لم تكن الحركة عادية، صباح أمس الثلاثاء، في قلب الدارالبيضاء، وتحديدا بشارع المسيرة الخضراء..
الذي كانت جنباته ممتلئة بإشارات تثير انتباه سائقي السيارات لعدم تجاوز سرعة 20 كيلمترا في الساعة، وعدم التجاوز، والانتباه إلى الأشغال الجارية.
عقارب الساعة تشير إلى منتصف النهار، وشارع المسيرة الخضراء، المعروف بمحلاته التجارية الأنيقة التي تعرض لزبناء الماركات الشهيرة آخر صيحات الموضة، يعاني اختناقا من نوع خاص، جنباته تعلوها الأتربة، وأشجاره المعمرة، التي يتجاوز عمر بعضها عشرات السنين، أصبحت في خبر كان، بعد أن حملت، لمدة طويلة، معاني الإرث الجمالي الذي طبع الحاضرة المغربية المعروفة باسم الدارالبيضاء.
شاحنات عادية حضرت لتعلن حربها على أزيد من مائة شجرة بالشارع، عمرت طويلا، وحان وقت استئصالها، لتحل مكانها أعمدة إنارة، وليزحف الإسمنت فوق جذورها، حتى يسمح لأصحاب السيارات ركنها بسلام في شارع لا تتوقف الحركة فيه على مدار الساعة.
يقول سائق جرافة كبيرة، يرتدي وزرة زرقاء، بعد أن مشطت عيناه الشارع والأشجار، التي بدت ملقاة على طول الشارع المذكور، متسببة في عرقلة حركة السير، "الشارع سيحمل رونقا خاصا بعد توسيعه، وبعد قلع الأشجار القديمة لتحل محلها نخيلات صغيرة، ورصيف مزفت، حتى لا يختنق الشارع بين الفينة والأخرى، إضافة إلى أن هذه الأشجار لن يجري التخلي عنها بل ستنقل إلى طريق الجديدة، قريبا من منطقة ليساسفة، ليعاد غرسها من جديد".
ولا يبدو أن السائق كان متيقنا من إمكانية إعادة غرس أشجار معمرة، اقتلعت جذورها من مكانها.
هكذا كانت كلمات سائق الجرافة، الذي كان يستعرض عضلاته في اجتثاث أشجار ضخمة بواسطة جرافته الكبيرة، وحمل كل شجرتين بسرعة داخل شاحنة لنقلها إلى منطقة ليساسفة، لتزيين شارع، ربما، أقل قيمة من شارع المسيرة الخضراء.
اللامبالاة بالبيئة وبالوسط الحضري، وإهمال المساحات الخضراء من طرف الهيئات المنتخبة والسلطات المحلية، وعبث بعض أصحاب المشاريع العمرانية والتجارية، أثارت اشمئزاز وغضب عدد من المواطنين، احتشدوا لمتابعة عملية إعدام الشجر والحجر بشارع المسيرة الخضراء.
يقول حارس سيارات، ساعدت الأشغال المتواصلة بالشارع في توقفه عن العمل "هكذا يجري إعدام هذه الأشجار، من دون مراعاة خصائصها في تكوين البيئة الخضراء وتنقيتها، المسؤولون انتبهوا إلى اختناق شارع المسيرة الخضراء، وتناسوا اختناق رئة الدارالبيضاء، إضافة إلى أنهم شرعوا في توسيع جنبات الشارع من دون إخبار السكان، الذين أزعجتهم الأشغال، التي تسير بشكل بطيء، متجاوزة الشهر".
حارس السيارات، الذي ارتسمت على ملامحه علامات التذمر والحسرة، وصف عملية توسيع الشارع واستئصال الأشجار والعلامات الإشهارية، وحتى بعض الواجهات الزجاجية، بـ"الحكرة"، ربما لأنه لا يعلم كيف سيصبح الشارع في أجل غير مسمى، ويعلق فقط على الوضعية، التي أصبح عليها واحد من أهم شوارع العاصمة الاقتصادية.
لكن أصحاب محلات تجارية معروفة بالشارع لم يكن لهم رأي حارس السيارات، الذي عبر عن سخطه على عمليه قطع الأشجار، إذ قال مسؤول عن محل "كافالي" لـ "المغربية" إن عملية توسيع الشارع، وتواصل الأشغال العمومية أمام المحلات التجارية، لم تؤثر على مداخيل أصحاب المحلات المعروفة، لأن زبائن، كافالي، ولاكوست، وزارا، لا يدخلون هذه المحلات صدفة، أو لأن واجهاتها الزجاجية مغرية، بل لأنهم من عشاق الماركات العالمية، وربما لن تمنعهم الأشغال العمومية، أو الأشجار المتناثرة هنا وهناك، من الإقدام على شراء ملابس أقل ما يقال عنها إنها ثمينة.
تواصلت عملية استئصال الأشجار من جذورها بشارع المسيرة الخضراء، ونقلها إلى منطقة ليساسفة، بعد لفها في أغطية وتكبيلها بسلاسل حديدية، ربما حفاظا عليها، بحضور عمال تابعين لمجلس المدينة وشركة ليديك، التي سهر عمالها على صيانة مجاري مياه الصرف الصحي، وعدم انقطاع الماء أو الكهرباء عن سكان شارع المسيرة الخضراء، القريب من حي المعاريف.
مرت زهاء 40 دقيقة والعمال منكبون على ردم الحفر، واقتلاع الأشجار، وهدم الرصيف، ما تسبب في توقف الحركة بالشارع، الذي لم يكن يسمح بمرور أكثر من سيارة، وظل المواطنون ينظرون بحسرة لأشجار يفوق عمرها المائة سنة استسلمت أمام الجرافات، وأصحاب المحلات التجارية يواصلون عرض آخر ما جادت به صيحات الموضة، وعمال شركة ليديك مستعدون لتجديد قنوات الواد الحار، ومد قنوات الماء الشروب، والأسلاك الكهربائية، وفوق رؤوسهم لوحة كبيرة، رسم عليها شارع المسيرة الخضراء مستقبلا بأعمدة إنارة، وأرصفة مزينة، ولا ينقصه إلا الأشجار المعمرة، التي لم يعد مرغوب فيها بالعاصمة الاقتصادية.