المغربية تحكي تفاصيل ليلة باردة قضتها رفقة مشردي الدارالبيضاء

ضبط 119 امرأة و1072 رجلا يبيتون في الشوارع

الجمعة 05 دجنبر 2008 - 22:02

كانت عقارب الساعة تشير إلى 11 ليلا، سيارات وحدات المساعدة الاجتماعية ركنت جانبا في زقاق ضيق محاذ لشارع الجيش الملكي، رجال أمن، وصحافيون، ومساعدون اجتماعيون، ومدير مركز تيط مليل..

الكل مستعد لقضاء ليلة بيضاء، ربما ليقاسم البعض هموم متسولين ومتسولات تقاذفتهم أركان الأزقة والشوارع، وليقترب البعض الآخر من شريحة من دون عنوان إقامة، يفترشون الأرض، ويلتحفون السماء، يسكنون المنازل المهجورة، ويقتاتون من فضلات الأزبال، يدخلون عالم اللاوعي بجرعات من "الدوليو"...

"المغربية" تحكي تفاصيل ليلة باردة حملت في طياتها حكايات ومآسي معدمين بقلوب مكسورة لفظهم المجتمع.

داخل سيارة المساعدة الاجتماعية، جلس رجل الأمن بنظرات شاردة لا يكترث لمن يوجد بجوفها، لأنه يعلم جيدا أن الأمر لا يتعلق بأصحاب سوابق أو متهمين ينهجون السلوك الإجرامي، بل إنهم مشردون أعلنوا هزيمتهم في مباراة غير متكافئة الأطراف، وفضلوا الانزواء جانبا، ليجر إحصاؤهم ضمن مواطنين من الدرجة الثالثة.

جلس رجل، رسم الشيب خارطته على رأسه، منكمشا وسط غطاء سرقت منه حرارة الشمس لونه الطبيعي، لم ينطق بكلمة واحدة رغم طول المدة، التي قضيناها رفقة دوريات المساعدة الاجتماعية، كانت نظراته كافية لرصد سنوات طويلة، ربما قضاها في حضن عائلة لم تستسغ وجوده بعد أن بلغ من الكبر عتيا، كان جالسا داخل واحدة من سيارات المساعدة الاجتماعية، يكتفي بمسح فضاء "السطافيط" بنظراته البريئة، التي توحي بأنه سلم أمره لخالقه، بعد أن قهرته موجة الصقيع الباردة.

الرجل كان من بين ثلاثة جرى انتشالهم قرب ساحة "الحمام" يهيمون في النهار لاستجداء المارة، وينزوون في الليل في أحد الأركان القريبة من ولاية الدارالبيضاء، ليقضوا ليلتهم يتصارعون مع موجات البرد القارس، التي بدت آثارها واضحة على محياهم.

أعطيت إشارة الانطلاقة لثلاث دوريات للمساعدة الاجتماعية، منذ فاتح دجنبر الجاري، لمباشرة حملات تمشيطية في صفوف المشردين والمتسولين لإلحاقهم بالمركز الاجتماعي تيط مليل.

وتمكنت وحدات المساعدة الاجتماعية، من بداية الحملة، من التقاط 51 مشردا، ضمنهم طفلان قاصران، و32 مشردا من الرجال، و17 امرأة فضلن المبيت في الشارع، رغم قساوة البرد.

وحسب مدير المركز الخيري، عبد الكريم الصبار، فإن الحملة التي تباشرها عناصر المركز الخيري تدخل في برنامج "خريف شتاء"، الذي أطلقته ولاية الدارالبيضاء، يروم التواصل مع المشردين والمتسولين في العاصمة الاقتصادية، ومنحهم فرصة لإعادة إدماجهم، في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

وأشارت دراسة منجزة في إطار برنامج "فرصة من أجل إعادة إدماج الأشخاص بلا مأوى"، توصلت "المغربية" بنسخة منها، إلى ضبط 1191 مشردا بالدارالبيضاء، خلال 3 أشهر، 1072 منهم ذكور بنسبة 90في المائة، مقابل 119 حالة ضبطت في صفوف النساء (10في المائة). وحسب الدراسة نفسها، جرى أيضا ضبط 266 معدما ليست لديهم أي علاقات عائلية، مقابل 925 يتوفرون على روابط عائلية.

انتقلنا في موكب لسيارات المساعدة الاجتماعية، إلى عين الدياب، مرورا بالعنق، المساعدون الاجتماعيون يعلمون جيدا النقط السوداء، التي تشكل مؤوى للمشردين.

قبل الوصول إلى الكورنيش، توقفت السيارة، بعد أن لمح مدير المركز الخيري مشردين اثنين، يستعدان لتناول وجبة العشاء، التي كانت عبارة عن طماطم مقلية، وأشياء أخرى، قبل خلودهما للنوم غير آبهين بموجة البرد القارسة.

