لم يجد خالد الناصري، وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة، وهو يتحدث عن الموقف الملكي، القاضي بعدم الحضور شخصيا في القمة العربية الاستثنائية المقترحة بالدوحة، وكذا القمة العربية الاقتصادية بالكويت..
من عبارة يصف بها بلاغ الديوان الملكي أبلغ من القول إنه بلاغ "يعفي من كثير من الكلام، وفيه عبرة لمن يعتبر". عبارة بليغة لمقاربة موقف ملكي قوي، منسجم مع نبضات ومشاعر الشعب المغربي، الذي يخرج نساؤه ورجاله وشيوخه وشبابه وأطفاله، كل يوم تقريبا، للتنديد بالعدوان الإسرائيلي الهمجي على غزة، والتضامن الموصول مع شقيقه الشعب الفلسطيني.
قوة الموقف الملكي لها ما يبررها، ولا يمكن عزلها عن تراكم سلسلة متتالية من الإحباطات والخلافات والتشرذمات، التي تعكس حجم الانهيار العربي، الذي طالما حذر جلالة الملك من تبعاته، ودق ناقوس الخطر بشأن انعكاساته الكارثية على حاضر ومستقبل الأمة العربية.
ولذلك، لا يمكن القول إن هذا الموقف معزول عما سبقه من مواقف ملكية، حرص جلالته على التعبير عنها، في مختلف القمم العربية، التي حضرها شخصيا.
ففي القمة العربية بعمان في مارس 2001، شدد جلالة الملك على أن انعقاد القمم العربية بشكل دوري ومنتظم يجب ألا يكون غاية في حد ذاته، وإنما هو جسر يفضي إلى تفعيل آليات العمل العربي المشترك، وتسخيرها للقضاء على أجواء التوتر أينما وجدت في الفضاء العربي.
في القمة ذاتها، دعا جلالة الملك إلى خلق مناخ عربي جديد لرفع كل التحديات، مما يتطلب بذل قصارى الجهود، وتوظيف كل الطاقات، للوصول إلى رؤية موحدة، بما يضمن للإرادة العربية الفاعلية اللازمة لحماية الحقوق القومية، وتحقيق آمال وتطلعات الشعوب العربية،
ونبه جلالته إلى خطورة الوضع في الأراضي الفلسطينية، وما آلت إليه عملية السلام، وهو وضع "يجب أن يبقى في مقدمة انشغالاتنا، وضمن أولوياتنا، ويحتم علينا أن نكون في مستوى المسؤولية والأمانة".
وفي القمة العربية المنعقدة ببيروت، في مارس 2002، قال جلالته "علينا أن نبرهن على أننا في مستوى رفع التحديات، وأننا قادرون على بلورة مواقف مسؤولة، تمكننا من استعادة حضورنا الوازن، في مجرى الأحداث الدولية، بدل نهج سياسة التفرج والانتظار، التي تجعلنا على هامش التاريخ، كما يريد ذلك خصومنا"، وأعرب جلالته عن القناعة بسلوك عربي مختلف، يؤدي إلى موقف قومي موحد، فاعل ومؤثر، حتى "لا يكون تاريخنا هو تاريخ الفرص الضائعة"، بعدما "أجهض أعداء السلام عدة مبادرات عربية ودولية في هذا الشأن"، وأخذا بالاعتبار المنحى الخطير، الذي اتخذته الأحداث المأساوية في الأراضي الفلسطينية، جراء استخدام القوات الإسرائيلية لكل الوسائل العسكرية والتدميرية، في محاولة لإبادة الشعب الفلسطيني.
بيد أن ما يجري على أرض الواقع، يعكس "أننا لم نهتد بعد إلى الأسلوب الأنجع للخروج من طور الأماني"، يقول جلالته، ويزيد موضحا أن كل الخطوات، المتخذة في إطار الآليات التقليدية للعمل العربي المشترك، أثبتت "عجزها عن تحقيق طموحاتنا".
وبلغ الموقف الملكي ذروته في القمة العربية بشرم الشيخ، في مارس 2003، حين قال جلالته إن "خطورة الوضع لا تسمح بالركون إلى موقف التفرج والانتظار أو الاكتفاء بمجرد الاستنكار إلى أن تقع الكارثة"، مجددا الدعوة إلى "تحديث وتفعيل العمل القومي المشترك، بما يكفل تحصين الجسد العربي المنهوك بالنزاعات المفتعلة، التي تدفع شعوبنا ثمنها غاليا". وبنبرة مؤثرة، وعبارات بليغة وقوية توجه جلالته إلى أشقائه القادة العرب "إني لأناشدكم، باسم الشعب المغربي، الغيور على وحدة الأمة ومناعتها: كفانا.. تمزقا وتفككا".
إنه نداء العقل والضمير، الذي يستشعر الكارثة، فيما الوضع يزداد ترديا وانهيارا، وغرقا في الخلافات، التي باتت بلا معنى، والتي لا تقدم عملا ولا تصنع أملا ولا تقي بردا ولا تطفئ نارا ولا تحمي شعبا من عدوان غاشم يمارس بالليل وبالنهار "الكهار".
في هذا بعض من سياق البلاغ الملكي، الساعي، في العمق، إلى موقف قومي عملي، يريد الأمن والاستقرار والازدهار لشعوب المنطقة، ويتوخى السلام، والسلام من المنظور الملكي "الذي نريده ونعمل من أجل إحلاله، لن يتحقق إلا بانسحاب إسرائيل من كل الأراضي العربية المحتلة سنة 1967، بما فيها الأراضي الفلسطينية والجولان السوري وتخوم لبنان المغتصبة".
الموقف الملكي هو صوت العقل العربي، وضمير النبض الشعبي، لوقف العدوان الإسرائيلي الهمجي، وإحقاق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وفي انتظار عودة الوعي العربي، وصحوة الضمير القومي، نستعيد كلمة جلالة الملك أمام القادة العرب، يقول فيها إنه "من منطلق المسؤولية الملقاة على عاتقي كرئيس للجنة القدس، فإنني لن أدخر أي جهد من أجل تحقيق السلام العادل والدائم والشامل في المنطقة، بما يمكن من استرجاع جميع الأراضي العربية المحتلة، والحفاظ على الهوية العربية والإسلامية للقدس الشريف".