ظلت حركة "بوليساريو" التي نشأت على وهم، تعيش على وهم من يحركها، ويملي عليها المواقف التي لا تملك القدرة على اتخاذها إلا بإذن مسبق، لنسف أي مبادرة يراد بها إيجاد تسوية نهائية للمشكل المفتعل حول الصحراء.
وما من شك أن قمة "الدونية" هو أن تظل "بوليساريو" دمية في يد الجهة المحركة لها، و"كيانا قاصرا"، تسخر له تلك الجهة دبلوماسيتها ووسائل إعلامها، في محاولة يائسة للنيل من وحدة المغرب الترابية والبشرية، التي شكلت ثابتا من ثوابت حضارته المتأصلة في أعماق التاريخ.
فعلى امتداد أزيد من ثلاثة عقود لم تكلف "بوليساريو" نفسها عناء التوقف "للحظة تأمل" واحدة ، للخروج من واقع مزر، ظل فيه آلاف النساء والشباب والكهول بمخيمات تندوف بالجنوب الجزائري، طوال هذه المدة يعلنون رغبتهم في العودة إلى وطنهم للعيش في كرامة بين أهاليهم وذويهم.
الواقع أن هذا "التوقف" عن مثل هذا التفكير إنما هو "توقف إجباري" لأن "المقود" هو في أيد غير أيدي قادة "البوليساريو"، ما يجعل البوصلة تتجه دوما عكس اتجاه الحق، حتى ولو كان ذلك على حساب صحراويين مغاربة أبا عن جد، ينعم إما أبناؤهم أو إخوانهم أو أخواتهم أو أمهاتهم أو أبناء عمومتهم بنعمة الهوية المغربية داخل رقعة جغرافية كانت دائما مغربية، انتماء وأصالة، وتواصلا دائما، مع محيطها المغربي الموحد أرضا وإنسانا بشماله وجنوبه وشرقه وغربه.
ومن خلال استقراء الأحداث والوقائع التي ميزت تطورات قضية الصحراء، ومسيرة البحث عن حل دائم ونهائي لمشكل الصحراء، الذي عمر طويلا، نجد أن "البوليساريو" لم تكن تمتلك أي هامش من حرية التحرك، فكل خطوة تخطوها، تبقى مشروطة دائما بالتوجه الذي تريد الجزائر أن تعطيه للتطورات التي تعرفها القضية، بما يتماشى مع أهدافها ومراميها ونظرتها للأحداث وتفاعلاتها، بعد أن جعلت من قضية الصحراء شغلها الشاغل.
ففي وقت ما فتىء فيه مقترح المغرب بتخويل حكم ذاتي للأقاليم الجنوبية يلقى دعما دوليا متزايدا لوجاهته وواقعيته وانسجامه مع سيرورة التاريخ ومع التوجهات الوحدوية الرامية إلى إقامة صرح المغرب العربي الموحد نجد أن الطرف الآخر يختلق كل العراقيل لنسف هذا الحل.
وكما هي عادة الداعين إلى الطرح الانفصالي، فإن كل تصوراتهم اتجهت إلى نسف هذا الحل، من خلال مناورات لا يعدمون الوسيلة لاختلاقها، بيد تحركهم تارة، وتحرضهم أخرى، وتمنعهم في كل وقت من التصرف كلما زاغ القطار الذي يركبونه عن سكة الوجهة التي اختيرت له بعيدا عن المسار الصحيح .
وانطلاقا من ذلك، فلا غرو أن تستغل زمرة "البوليساريو" ومن يقف وراءهم كل حدث بالأقاليم الجنوبية للركوب على جزئياته، بهدف تضليل الرأي العام الجهوي والدولي بمغالطات سرعان ما ينكشف زيفها، فتنظيم أي تجمع أو تظاهرة مهما كانت طبيعتها كالتوقف عن الدراسة والقيام ببعض الإضرابات التي تدعو إليها المنظمات النقابية أحيانا وفي إطار وطني، لا تلبث أن تجعل منها عصابة البوليساريو "تظاهرات قمعية" وتحاول استغلالها لرفع شعارات مناهضة للوحدة الترابية، وتضخيم الأحداث البسيطة وتقديمها وتسويقها بصورة تراها مناسبة للدعاية لطروحاتها.
وهكذا فإن أحداث الجامعات أو أي تحرك طلابي أو التظاهر للتعبير عن مطالب اجتماعية، وهي حركات عادية في بلد ديمقراطي مثل المغرب، تصبح في نظر "البوليساريو" تعبيرا عن مطالب سياسية. كما أن كل شيء يحدث بتلك الأقاليم أو حتى في مناطق في شمال المملكة، يصبح موضع استغلال سياسوي بالنسبة لهذا الكيان، هدفه تغليط الرأي العام وخطب وده.
