"الناس هنا ما خدامينش. الناس كيموتوا بالبرد والجوع، خصنا بزاف ديال الأمور والمشاريع لدعم السكان الفقراء".
كانت هذه صرخة وجهها شيخ في الثمانينات من عمره، من مدينة تونفيت، إلى جانب العديد من السكان، إلى المسؤولين، يوم الجمعة الماضي، خلال لقاء للصحافة مع اللجنة المحلية للتنمية البشرية بالجماعة القروية لتونفيت، على هامش تنظيم الخميس الإعلامي للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بإقليم خنيفرة.
وتجمع العديد من سكان تونفيت، المطوقة بثلاثة جبال، جبل العياشي، وجبل معسكر، وجبل القرص، قرب مقر دار الشباب بتونفيت، معبرين عن سخطهم وتذمرهم، ما اعتبروه "تدهور الأوضاع الاجتماعية بالجماعة، وغياب الدعم للسكان الفقراء والمعوزين، وتعطل العديد من المشاريع المبرمجة بالمنطقة".
وردد السكان شعارات من قبيل "الصحافة ها هي، والحقيقة فينا هي؟"، و"الصحافة ها هي، والتنمية فينا هي؟".
وطالب العديد من السكان أيضا، بـ"محاسبة المسؤولين بالجماعة عن موارد الغابة، التي تتوفر على "البترول الأخضر"، ويقصدون أشجار الأرز والكروش الأخضر، "التي تباع بمبالغ مالية باهظة، في حين، لا يستفيد السكان من هذه العائدات"، موضحين أنهم يجدون، أيضا، صعوبات في الحصول على حطب التدفئة من الغابة.
مع بداية الفترة الباردة من السنة، المعروفة باسم "الليالي"، تعمقت معاناة السكان مع قسوة البرد والجريحة، التي نالت من أجساد الصغار قبل الكبار، الذين تخشبت أطرافهم. ورغم ذلك، فإن بعض شباب المنطقة يؤكدون أن السكان تكيفوا مع هذه الظروف المناخية الصعبة، لكنهم يطالبون، في الوقت ذاته، بالاهتمام أكثر بالجانب الاجتماعي في المنطقة، وتوفير فرص شغل لقاطنيها، لضمان مدخول يستعينون به على قسوة الطبيعة، وتأهيل البنيات التحتية، وتوفير حطب التدفئة للجميع.
الطريق بين خنيفرة وبومية وتونفيت سالكة، رغم أن المنطقة تشهد، خلال هذه الفترة، تساقط كميات كثيرة من الثلوج، وتظهر ما بين الفينة والأخرى آثارعمليات إزاحة الثلوج من جنبات الطريق. كانت الحافلة تطوي الإسفلت، مخترقة جبال الأطلس المتوسط، التي غطت قممها وسفوحها الثلوج، على طريق تتميز بمنعرجاتها الملتوية والوعرة، تصيب البعض بالغثيان.
ورغم أن الساعة كانت تشير إلى الثانية ما بعد الظهر، فإن الطقس كان باردا جدا، وكانت الجبال المطوقة للمدينة ترسل موجات صقيع ترتعد لها الأبدان. ويؤكد السكان أن موجة الصقيع تزداد حدة في الليل، وفي الصباح الباكر، موضحين أن توقيت الزيارة تزامن مع اعتدال نسبي في الطقس.
قالت فاطمة (أ)، وهي من مواليد 1952، بصوت متهدج، وهي تقف على مرتفع جبلي يطل على المدينة، وتحمل خلف ظهرها طفلتها الصغيرة، وتدثرها بغطاء صوفي خفيف: "كاين البرد هنا بزاف، وتزاد هذه الأيام، ما كاين خدمة هنا، حناي مكرفسين بزاف، الرجال كيمشيو يخدمو في الشمال، وداك الشي باش كنعيشو، كما أن ثمن الحطب غالي جدا".
وعند سؤالنا عن سر تحول لون يديها وخديها إلى الأبيض، ردت أن ذلك من فعل الجريحة والصقيع.
من جانبه، يقول علي (ب): "الناس هنا يعانون بشكل كبير، الوقت عيانة وميتة، لدي 8 أبناء وأنا معيلهم الوحيد. استبشرنا خيرا بالمشاريع التي برمجت بالمنطقة، انطلق بعضها، لكن مازال ينقصنا الكثير، المسؤولون كينسونا، واخا يموت اللي موت، ونحن نطالب بلجنة لتقصي الحقائق من أجل الوقوف، بالضبط، على مكامن الخلل، والاهتمام بوضعية السكان الفقراء جدا، ومساعدتهم على مواجهة البرد".
وقالت تلميذة تدرس بثانوية عبد المومن، الوحيدة بالجماعة، إن التلاميذ فوجئوا هذه السنة باستبدال حطب التدفئة بالفحم، من أجل تدفئة الأقسام، ما يتسبب لهم في نوع من الاختناق بسبب الرائحة الناجمة عن احتراق هذه المادة، إضافة إلى أن القسم لا يسخن إلا بعد فترة طويلة، أي عند قرب انتهاء الحصة الدراسية.
وأشارت التلميذة إلى أن بعض الأساتذة يتغيبون كثيرا، ما يضيع على التلاميذ العديد من الحصص الدراسية، موضحة أن انقطاع الطرق، بسبب تساقط الثلوج، يساهم، أيضا، في تغيب العديد من التلاميذ عن حصصهم الدراسية، في حين، لا تؤخذ هذه الإكراهات الطبيعية بعين الاعتبار من قبل المسؤولين التربويين.
واعترف النائب الأول لرئيس الجماعة القروية لتونفيت، سعيد الطاهري، بضعف البنيات التحتية بالمنطقة، نظرا لوعورة التضاريس، وقسوة المناخ، مشيرا إلى أن هناك مجهودات تبذل من أجل تحسين الوضعية، وإنشاء العديد من المشاريع الاجتماعية لتأهيل المنطقة.
وما يثير سخط السكان أن رئيس الجماعة القروية لتونفيت يقطن في ورزازات، الأمر الذي علق عليه الطاهري بالقول إن "ظروف عمل الرئيس (مهندس دولة)، جعلته يقطن في ورزازات، لكن هذا لا يعني تعطل مصالح السكان، إذ أن أعضاء الجماعة دائما حاضرون، في خدمة السكان، ورهن إشارتهم، بمن فيهم الرئيس، الذي يحضر كلما دعت الضرورة"، مؤكدا أن هناك العديد من المشاريع أنجزت على أرض الواقع، وذكر منها بناء دار الشباب بمركز تونفيت، وتهيئة مسالك إدعداعن، بدوار إدعداعن، وبناء قسم ومراحيض بدوار تاغوشت، وبناء دار الطالب، والشروع في بناء مقر الجماعة القروية لتونفيت، ومقر للوقاية المدنية، وتزويد سكان عدد من المراكز بالماء الشروب، وفك العزلة عن السكان، وغيرها.
ويصل عدد السكان بجماعة تونفيت إلى 12 ألفا و300 نسمة، وتتميز المنطقة، التي تبلغ مساحتها 577 كلم مربع، بوعورة تضاريسها، وقسوة مناخها.