كما كان منتظرا، عين بان كي مون، الأمين للأمم المتحدة، الدبلوماسي الأميركي المحنك، كريستوفر روس، مبعوثا شخصيا للصحراء، ليخلف بذلك الدبلوماسي الهولندي، بيتر فان والسون، الذي انتهت مهمته في غشت الماضي.
وذكرت الناطقة باسم بان كي مون، التي أعلنت عن هذا التعيين، الأربعاء الماضي، بنيويورك، أن كريستوفر روس "سيعمل مع الأطراف والدول المجاورة على أساس القرار الأخير لمجلس الأمن رقم 1813، والقرارات السابقة ذات الصلة، انطلاقا من التقدم المسجل حتى الآن في سبيل البحث عن حل سياسي عادل ودائم" لقضية الصحراء.
ويعد هذا التصريح من الوضوح بمكان بما لا يدع أي مجال للتخمين، اللهم إلا إذا أريد له قراءة مبتورة، ويتعلق الأمر، أساسا، بالنسبة للسيد روس، بمواصلة العمل الذي أنجزه سلفه وليس القفز على ما تحقق، والبدء من نقطة الصفر.
وبالتالي، فإن روس كلف بمهمة محددة تنطلق من "التقدم المسجل حتى الآن"، على أساس ما نص عليه القرار 1813 لمجلس الأمن والقرارات السابقة ذات الصلة.
وتأتي خارطة طريق من هذا القبيل، وهي كذلك، كموقف واضح ولا غبار عليه حيال أولئك الذين يريدون، بنية مبيتة، إفشال كل المساعي، والعودة، بالتالي، إلى نقطة الصفر، وكأن المفاوضات، التي انطلقت في يونيو2007 بمانهاست، بضواحي نيويورك، في أربع جولات، برعاية منظمة الأمم المتحدة، لم تكن إلا مناورة دبلوماسية، أو نزهة سياحية ما وراء المحيط الأطلسي، لأخذ الصور، والظهور أمام عدسات الكاميرات.
والحالة هذه، فإن الأمر سيكون، بكل تأكيد، بمثابة إفلاس سياسي ودبلوماسي. لقد كانت المجموعة الدولية، وهي تستلهم المبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء، تأمل، بدل ذلك، تحقيق تقدم مهم في المفاوضات من أجل تدارك الوقت الضائع، عوض التراجع إلى الوراء، وإعادة طرح أفكار وخطابات عفا عنها الزمن، على طاولة المفاوضات.
إن الرغبة في العودة إلى الوراء، وكبح دينامية النقاش تعد محاولة لنسف فكرة المفاوضات في حد ذاتها. إن تصريح الناطقة باسم الأمين العام للأمم المتحدة، يعتبر، والحالة هذه، توضيحا جليا، ودعوة صريحة للعودة إلى جادة الصواب، حتى لا يزيغ منطق التعقل، الذي رسمه، بصفة خاصة، القرار 1813 لمجلس الأمن، عن مساره الطبيعي.
يذكر أن مجلس الأمن يسجل في هذا القرار الاقتراح المغربي حول الحكم الذاتي، و"يشيد بالجهود الجادة وذات المصداقية، التي قام بها المغرب للمضي قدما نحو إيجاد تسوية". كما يدعو الأطراف للبرهنة على "الواقعية" في التفاوض بـ"نية حسنة"، مع الأخذ بعين الاعتبار "الجهود التي تحققت منذ 2006 والمعطيات المستجدة منذئذ".
لقد أراد مجلس الأمن، من خلال عبارة "المعطيات الجديدة"، أن يزيح، بوضوح، المواقف الجامدة، التي تبناها الطرف الآخر منذ أزيد من ربع قرن والتي، من فرط تكرارها، أضحت تدور في حلقة مفرغة، مثيرة، بالتالي، سخط المجموعة الدولية، التي سئمت من الخطب والمواقف المتحجرة، والتي أصبحت، اليوم، مجمعة على تبني المبادرة المغربية للحكم الذاتي.
إن هذه المبادرة، التي قدمت في أبريل 2007، وجرى شرحها بتفصيل منذئذ، تتضمن سلسلة من المقترحات الجدية، ذات المحتوى الذي ينحو إلى الحوار والنقاش، وينفتح على كل الأفكار، التي من شأنها إغناء المبادرة المغربية، وتكميلها، إن اقتضى الحال ذلك.
وتتميز هذه المبادرة بكونها تغطي كل المناحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية، وتأخذ بعين الاعتبار مختلف الانشغالات، وتضع إطارا للحكامة المحلية المدعمة، حيث يتاح لكل واحد التعبير عن رأيه، والمجال الذي يعمل في إطاره.
لقد أصبح من الملح أن ينتهز الطرف الآخر هذه الفرصة، التي تتيحها مبادرة المغرب، التي تحظى بدعم العديد من دول العالم، من بينها الدول الوازنة في مجلس الأمن، ويتخذ بشأنها موقفا بناء.
كما يتعين على هذا الطرف أن يحزم أمره، ويتخلى عن وهم الاستقلال، ليتبنى الواقعية، التي يجسدها الحكم الذاتي الموسع، علما أنه لا شيء مثالي إلا في الواقع، ويكون، بذلك، في مستوى هذا الرهان، رهان سلام الشجعان، رهان المغرب العربي الكبير، الذي ينعم بالسلم، ويعيش موحدا ومتضامنا، رهان الانتقال من الوضع الراهن، الذي يضر الجميع، إلى جو من الوئام، الذي يستفيد منه الجميع.
لقد كانت لبيتر فان والسوم، هذا الدبلوماسي المحنك، الشجاعة والجرأة ليعلن على رؤوس الأشهاد، أمام مجلس الأمن ما كان يتداوله الجميع في الخفاء، وهو أن استقلال الصحراء "هدف غير قابل للتحقيق"، وأنه "ينبغي احترام الواقع السياسي على الأرض"، وأن الوضع الجامد الحالي الذي "لا يطاق"، "يتقبله بسهولة مفرطة حتى أولئك الذين يقدمون دعما لامشروطا للبوليساريو، والذين يجدون فيه وضعا مريحا للغاية".
تلك هي خلاصة عمل تحقيق ميداني، وزيارات للميدان، واستشارات ومفاوضات وملاحظات وتحليلات.
وعبر بان كي مون، بهذا الشأن، على لسان المتحدثة باسمه، عن "امتنانه" لوالسوم على العمل الذي أنجزه إزاء هذه القضية.
لقد آن الأوان لنزع هذه الشوكة، التي تدمي جسد المغرب العربي، مع الأخذ في الحسبان أن إعادة الأمل، وفتح الآفاق أمام شعوب المنطقة، ليسا منة، وإنما هما واجب مؤكد.
(و م ع)