خلد المغرب، أول أمس الأحد، الذكرى الخامسة والستين لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، في 11 يناير 1944..
عندما قدم مجموعة من الوطنيين من صفوف الحركة الوطنية مذكرة إلى جلالة المغفور له، محمد الخامس، والمقيم العام للحماية الفرنسية بالمغرب، ومفوضيات الولايات المتحدة، وبريطانيا، والاتحاد السوفياتي، تطالب باستقلال المغرب، واستعادته لسيادته.واهتدت المجموعات الوطنية في مدن فاس، والرباط، وتطوان، وسلا، والدارالبيضاء، ومدن أخرى، قبل هذا التاريخ، إلى أن حل مشاكل المغرب رهين بالانعتاق من الاستعمار بالمقاومة، التي قادها في مرحلة متقدمة محمد بن عبد الكريم الخطابي في الريف، وموحى وحمو وباسلام في الأطلس المتوسط.
وقبل محطة 11 يناير 1944، شهد المغرب مظاهرات وأعمالا فدائية ضد المحتل، في إطار "كتلة العمل الوطني"، بداية من التصدي للظهير البربري (16 ماي 1930)، الذي سعت من خلاله سلطات الحماية لتفتيت وحدة الشعب المغربي، لكن المغاربة، من عرب وبربر، أفشلوه، ثم جاءت محطة رفع المطالب الكاملة، التي تخص الشعب المغربي عام 1934، وإعلانها في شكل ثوابت لا يمكن التنازل عنها. ثم المطالبة بالحريات العامة.
واجه الاحتلال الفرنسي نشاط كتلة العمل الوطني، بالقمع والعنف واعتقال الوطنيين وجلدهم ونفي البعض منهم (نفي علال الفاسي إلى الغابون لمدة 9 سنوات).
بعد هذه الفترة من القمع والترهيب من طرف سلطات الحماية، أنجزت الحركة الوطنية، بتنسيق مع السلطان محمد بن يوسف، عملا جبارا على مستوى التكوين والتأطير ونشر الوعي الوطني، من أجل تحرير المغرب، واستعادة استقلاله، فتبلورت فكرة وثيقة المطالبة بالاستقلال، من أجل استرجاع المغرب لسيادته، وبناء مؤسساته الديموقراطية في ظل الحرية والاستقلال، فكانت وثيقة 11 يناير، التي أمضاها مناضلون من كل أنحاء المغرب، وفتحت الباب، بعد نضال مرير خاضه الشعب المغربي بالتحام مع العرش، لاستقلال البلاد.
منذ توقيع الوثيقة، بات مؤكدا لسلطات الحماية والاستعمار أن فكرة المطالبة بالاستقلال لم تعد قابلة للإلغاء، وتأكد للفرنسيين أن الشعب لم يستسلم، رغم الاعتقالات والإعدامات، التي طالت آلاف الوطنيين.
وشكل تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944 حدثا كبيرا، ومنعطفا حاسما في تاريخ المغرب الحديث، لما حملته هذه الوثيقة من مبادئ مازالت روحها تغذي عزيمة الشعب المغربي، وركزت الوثيقة على استقلال المغرب في ظل الوحدة الترابية للمملكة، وإرساء ملكية دستورية وديمقراطية، تضمن الحريات الفردية والجماعية، والمساهمة في الحياة الدولية بشكل يحترم سيادة المغرب.
وجاءت الوثيقة تتويجا لمسلسل طويل من المقاومة المسلحة، ففي يوليوز 1921، وقعت معركة أنوال بين المقاومة المغربية في الريف، بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي، وجيش الاحتلال الإسباني، الذي مني بهزيمة قاسية، إذ قتل ثلاثة جنرالات، وأسر مئات الجنود، واستولى المجاهدون على كميات كبيرة من الأسلحة المتطورة.
ثم كانت المقاومة المسلحة في الأطلس المتوسط، حتى منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، فشكلت هذه الأحداث نقطة ارتكاز للوطنيين في تحضير وثيقة المطالبة بالاستقلال.
ثم قادت تطورات العمل الفدائي، في 10 أبريل 1947، إلى الزيارة التاريخية للسلطان محمد بن يوسف لمدينة طنجة، حيث ألقى خطابا عبر فيه عن تطلع المغرب لاستعادة استقلاله وسيادته، وعن انتمائه القومي العربي غداة تأسيس جامعة الدول العربية.
وقاد وقوف محمد بن يوسف إلى جانب المقاومة وانخراطه فيها، إلى المنفى، إذ عزلته سلطات الحماية الفرنسية، في 20 غشت 1953، عن العرش، ونفته إلى جزيرة مدغشقر، ما أدى إلى اندلاع "ثورة الملك والشعب"، التي عجلت بالاستقلال، عندما اضطرت فرنسا إلى إرجاع السلطان إلى بلده وإلى شعبه وعرشه، في 18 نونبر 1955، معلنا "نهاية عهد الحجر والحماية"، وبداية استقلال المغرب عن فرنسا، الذي أعلن بشكل رسمي في 2 مارس 1956، وفي غشت 1956، اكتمل استقلال القسم الأكبر من البلاد، بنهاية الحماية الإسبانية على المناطق الشمالية.
بمناسبة ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال (11 يناير 1944)، أصدر صاحب الجلالة الملك محمد السادس أمره السامي، بالعفو عن 650 شخصا، منهم المعتقلون ومنهم الموجودون في حالة سراح، المحكوم عليهم من طرف مختلف محاكم المملكة.
"بمناسبة ذكرى 11 يناير المجيدة لهذه السنة 1430 هجرية موافق 2009 ميلادية، تفضل مولانا الإمام، صاحب الجلالة والمهابة الملك سيدي محمد السادس أدام الله عزه ونصره، فأصدر حفظه الله أمره السامي المطاع بالعفو على مجموعة من الأشخاص، منهم المعتقلون ومنهم الموجودون في حالة سراح، المحكوم عليهم من طرف مختلف محاكم المملكة الشريفة ، وعددهم 650 شخصا،
- العفو مما تبقى من عقوبة الحبس أو السجن لفائدة 21 سجينا
- التخفيض من عقوبة الحبس أو السجن لفائدة 597 سجينا
- تحويل السجن المؤبد إلى المحدد لفائدة سجينين
- العفو من العقوبة الحبسية لفائدة 16 شخصا
- العفو من العقوبة الحبسية مع إبقاء الغرامة لفائدة 3 أشخاص
- العفو من عقوبتي الحبس والغرامة لفائدة 3 أشخاص
- العفو من الغرامة لفائدة 8 أشخاص.
أبقى الله سيدنا المنصور بالله ذخرا وملاذا لهذه الأمة، ومنبعا للرأفة والرحمة، وأعاد أمثال أمثال هذه الذكرى بالنصر والتمكين، وأقر عينه بولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن وجميع أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنه سميع مجيب، والسلام".