرب والضغط عليهم لتهميش حماس والاكتفاء بالتعامل مع المتعاون، عباس أبو مازن، الذي حضر قمة الكويت رغم انتهاء مدة ولايته.
وبحسب الجيش الإسرائيلي، فإن كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، لم تظهر في ميدان القتال على المستوى، الذي كانت تدعيه وخسرت أكثر من 500 من مقاتليها، مقابل 13 عشر قتيلا إسرائيليا سقطوا، خلال الحرب ثلاثة منهم من المدنيين.
ولكن كتائب القسام نفت هذه المعلومات، مؤكدة أن ما خسرته في الهجوم العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة "ضئيل جدا"، وأن 48 فقط من مقاتليها "استشهدوا" وأن "قوتها الصاروخية لم تتأثر". في حين أن العدوان الإسرائيلي استهدف بشكل عشوائي المواطنين أطفال ونساء وشيوخا.
وإذا كانت إسرائيل أكدت على لسان رئيس وزرائها، ايهود اولمرت، أنها "حققت كل أهدافها وأكثر"، في العملية العسكرية على القطاع، فإنها تقصد بذلك، التزام القادة العرب واكتفائهم بالتفرج على غزة وهي تحترق، وهذا نصر كبير بالنسبة لإسرائيل.
أما بالنسبة لحماس، فإن الهدف الذي تمكنت من تحقيقه خلال هذه الحرب، هو الحفاظ على سلطتها في غزة والظهور بمظهر الممثل "الشرعي" الوحيد للفلسطيين في قتال إسرائيل، وعدم الخروج من الحرب بمظهر المهزوم.
وأكد رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة القيادي في حركة حماس، إسماعيل هنية، مساء الأحد الماضي، في كلمة متلفزة من قطاع غزة أن الفلسطينيين حققوا "نصرا عزيزا" في مواجهة إسرائيل.
ويقول وليد المدلل، الأستاذ في الجامعة الإسلامية في غزة، معقل حماس، "لا نستطيع أن نقول أن البنية التحتية لحماس كتنظيم قد ضربت أو تأثرت، فيجب أن لا يغيب عن بالنا أنه تنظيم سري ومقاوم وهذه النوعية من التنظيمات تجدد نفسها وتعيد بناءها بكل سهولة".
وأصبحت حماس لاعبا رئيسا في السياسة الإقليمية منذ سيطرت على قطاع غزة إثر إطاحتها بالأجهزة الأمنية الموالية للرئيس، محمود عباس، في يونيو2007.
ويقول ناجي شراب، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر، المقربة تقليديا من حركة فتح، التي يتزعمها عباس، إن حركة حماس "خرجت من هذا العدوان بمكاسب سياسية كبيرة كونها أكدت وجودها الإقليمي والدولي كأحد الفاعلين الأساسيين، ليس على المستوى الفلسطيني فحسب، ولكن على المستويين الإقليمي والدولي".
ويتابع "إضافة إلى إنجازها على المستوى الفلسطيني جسدت حماس تيار المقاومة، كما أن صمود المقاومة أعطاها قوة دفع وتحسين لموقفها السياسي".
ولعل ابلغ دليل على هذا هو الانقسام الحاد الذي نجم عن حرب غزة في العالم العربي والإسلامي، الذي انقسم إلى معسكرين احدهما بقيادة طهران ودمشق، الداعمتين لحماس وحزب الله، والذي يطلق على نفسه اسم معسكر الممانعة، والآخر تقوده الرياض والقاهرة، وتطلق عليه واشنطن والغرب اسم معسكر الاعتدال.
وانفجر الخلاف بين هذين المعسكرين إثر دعوة قطر إلى قمة طارئة حول غزة، استضافتها الدوحة الجمعة، وكان من أبرز المشاركين فيها الرئيس الإيراني، محمود احمدي نجاد، ونظيره السوري، بشار الأسد، ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل، في حين كان أبرز الغائبين عنها الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، كما قاطعتها مصر والسعودية.
ويبقى موضوع تأثر شعبية حماس بالهجوم الإسرائيلي على القطاع، ومن الصعب معرفة هذا الأمر في الوقت الراهن. وجرت أخيرا تظاهرات عدة دعما لحركة المقاومة الإسلامية في الضفة الغربية، عمدت القوى الأمنية الموالية للرئيس عباس إلى قمع بعض منها.
وعباس، الذي بدا كمن لا حول له ولا قوة في هذا النزاع العسكري، اكتفى بإطلاق دعوات إلى وقف إطلاق النار لم تلق آذانا صاغية.
ويقول علي الجرباوي، الأستاذ في جامعة بئر زيد في الضفة الغربية، إن "كل من يقاتل إسرائيل يحصل على دعم من الشعب الفلسطيني، ولكن السؤال يكمن في معرفة ما الذي سيجري بعد انتهاء الحرب".
ويضيف "هل ستفتح المعابر؟ هل ستتمكن حماس من مواصلة إطلاق الصواريخ؟ هل ستوسع حلقة الداعمين لها لتشمل من هم خارج حلقة داعميها التقليديين".
ويتابع "في النهاية لا يمكن التوصل إلى أي حل من دون مصالحة وطنية" بين حركتي حماس وفتح.