بيد أن بوليساريو ومن يقف وراءه لا يدركون بعد طبيعة الحراك في المجتمع المغربي الذي جعل من حرية التعبير والديمقراطية والانفتاح، النهج الذي تسير عليه سكة المغرب الحديث. كما ضيق أفق التفكير لدى هؤلاء المهووسين بمعاكسة رياح الوحدة، وافتعالهم أحداث بنية استغلالها للدعاية الخارجية، كمحاولة لإضعاف المغرب، ربما يكون مرده إلى طبيعة ذلك التفكير الذي ظل بعيدا عن كل توجه وحدوي، وأسير ماض أكل عليه الدهر وشرب.
ولعل من أغرب "الخرجات" التي جعلها بوليساريو"أملا خادعا" يحاول التمسك به، ما يدعيه من وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان في الأقاليم الجنوبية، التي أصبح الكل يعلم أنها تعيش في أمن وطمأنينة وسلام، تنقل صداه للرأي العام الدولي الوفود الرسمية والإعلامية والحقوقية والفعاليات المنتخبة والناشطة في العمل الجمعوي التي تزور المنطقة.
وإذا كان المجال الحقوقي من الفضاءات التي تدعي "البوليساريو" أنها تتحرك فيها، فإن "السحر انقلب على الساحر" من خلال رجع الصدى الخافت والرديء الذي تلقاه عادة التظاهرات "المفبركة" التي يؤطر فيها "البوليساريو" والجزائر تحركات حفنة من دعاة الانفصال، في وقت يتجه فيه العالم إلى التكتل والوحدة والتضامن والدفاع عن حقوق الإنسان.
وفي الغالب يكون وقع الصدمة مدويا على أولئك، بعد خيبة الأمل التي تعتريهم والنتائج الباهتة التي تجنيها الجهات الحاقدة على المغرب من تحركاتهم، فهل يدفعهم ذلك إلى مراجعة النفس والانسلاخ عن وهم ما فتىء يعشعش في أذهانهم.
إن مزاعم "بوليساريو" بوجود انتهاكات لحقوق الإنسان بالأقاليم الجنوبية يعطي صورة واضحة وفاضحة عن "أدعياء" ينادون بالشيء ويمارسون نقيضه. فقادة هذا الكيان هم الذين يمارسون كل أنواع القهر والتنكيل والإبعاد وتهجير الأطفال نحو كوبا، ويتفننون في حرمان النساء من حق الأمومة وفي أساليب إذلالهن، كتزويجهن بالإكراه وتعريضهن لأعمال السخرة.
ولا عجب أن يدعي هؤلاء، الذين لا يؤمنون إطلاقا بحقوق الإنسان، بوجود انتهاكات لحقوق الإنسان في الأقاليم الجنوبية، حيث يتمتع المواطنون بكامل حقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية، ويساهمون في تسيير شؤونهم بأنفسهم. إنها الأقاليم التي نظم بها المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في شهر أكتوبر الماضي، وتحديدا بمدينة العيون، لقاء جهويا حول وضعية حقوق الإنسان، بهدف إطلاق نقاش جدي ورصين مع مختلف الفاعلين المحليين والوطنيين حول قضايا النهوض بحقوق الإنسان وحمايتها بهذه الأقاليم، في أفق التحضير لفتح نقاشات عمومية حول وضعية حقوق الإنسان في مختلف جهات المملكة.
وهي أيضا الفضاء الذي نظمت فيه منظمة العفو الدولية - فرع المغرب- أخيرا بالداخلة، ورشة عمل حول "تقنيات التربية على حقوق الإنسان"، لفائدة الأطر التربوية والإدارية لقطاع التعليم بجهة وادي الذهب لكويرة في إطار تخليد الذكرى 60 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
والأكيد أن هذه الورشة، الرامية إلى إعداد أجيال جديدة متشبعة بالقيم الكونية لحقوق الإنسان، والحوار والاحترام، وفهم الآخر، ونبذ التعصب والكراهية والعنصرية بما يؤهلها للمشاركة الفعالة في مجتمع حر ديموقراطي، يسوده السلم وتتحقق فيه التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، تنطوي على رسالة كافية يجب أن تفهم مقاصدها لدى أولئك الذين لا يزالون يعيشون على الوهم وفي أحضان الوهم.
أما المغرب فسيظل، انطلاقا من حرصه على تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية وضمان حقوق كافة أبنائه، منشغلا بالوضعية المزرية التي يعيشها المحتجزون في مخيمات تندوف في الجزائر، المحرومون من أبسط الحقوق، ومن الاستفادة من أي حماية أساسية.
(و م ع)