حقوق السجناء جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان في المغرب

الأربعاء 10 دجنبر 2008 - 18:46
السجن تهذيب

بنظامه الخاص والقواعد المنبثقة عنه، يشكل عالم السجناء فضاء ذا خصوصيات، يحظى منذ بضع سنوات، باهتمام خاص من لدن السلطات العمومية، في إطار الورش الواسع من الإصلاحات التي انخرطت فيها المملكة بهدف ضمان النهوض بحقوق الإنسان والحريات الأساسية.

وفي الوقت الذي يحتفل المجتمع الدولي بالذكرى الستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يحق للمغرب أن يفتخر بالبرنامج الواسع، الذي باشره لإصلاح نظامه السجني، من أجل أنسنة أكبر للفضاء السجني، وضمان ظروف اعتقال ذات طابع إنساني لفائدة السجناء، وإعادة إدماج فعلية في المجتمع بمجرد انقضاء عقوباتهم السجنية.

ويقارب عدد السجناء في المغرب 60 ألف سجين، داخل 58 مؤسسة سجنية، تسعى السلطات إلى تحسين ظروف معيشهم اليومي على مختلف الأصعدة: المزيد من احترام الكرامة والأنسنة والسلامة.

وحسب مقتضيات القانون المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية، يتعين على النزلاء مراعاة الانضباط وقواعد الاعتقال المطبقة داخل المؤسسة، التي لا تحرمهم من إمكانية التمتع بمجموع الحقوق التي يضمنها لهم القانون (حق الزيارة، الخلوة الشرعية، الخدمات الطبية، الاستشارة القانونية...).

وعلاوة على هذا المنحى القائم، يحظى المحور الإنساني باهتمام متنام ضمن أوراش الإصلاح، التي تطلقها المندوبية العامة لإدارة السجون، بهدف تحسين مستوى المعيش اليومي للسجناء، وحماية حقوقهم القانونية والإنسانية، وتأهيلهم من أجل ضمان إعادة إدماج اجتماعية فعلية بعد الإفراج عنهم.

وأولى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، منذ توليه العرش، اهتماما خاصا لإصلاح المؤسسات السجنية يتمحور أساسا حول محورين، وهما إعادة تنظيم آليات التسيير وضرورة النهوض بحقوق وكرامة النزلاء.

وشهد هذا الإصلاح تحولا مهما سنة 2002، من خلال إحداث مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء. وهي المؤسسة التي تتوخى تكريس التوجه الإصلاحي والبيداغوجي للمؤسسة السجنية.

واستفادت كافة أعمال المؤسسة، منذ إحداثها، من دعم جلالة الملك الذي أكد، بمناسبة افتتاح السنة القضائية سنة 2003، أن "ما نوليه من رعاية شاملة للبعد الاجتماعي في مجال العدالة لا يستكمل إلا بما نوفره من الكرامة الإنسانية للمواطنين السجناء، التي لا تجردهم منها الأحكام القضائية السالبة للحرية".

وأكد المسؤولون بالمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، في تصريحات لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن "العمل الذي تقوم به مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء أساسي وذو قيمة كبرى".

وأوضحوا أنه "بفضل هذا العمل والاهتمام الذي يوليه جلالة الملك لهذه القضية، نتمكن من ضمان ظروف اعتقال جيدة للسجناء وإعادة إدماج اجتماعية فعلية بعد الإفراج عنهم".
وفي هذا الصدد، اعتمدت المؤسسة مقاربة مندمجة، يجري تأطير عملية تفعيلها من قبل مجلس إداري يضم ممثلي منظمات حقوق الإنسان الأكثر نشاطا في هذا المجال، وكذا فاعلين في القطاع الخاص.

وسيستفيد في إطار هذا البرنامج، ما مجموعه 26 ألفا و570 معتقلا (11 في المائة منهم نساء)، ما بين سنتي 2008 و2012، من تكوين مهني داخل المؤسسات السجنية، من بينهم 2000 سيستفيدون من تكوين عن طريق التلقين.

كما قامت المؤسسة بإحداث مراكز للمواكبة بعد الإفراج عن السجناء، جرى تدشين الثالث منها، بعد مركزي سلا والدارالبيضاء، أخيرا من قبل جلالة الملك محمد السادس بأكادير. وتروم المواكبة، التي تؤمنها هذه المراكز والعلاقات التي يجري ربطها مع العائلات والمشغلين والسلطات والجمعيات المحلية، تسهيل عملية إعادة الإدماج.

هكذا، سيكون بمقدور السجناء السابقين، الذين استثمروا فترات اعتقالهم في إعادة التأهيل، وأبدوا إرادة لإنشاء مشاريع شخصية لإعادة الإدماج، التمتع بمواطنتهم الكاملة والاندماج في إطار مقاربة التنمية الشاملة بالمغرب.

