أكد صلاح الدين مزوار، وزير الاقتصاد والمالية، أن المغرب مستعد لوضع تجربته في المجالات القطاعية والإصلاحية رهن إشارة كل البلدان العربية.
وأضاف الوزير، على هامش اجتماع لوزراء المالية العرب، في إطار اللقاءات التحضيرية للقمة الاقتصادية العربية بالكويت، أمس الأربعاء، بمشاركة محافظي البنوك العربية، أن المنتظر من هذه القمة تكريس الثقة في اقتصادات الدول العربية، داعيا إلى بلورة استراتيجية تمكن الاستفادة من الأزمة الحالية، باعتبار الدول العربية توجد في منطقة نمو اقتصادي متواصل.
وأشار مزوار إلى أن القمة، المقررة يومي 19 و20 يناير، "لابد أن تخرج بقرارات ومشاريع مشتركة، محددة في إطار أجندة زمنية للتطبيق، خاصة في مجالات البنى التحتية الكبرى، والربط الطرقي، والطاقة، والماء والكهرباء، وغيرها"، معتبرا أن الظرفية الحالية لا تدعو إلى خلق صناديق استثمارية عربية أخرى، وأن الصناديق الحالية قادرة على التدخل في اتجاه تطوير وتنمية المشاريع الاقتصادية العربية.
واعتبر المتدخلون في اجتماع وزراء المالية العرب، خلال ندوة صحفية على هامش هذا الاجتماع، الأزمة المالية الحالية أكبر أزمة يواجهها العالم اقتصاديا منذ الثلاثينيات، معتبرين أن ما حدث "يمثل نتيجة حتمية للممارسات المالية غير المبنية على أسس اقتصادية سليمة، ناتجة عن تحرير الأسواق المالية من قيود الرقابة، وتجنب الضوابط والمعايير، وتسهيل الاستثمار عالي المخاطر، بفعل سيادة مفاهيم الاقتصاد الحر الجديد".
وأوضح محمد التويجري، الأمين العام للشؤون الاقتصادية بجامعة الدول العربية، أن الدول العربية اتخذت سلسلة من التدابير لحماية أنظمتها المالية الوطنية، خاصة بنوكها المحلية، لكنه يرى أن "الأزمة المالية الحالية تعتبر غير مسبوقة، ومكوناتها ونتائجها لم تنته بعد، ما يجعل التكهن بإفرازاتها وتأثيراتها أمرا صعبا، خاصة مع توقعات المنظمات الدولية بأن الأسوأ لم يأت بعد"، وأضاف أن الحلول الوطنية بمفردها لا تكفي لتجنب تداعيات الأزمة.
وأفاد المتدخلون أنه، رغم صعوبة المرحلة المقبلة، فإن الدول العربية يمكنها التخفيف من تداعيات الأزمة المالية العالمية، من خلال سياسات فاعلة، ودور إقليمي منسق، واعتماد سياسات الاقتصاد الكلي، وهيكلة مناسبة، تحصينا لاقتصاداتها أمام أزمات مماثلة قد تحدث مستقبلا.
كما شدد المتدخلون على أهمية إنجاز عملية تصحيح أكبر للتوجهات الاقتصادية العربية، من أجل التوصل إلى حقبة اقتصادية جديدة، تستفيد منها كافة شعوب المنطقة العربية، كما يمكن الاستفادة من عودة، ولو جزء يسير، من الأموال العربية الموظفة بالخارج لدفع عملية التكامل الاقتصادي العربي نحو آفاق جديدة.
واعتبر المتدخلون أن الأزمة يمكن أن تكون حافزا لتشكيل نظام مالي عالمي جديد أكثر عدالة، تراعى فيه حقوق الدول النامية، ويستجيب لدورها في الاقتصاد العالمي.
من جهته، أفاد، مصطفى الشمالي، وزير المالية الكويتي، في اللقاء التحضيري، أن الأزمة المالية العالمية تمثل تحديات غير مسبوقة لكافة القطاعات الاقتصادية على صعيد جميع دول العالم، نظرا للترابط التام والتأثير المتبادل بينها.
وذكر الوزير الكويتي أن حجم هذه الأزمة جعل الدول العربية، في الاجتماع الاستثنائي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للتحضير للقمة الاقتصادية والتنموية والاجتماعية، المنعقد بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في دجنبر الماضي، تقرر إدراج موضوع تداعيات الأزمة ضمن محاور عمل القمة الاقتصادية.
