قطع أجزاء لحم من جسم سجين حي، وطهيها على النار لإطعامه إياها أو تقديمها "وجبة" لعزيز عليه بين السجناء، قلع الأظافر، الحرق بالسجائر، الضرب بأسلاك الكهرباء، التعليق من الرجلين لعدة ساعات، التعذيب بالماء (وضع الرأس في دلو من الماء إلى حد الاختناق)، عصب العين
لا يتعلق الأمر، هنا، بمشاهد سينمائية يبرع ممثلون في أدائها، تأريخا لفظائع بشرية وسمت عهودا سحيقة، بل بأساليب تعذيب غاية في القسوة والهمجية، أضحت اللغة اليومية لأجهزة القمع الوحشية لمنظمة (بوليساريو) في مراكز الاعتقال التابعة لها في مخيمات تندوف جنوب غرب الجزائر، في خرق فظيع للمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
يحتفل العالم، في العاشر من دجنبر الحالي، بيوم حقوق الإنسان والذكرى الستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي كان أول اعتراف دولي بأن لجميع البشر أن يتمتعوا بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، في وقت ما زالت فيه زمرة من الطغاة في الجنوب الجزائري تطلق أياديها بالبطش والتنكيل في حق مدنيين مغلوبين على أمرهم، مجبرين على العيش قيد الاحتجاز، كلاجئين مكدسين في مخيمات كئيبة، ومعزولين عن بقية العالم، ليظل هذا الملف الأسود وصمة عار على جبين مجتمع دولي ما فتئ يدعو إلى إقرار العدالة، وتكريس مبدأ الكرامة والعدل للجميع.
ناهيك عن الخط الدموي الذي حفره قادة (البوليساريو)، منذ تأسيس تنظيمهم المافيوي لتصفية المعارضين لهم، يعاني سكان مخيمات تندوف من طوق محكم، حيث يخضعون للمراقبة البوليسية، ويجري إحصاء حركاتهم وسكناتهم بدقة، خاصة بعد سلسلة الانتفاضات الشعبية التي شهدوها، كما يتعرضون، قسرا، للشحن العقائدي والعسكري، في ما يجري تسويق مأساتهم كسلعة لدى المنظمات الإنسانية.
وسط عالم السجن هذا، عالم الشر والقبح، المولد لمصائر فاجعة والمستعر على مرأى ومسمع العالم، يظل محتجزو مخيمات العار بالجنوب الجزائري، عرضة لمختلف أعمال البطش والترهيب، ويبقى جحيم مراكز الاعتقال التابعة لعصابة (البوليساريو) متواصلا، ذلك أن هذه الميليشيا المغامرة لم تتوقف منذ إنشائها عن الاعتقال، والتصفية الجسدية لكل من يجرؤ على إظهار معارضته لها، وما العديد من "حملات التطهير" المقترفة من قبلها سوى شاهد حي على المسار المظلم لمشروع انفصالي قادته الحماقة والرعونة إلى الباب المسدود.
إنه المشروع المغامر، الذي تنفذه عقول ضالة ومعطوبة، وتشحذه ألسنة صدئة تلوك بتكاذب مفضوح خطابا خشبيا، وتردد شعارات فارغة، عقول متحجرة أضحت معها الأصوات الداعية إلى تغيير وجهة الضلال وسلوك طريق الصواب أشبه بإطلاق صيحات في واد أو النفخ في قربة مثقوبة.
إن شهادات بكلمات تقطر ألما، أدلى بها ناجون من هذا الجحيم، من صحراويين مغاربة وموريتانيين، نكلت بهم الآلة القمعية للانفصاليين، ومكنت منظمات دولية من كشفها في لقاءات نظمت في عدة عواصم بالعالم، تظل صرخة مدوية في وجه فظائع ارتكبها جلادون عن سابق تصور وتصميم، فظائع توازي جرائم ضد الإنسانية، لا يسع الضمير الإنساني إلا أن يدينها ويطالب بإحالة مرتكبيها أمام العدالة الدولية للاقتصاص منهم.
وفي الإطار ذاته، كان صحراويون من ضحايا الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان بمخيمات تندوف قدموا شكاية بإسبانيا في دجنبر الماضي، ضد قادة (البوليساريو) ومسؤولين جزائريين بتهمة الإبادة والتعذيب والإرهاب. كما أظهرت التقارير التي أصدرتها منظمات غير حكومية وطنية ودولية، خاصة في أوروبا، حول مأساة المحتجزين في مخيمات المرتزقة بتندوف، والاختلاسات التي مست المساعدات الإنسانية المرصودة لهم، وممارسة شتى أصناف التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان في حق الأشخاص المعتقلين، خطورة وبشاعة هذه التجاوزات.