وأكد المسؤولون بالمندوبية أن الجهود المبذولة من قبل إدارة السجون وشركائها "تروم حماية كرامة المعتقلين والسهر على سلامتهم، وكذا سلامة العاملين بالمؤسسات السجنية والبنيات التحتية في إطار احترام القانون".

وفي هذا الصدد، جرى تزويد المندوبية، برسم سنة 2009، بالإمكانيات البشرية والمالية اللازمة لتحقيق هذه الأهداف.

وبذلك، ارتفعت الميزانية المخصصة للتسيير إلى مليار و59 مليون درهم، وهو ما سيمكن من امتصاص جزئي للعجز في الموارد البشرية، ومن تمويل التجهيزات والرفع من النفقات اليومية المخصصة لكل سجين من 5 إلى 14 درهما، أي بارتفاع نسبته 150 في المائة.

وسيجري تخصيص ميزانية الاستثمار، البالغة قيمتها 712 مليون درهم، على الخصوص، لبناء مراكز سجنية جديدة والرفع من الطاقة الاستيعابية للمؤسسات الحالية التي يعاني بعضها مشكل الاكتظاظ، وهو المشكل الذي تعيه إدارة السجون أتم الوعي وتعمل بجدية من أجل حله.

وحسب المسؤولين بالمندوبية، فإن وضعية الاكتظاظ هذه ناجمة بشكل أساسي عن عدد المعتقلين الاحتياطيين في السجون (47 في المائة من المعتقلين).

وأوضح هؤلاء المسؤولون أن "المعتقل الاحتياطي هو كل معتقل لم يصدر في حقه مقرر قطعي بالإدانة، ولذلك يتعين أن يبقى قريبا من الهيئة القضائية المكلفة بملفه، وهو ما يفسر الاكتظاظ الذي تعانيه بعض السجون بالمراكز الحضرية الكبرى".

ومن أجل تجاوز هذه الوضعية، ذكروا بأن إدارة السجون قررت، في إطار تفعيل برنامجها الاستعجالي، تسريع وتيرة أشغال بناء ست مؤسسات سجنية جديدة، من المقرر افتتاحها خلال النصف الأول من سنة 2009، بهدف التخفيف من الاكتظاظ بعدد من السجون.

وتؤكد المندوبية العامة، في إطار الانفتاح على محيطها، أنها مستعدة للتعاون مع كافة الجمعيات العاملة في مجال حقوق الإنسان. وهكذا، يجري بالمراكز السجنية تنظيم أيام لإعادة إدماج السجناء وإقامة حفلات إفطار خلال شهر رمضان وأمسيات فنية يشارك فيها المعتقلون وعائلاتهم .

وفي هذا الإطار، أكد المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج مولاي حفيظ بنهاشم، "إننا نبقى منفتحين إزاء كافة المقترحات، وننخرط في كل المبادرات الرامية إلى تحسين المعيش اليومي للمعتقلين، لكن في إطار احترام اختصاصات المندوبية العامة".

كما أكد المسؤولون بالمندوبية أنه يجري القيام بزيارات منتظمة لكافة المؤسسات السجنية بهدف الاطلاع، ميدانيا، على ظروف الاعتقال والحياة اليومية للنزلاء ووضعية هذه المؤسسات (الزنازن والمطابخ وعيادات التمريض وقاعات استقبال العائلات وأمكنة تخزين المواد الغذائية والأدوية).

وخلال هذه الزيارات، يدخل المعتقلون في اتصال مباشر مع المسؤولين، الذين يمكنهم أن ينقلوا إليهم شكاياتهم وملاحظاتهم ومقترحاتهم، وفق ما ينص عليه القانون.

وهكذا تنص المادة 98 من قانون 23 .98 على أنه "للمعتقلين أن يتقدموا بتظلماتهم إلى مدير المؤسسة، أو إلى مدير إدارة السجون والسلطات القضائية ولجنة المراقبة الإقليمية المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية، إما شفويا أو كتابة. ويجب دراسة الشكايات، واتخاذ الإجراءات اللازمة".

ويتبين مما سبق أن تقدما مهما جرى تحقيقه، وأنه يجري القيام بجهود كبيرة تصب في اتجاه حماية كرامة المعتقلين وتوفير الشروط الملائمة من أجل تهذيبهم وإعادة إدماجهم في المجتمع. وإذا كان الجانب الأمني مهما بطبيعة الحال، فإن ذلك لا يقصي في الآن نفسه البعد الإنساني، الذي يظل أولوية بالنسبة للسلطات المكلفة بالسجون.

(و م ع)




تابعونا على فيسبوك