بعد حديث قصير بين مدير المركز والمشردين، وافقا على مرافقتنا ليلتحقا بنا، بعد أن صرحا بأنهما "ولاد باب الله"، ولا فرق لديهما بين المبيت في الشارع أو المركز الخيري، أو حتى السجن، جمعا عدتهما وأغطيتهما البالية، ونظرا لحظات إلى "المقيلة"، رافضين حملها، مكتفيين بأخذ جهاز راديو، كان يؤنس وحدتهما ويكسر الصمت، الذي كان في تلك اللحظات شبيها بصمت القبور.

قبل مواصلة الطريق، توجه الجميع نحو مشرد آخر تفوح منه رائحة لصاق "السلسيون" و"الدوليو"، غير أن المعني بالأمر، كان له رأي آخر، وفضل تقبيل رجل عنصر الأمن على مرافقتنا، قبل أن يدخل في ضحكات هيستيرية أوحت للجميع بأنه مختل عقليا، بعد إقناعه هو الآخر بأن له حرية الاختيار بين البقاء في المركز أو الرجوع للشارع للمبيت فيه، صعد المشرد وهو يصيح بأعلى صوته متلفظا بين الفينة والأخرى بعبارات نابية، بعد أن صرح للصحافيين أنه من عشاق "ماحيا" الخميسات، وأنه ابن البهجة، وله سكن قار في أكادير، وأشياء أخرى يصعب فهمها...

واصلنا الطريق بسرعة لا تتجاوز 20 كلم في الساعة، إلى أن أشار أحد المساعدين الاجتماعيين إلى مكان مهجور بعين الدياب احتله المشردون للمبيت فيه، والاحتماء بنخيله، للوصول إلى العشة، كان من اللازم القفز فوق سور يتجاوز علوه المتر، والدخول وسط متاهات، واجتياز أزبال، الكل تجند لمشاركة المساعدين الاجتماعيين ومدير المركز في المغامرة، غير أننا لم نعثر إلا على فراش مشردين أو قطاع طرق، كما صرح فرد من القوات المساعدة، تبين أنهم لا يفضلون النوم باكرا.

حملات محاربة ظاهرة التشرد انطلقت بالدارالبيضاء منذ 12 ماي الماضي، بدءا بتراب عمالتي الدارالبيضاء أنفا والفداء مرس السلطان، إلى حدود 30 غشت الماضي، جرى ضبط 1191 مشردا، ضمنهم 1072 رجلا و119 امرأة.

الهدف من هذه العملية إحداث بنك معلومات خاص بالمشردين لوضعه رهن إشارة المتدخلين، ولم تمر هذه العمليات دون مواجهة صعوبات من قبيل التعامل مع المشردين، وصعوبة التكفل بالمختلين عقليا.

وحسب دراسة للمركز الاجتماعي، فإن فئة الراشدين شكلت الأغلبية بنسبة 67في المائة أي 803 أشخاص، تلتها فئة المسنّين بنسبة 22.25في المائة (265)، ثم فئة القاصرين بـ 9 في المائة (113)، والأطفال الرضع بـ 1.75في المائة أي 10 رضع.

وكشفت الدراسة أن نسبة 54 في المائة من المشردين، الذين جرى ضبطهم بالدارالبيضاء، هم أشخاص عاديون (641 حالة)، في حين أن 25 في المائة منهم مختلون عقليا (293)، وأن 257 مصابون بأمراض وصفت بالخطيرة.

بعد التفكير في العودة من عين الدياب، تبين أن هذا المكان لا يروق للمشردين والمعدمين بقدر ما يسرق انتباه عشاق الليالي الحمراء، والعلب الليلية، الذين اكتفى بعضهم بالنظر إلينا من وراء زجاج سياراتهم.

عقارب الساعة تشير إلى الواحدة ليلا، الكل قرر العودة إلى مركز المدينة للبحث عن مواطنين تسلحوا بـ"ماحيا" لمواجهة البرد، واتخذوا من أبواب بعض العمارات سريرا لهم، كرجل وجدناه مستغرقا في نومه يلتحف غطاء بلاستيكيا أمام باب عمارة، بمجرد الوقوف أمامه استجمع قواه ودون مقدمات رافق الوفد إلى السيارة دون أن يحمل متاعه المتنقل، ربما لأنه عثر على عنوان محدد لسكنه الجديد بتيط مليل.

السيارات الثلاث، امتلأت عن آخرها بمشردين كانوا يستظلون بأسوار الخرب، ويبيتون في شوارع يعرفها جل البيضاويين، الكل قرر التوجه نحو تيط مليل، المكان الذي يحمل بين أركانه وحكايات بلا نهاية، قد تشيب لبعضها الولدان.




تابعونا على فيسبوك