دعا المشاركون في ورشة نظمها، أمس الاثنين بالرباط، المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وجمعية ضحايا معتقل تازمامارت، بتعاون مع المركز الدولي للعدالة الانتقالية، إلى حفظ الذاكرة..
باعتبارها تشكل جزءا لا يتجزأ من خارطة الذاكرة الجماعية، وتساعد على تحديد وبناء مفهوم مشترك عن الخبرة الجماعية، والخيال الجماعي، والتعريف الذاتي والجماعي لكل شعب من الشعوب.
وأوصى المشاركون في الورشة، التي نظمت حول موضوع "الحفظ الإيجابي للذاكرة: تازمامارت نموذجا"، بحفظ الذاكرة، لكونها "تمثل منظارا في سياق العدالة الانتقالية، يمكن من خلاله تأمل الماضي والحاضر والمستقبل، خاصة أن إحياء الذكرى فعل اجتماعي وسياسي، لا يقتصر على التذكار فقط، لكن يشمل عملية خلقه، وبنائه، واستمرار تفعيل دلالاته، والتفكير في كيفية القضاء على أسبابه في المستقبل".
وأبرز أحمد حرزني، رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، خلال اللقاء، الذي عرضت خلاله تصورات مختلف الفاعلين الدوليين والوطنيين والمحليين المعنيين بالذاكرة المرتبطة بالعنف السياسي، واستثمارها لإغناء المقترحات الأولية الخاصة بحفظ الذاكرة بمنطقة تازمامارت، (أبرز) أن المجلس يهدف من هذا اللقاء إلى "بناء تصور عام توافقي لحفظ الذاكرة، يأخذ بعين الاعتبار، من جهة، التجارب الدولية، والتراكمات المسجلة على الصعيدين الوطني والمحلي، ومن جهة أخرى، وجهات نظر مختلف الفاعلين، من منظمات حقوقية، وإدارات، ومصالح، ومتخصصين، من دون إغفال الضحايا المباشرين".
وأضاف حرزني أن "من شأن هذا التصور أن يساعد المجلس على الإسراع في عملية الأجرأة، خصوصا أن الإطارات العامة لذلك مهيأة، بعد توقيع المجلس اتفاقيتي شراكة مع وزارتي الداخلية، والإسكان والتعمير والتنمية المجالية، إضافة إلى الإمكانيات التي يوفرها المشروع الممول من طرف الاتحاد الأوروبي".
وقال إن "المقاربة، التي يعتمدها المجلس في تعاطيه مع الذاكرة، تهدف إلى تحقيق المصالحة التفاعلية والإيجابية مع المكان والتاريخ وبين مكونات المجتمع، ليتحول السجن السري إلى فضاء مندمج في محيطه الاجتماعي والثقافي، يحفظ وينتج الذاكرة، وليدون تاريخ الانتهاكات الجسيمة، ويحتل مكانته كمكون من مكونات تاريخنا المعاصر".
وأعلن حرزني أن هذا اللقاء يعد أول محطة ضمن مسلسل من الورشات الدراسية، يعتزم المجلس تنظيمها حول مراكز الاعتقال السري، وستكون المحطة المقبلة حول معتقلي أكدز، ودرب مولاي الشريف.
من جانبه، قال محمد مرزوقي، رئيس جمعية ضحايا تازمامارت، إن "كافة الدول بادرت إلى الاشتغال على حفظ الذاكرة، من منطلق أنه يمكن أن يشكل سبيلا للقطع الكلي مع هذه الممارسات في المستقبل، كما من شأنه أن يعيد الاعتبار لضحايا المعتقلات، ويؤهلهم تأهيلا كاملا، ويجعلهم عناصر خلاقة في المجتمع". ودعا إلى تدوين الذاكرة، وصونها "حتى تكون نبراسا تستنير به الأجيال اللاحقة".
وعن المركز الدولي للعدالة الانتقالية، قال الحبيب ناصر "بعد العديد من المبادرات، التي أطلقها المغرب، كإحداث أول لجنة إنصاف في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وبرنامج جبر الضرر الجماعي، تبدأ اليوم عملية إحياء الذاكرة، عن طريق تحويل المعتقلات السرية إلى مساحات عامة، وأماكن للذاكرة والتذكر"، موضحا أن حفظ الذاكرة يعد عنصرا أساسيا من عناصر العدالة الانتقالية.
وأبرز أن من بين أهداف حفظ الذاكرة هناك "التعويض المعنوي، ونبذ القمع، وتثقيف المجتمع، فضلا عن إفادة وخدمة المجتمعات الموجودة بجانب المعتقلات"، مشيرا إلى أن عملية حفظ الذاكرة "تقتضي تكون تشاركية، تفتح المجال لجميع الفاعلين، حتى تكون ذاكرة إيجابية و حيوية للمستقبل".
وأبرز المشاركون خلال هذه الورشة، التي عرفت مشاركة جمعيات حقوقية، وتنسيقية جبر الضرر الجماعي بمدينة الراشيدية، وكذا شركاء المجلس، ومجموعة من الخبراء، أن "الذاكرة تلم شمل الناس، كما تعتبر ساحة عامة، تساعد على تعزيز المصالحة بين مختلف أصحاب الشأن، بمن فيهم الضحايا وأسرهم والمرتكبين للانتهاكات"، مبرزين أن كشف الحقائق والمكاشفة لا يسيران جنبا إلى جنب.
وكانت هيئة الإنصاف والمصالحة أوصت، من ضمن توصياتها، بحفظ الذاكرة. كما اجتهدت الهيئة في توسيع دائرة المعنيين عبر إدماج المناطق التي تولد لدى سكانها شعورا بتعرضهم للتهميش، ولنوع من العقاب الجماعي، بحكم أحداث تاريخية معينة ارتبطت بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، أو بسبب وجود مراكز اعتقال أو احتجاز سرية بها.
وأوصت الهيئة، في إطار التسوية النهائية لملفات الاختفاء القسري، ببلورة مقاربة جديدة، تستهدف تحويل مراكز الاعتقال السري إلى فضاءات منتجة وحافظة، وإبداع أشكال جديدة للتعاطي الإيجابي مع الذاكرة في المناطق التي عرفت أحداثا اجتماعية، تلتها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.