وقال الشمالي "رغم تفاوت تأثير الأزمة المالية العالمية بين الدول العربية، إلا أننا جميعا لسنا بمعزل عن إفرازاتها السلبية العامة، من حيث انخفاض معدلات النمو الاقتصادي، والطلب العالمي على المواد الأولية، وبطء نمو التجارة الدولية، إضافة إلى انخفاض أسعار النفط، وتراجع قيمة عائدات الاستثمارات".
كما اعتبر فيصل المناعي، رئيس المركز الإعلامي للقمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية، قمة الكويت فرصة لبحث القضايا العربية الراهنة، وفي مقدمتها قضية غزة وفلسطين، التي ستشكل أهم أولويات القمة.
وأضاف المناعي، في تصريح لـ"المغربية" قائلا "أظن أن القمة تعتبر تاريخية بكل المقاييس، لأنها تشكل نقطة التقاء العرب، لأول مرة لمناقشة، انتظاراتهم الاقتصادية، وأنا مقتنع بأنها ستساهم في إيجاد بعض الحلول لقضايا اقتصادية تهم الإنسان العربي، وأتمنى أن يكون هناك توافق بين الحكومات العربية لتنفيد توصيات وقرارات القمة".
يتطرق مشروع إعلان الكويت الخاص بـ "الارتقاء بمستوى معيشة المواطن العربي" والمتوقع أن يصدر عن القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية، إلى تدعيم مشروعات البنية الأساسية، وتنمية قطاعات الإنتاج والتجارة والخدمات والمشروعات الاجتماعية والجانب البيئي، بهدف تحقيق التكامل العربي.
واعتبر الإعلان التنمية الاجتماعية بكافة عناصرها، وعلى رأسها التعليم، عاملا أساسيا في تحقيق أهداف التنمية الشاملة.
وأوضح أنه رغم الإنجازات التي حققتها العديد من الدول العربية في معدلات التنمية البشرية، لاسيما في مجالات التعليم، وتحسين الخدمات الصحية، ومكافحة الفقر والأمية، وغيرها، إلا أن الوطن العربي ما يزال يواجه تحديات محلية ودولية تمس أمن وسلامة واستقلال دوله، وسلمه الاجتماعي، ومنها على المستوى المحلي، الفقر والبطالة وتواضع مستوى المعيشة وتدني التجارة والاستثمارات البينية.
وأضاف المشروع أن من التحديات أيضا، هجرة الأموال والكفاءات العربية إلى الخارج، وضعف البنية التحتية، ومستوى التعليم، وعدم مواكبة المناهج التعليمية لمتطلبات التنمية والمنافسة العالمية، علاوة على مشكلات الأمن الغذائي والمائي، والتغير المناخي، والطاقة وعدم الاستخدام الأمثل للموارد، وعلى المستوى الدولي، اضطراب الأسواق المالية العالمية، وخطر الركود والانكماش الاقتصادي، وتأثيراته السلبية على عملية التنمية في الدول العربية.
وحول التكامل الاقتصادي والاجتماعي العربي، اتفق المشروع على ضرورة مضاعفة الجهود لتحقيق التكامل الاقتصادي والاجتماعي العربي، والنأي به عن أي اعتبارات سياسية، باعتباره هدفا أساسيا تسعى إلى تحقيقه كافة الدول العربية، وركيزة أساسية لدفع العمل الاقتصادي والاجتماعي العربي المشترك إلى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول العربية، بما يحقق تطلعات الشعوب العربية ويجعلها أكثر قدرة على الاندماج في الاقتصاد العالمي، والتعامل مع التجمعات السياسية والاقتصادية الدولية.
وفي ما يخص الأزمة المالية العالمية، أشار المشروع إلى اتباع سياسات نقدية ومالية تعزز قدرة الدول العربية على مواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية، والمشاركة الفاعلة في الجهود الدولية لضمان الاستقرار المالي العالمي، وتفعيل دور المؤسسات المالية العربية لزيادة الاستثمارات العربية البينية ودعم الاقتصاد الحقيقي للدول العربية
ويتطرق مشروع إعلان الكويت إلى التنمية البشرية، داعيا إلى ضرورة العمل على رفع القدرات البشرية للمواطن العربي ضمن جهود بلوغ الأهداف التنموية للألفية عام 2015، ومجموع الأهداف المتفق عليها دوليا للحد من الفقر وتوسيع نطاق تمكين المرأة والشباب وتوسيع فرص العمل أمامهم، والنهوض بالصحة والتعليم وزيادة الدخول الحقيقية.
وفي مجال التنمية الزراعية، دعا الإعلان، كما جاء في مشروعه، إلى العمل على زيادة الإنتاج الزراعي وتحسين معدلاته، وتشجيع الاستثمار في التنمية الزراعية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير المناخ الاستثماري الملائم لذلك، وسرعة تنفيذ استراتيجية التنمية الزراعية التي أقرتها قمة الرياض 2007، للمساهمة في تحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي، باعتبارهما من أولويات الأمن القومي العربي.
وحول التنمية الصناعية ذكر المشروع ضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتهيئة المناخ الملائم لجذب الاستثمارات العربية للتنمية الصناعية، وتحقيق التكامل والتنسيق وتنويع الإنتاج الصناعي وتدعيم قاعدته الإنتاجية.
ويستعرض المشروع قضية الطاقة، فيرى ضرورة تعزيز التعاون العربي في مجال الطاقة، لاسيما تحسين كفاءتها وترشيد استخدامها كوسيلة لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز شبكات الربط الكهربائي العربي القائمة وتقويتها، وإنشاء سوق عربية للطاقة الكهربائية، وتعزيز شبكات الغاز الطبيعي وتوسيعها، وزيادة مشاركة القطاع الخاص في استثماراتها وإدارتها، وتوسيع استخدام تقنيات الطاقة المتجددة والطاقة النووية للأغراض السلمية في عمليات الإنتاج.
وفي ما يتعلق بالنقل أفاد مشروع إعلان الكويت ضرورة ربط شبكات النقل البري والبحري والجوي في ما بين الدول العربية، باعتبارها شرايين أساسية لحركة التجارة والسياحة والاستثمار والعمالة داخل المنطقة العربية مع ربطها مع محيطها الإقليمي، ولاسعي لرفع مستوى تنافسية مرافق النقل العربية من خلال التوجه إلى سياسات تحرير خدمات النقل فيما بين الدول العربية وعلى الأخص في تنفيذ برنامج فتح الأجواء بينها وكذلك من خلال تطوير الأطر التنظيمية بهدف جذب حصة أكبر من حركة النقل العالمية، مستفيدين من الموقع الجغرافي المتميز للمنطقة العربية.
وعن الأمن المائي، بين المشروع أنه وضع استراتيجية عربية لتحقيق الأمن المائي العربي، والتحرك على المستويين الوطني والعربي، لمواجهة العجز المائي باعتبار ندرة المياه أحد التحديات الكبرى.
واستعرض المشروع التجارة، داعيا إلى التوجيه للعمل الفوري على إزالة العقبات التي ما زالت تعترض التطبيق الكامل لمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى قبل نهاية 2010، تمهيدا للبدء في إقامة الاتحاد الجمركي العربي في موعد مستهدف عام 2015، كخطوة أساسية للوصول إلى تحقيق السوق العربية المشتركة في أفق زمني مستهدف عام 2020.
وحول تجارة الخدمات، بين المشروع تسريع تحرير تجارة الخدمات بين الدول العربية، نظرا للدور المهم الذي يلعبه القطاع في التنمية الاقتصادية، وتشجيع الاستثمارات العربية البينية، وتوفير المناخ الملائم والحماية اللازمة لها، وتسهيل حركة رؤوس الأموال العربية بين أقطار الوطن العربي، وتوسيع نطاق وآليات تنفيذ الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية في الدول العربية.
وفي ما يخص التمويل والمؤسسات المالية توجه المشروع نحو تعزيز دور الصناديق والمؤسسات المالية العربية المشتركة والوطنية وتطوير مواردها وتسهيل شروط منح قروضها وتطوير آلياتها ونوافذها لتمويل مشروعات البنية الأساسية لتتمكن من المساهمة في تمويل مشاريع التكامل الاقتصادي العربي بالاشتراك مع القطاع الخاص وتوفير التسهيلات الائتمانية للمشاريع المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، بما يسهم في مواجهة التحديات الاجتماعية.
واستعرض مشروع إعلان الكويت كذلك، أمورا حيوية أخرى، وهي الاتصالات وتقنية المعلومات، والإحصاء والتعليم والبحث العلمي، والملكية الفكرية، والخدمات الصحية، والحد من البطالة، والمرأة والشباب، والهجرة والإسكان، والبيئة والسياحة، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والعلاقات العربية الدولية والبناء المؤسسي.