يخلد العالم، اليوم السبت، اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، الذي يتزامن مع اشتداد الحصار الإسرائيلي المضروب على الفلسطينيين، خاصة في قطاع غزة.
بشكل يتنافى مع كل الأعراف والمواثيق الدولية، ما يهدد بكارثة إنسانية حقيقية وشيكة، تكرسها على صعيد آخر، حالة الانقسام بين الفصائل الفلسطينية.
ويعد هذا اليوم مناسبة للتأكيد على البعد العالمي الإنساني، الذي تكتسيه القضية الفلسطينية والدفاع عن عدالتها، فضلا عن بعدها الإقليمي باعتبارها قضية مركزية لدى الأمتين العربية والإسلامية، ومدخلا ضروريا لحل باقي القضايا العالقة في منطقة الشرق الأوسط .
ولأن القضية الفلسطينية أصبحت تختزل مجمل شعارات الحرية والعدالة في زمن حقوق الإنسان والشعوب، فإن تخليد هذا اليوم دعوة متجددة لكل القوى المحبة للسلام والتحرر، من أجل الوقوف مع الشعب الفلسطيني ودعم نضاله العادل في أفق انتزاع حقوقه المشروعة في العودة وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشريف.
وحرصت المملكة المغربية بشكل متواصل، على دعم الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، وفي طليعتها حقه الثابت في إقامة دولته المستقلة. وظلت القضية الفلسطينية في صدارة اهتماماتها، إذ ما فتئت تطالب في مختلف المحافل الدولية بإنصاف الشعب الفلسطيني، الذي يتوق، كغيره من الشعوب، إلى العيش بعزة وكرامة في ظل وطن مستقل يجسد هويته الإنسانية وخصوصياته الثقافية.
كما أن جلالة الملك محمد السادس بصفته رئيسا للجنة القدس، ما فتئ يطلق المبادرات الرامية إلى الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية، والخصوصيات الحضارية والتاريخية لمدينة القدس الشريف، باعتبارها فضاء للتسامح والتعايش بين كافة الأديان السماوية.
وأكد المجتمع المدني المغربي من جانبه حضوره بقوة في سيرورة دعم نضال الشعب الفلسطيني من أجل الحرية والاستقلال، والتحسيس بقضيته سواء في الداخل أو في المنتديات والمحافل الدولية، وهو يباشر مبادرات متوالية لإثارة انتباه الرأي العام الدولي إلى ما يعانيه الفلسطينيون من حصار، خاصة في قطاع غزة، الذي حولته قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى سجن كبير.
ولعل آخر مبادراته في هذا السياق، إرسال قافلة مساعدات طبية لفائدة الفلسطينيين في قطاع غزة، لتخفيف معاناة شعب أعزل يرزح تحت الاحتلال .
وعرفت سنة 2008 حملة تضامنية واسعة مع الشعب الفلسطيني على المستوى الدولي في ظل الحصار الجائر ، إذ توجهت سفينتان تحملان على متنهما نشطاء عالميين لكسر حصار غزة في تحد لجبروت الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب سفينة أخرى أقلت، أخيرا، نوابا أوروبيين وناشطين مؤيدين للقضية الفلسطينية.
وتعكس الأرقام والتطورات الأخيرة مدى حجم المأساة، التي يعيشها سكان غزة في ظل تحذيرات وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، من حصول مجاعة بعد نفاد المخزون الغذائي، واصفة الوضع بأنه " مريع ومخيف "، لدرجة أن مطاحن الدقيق بدأت تستخدم الحبوب المخصصة للحيوانات والطيور لتقديمها للمواطنين كبديل عن القمح، الذي منعت سلطات الاحتلال وصوله للفلسطينيين.
كما أن نفاد الأدوية وانقطاع الكهرباء يعرضان حياة عدد كبير من المرضى بالمستشفيات للخطر. وتفيد الأرقام أن نحو20 ألف أسرة في قطاع غزة تعيش تحت خط الفقر المدقع، وأن نحو 8 آلاف أسرة من هؤلاء تعتبر من أفقر فقراء العالم، كما أن عدد شهداء الحصار ارتفع إلى 258 شهيدا.
ويأتي تنظيم الملتقى العربي الدولي لحق العودة، الذي انعقد بدمشق خلال هذا الشهر وتوج ب "إعلان دمشق العالمي للدفاع عن حق العودة الفلسطيني"، كإحدى المبادرات التضامنية العالمية، التي تتوخى تكريس حق عودة اللاجئين الفلسطينيين باعتباره حقا مشروعا وثابتا للشعب الفلسطيني وإيجاد آليات وبرامج عملية للدفاع عن هذا الحق وحشد الدعم الدولي له.
ويتذكر العالم في هذا اليوم إحدى أسمى صور التضامن العالمي مع الفلسطينيين من خلال ناشطة السلام الأميركية، راشيل كوري، التي دفعت حياتها ثمنا وهي تقف متحدية الجرافات الإسرائيلية سنة 2003.
كما يستحضر العالم رمزية قرار محكمة العدل الدولية بلاهاي، الذي اعتبر جدار الفصل العنصري بالضفة الغربية انتهاكا للقانون الدولي، مما يعد انتصارا للقضية الفلسطينية لدى الرأي العام الدولي وإثباتا لخرق إسرائيل للقوانين الدولية في ظل استمرار الاحتلال والاستيطان وعمليات التهجير ومصادرة الأراضي.
وإذا كان يوم 29 نونبر مناسبة مثلى للتعبير الدولي عن مساندة الشعب الفلسطيني، فإنه يؤرخ أيضا، في الذكرى الستين للنكبة، للجريمة التي ارتكبها الغرب في حق الفلسطينيين تحت غطاء قرار تقسيم فلسطين التاريخية في اليوم نفسه من سنة 1947، مما مهد لتأسيس الكيان الإسرائيلي في المنطقة وأطلق يد العصابات الصهيونية لارتكاب مذابح وجرائم إبادة في حق شعب بأكمله.
وشكل تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة لهذا اليوم العالمي في سنة 1977 اعترافا من غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بمسؤوليتها المباشرة عن تدمير فلسطين عامي1947 - 1948، وعن المحنة المستمرة، التي يعيشها الشعب الفلسطيني في ظل غياب أي حل عادل لقضيته.
وأكد قرار الجمعية العامة لسنة 1977 على أن حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين، غير قابلة للتصرف، خاصة حقه في تقرير مصيره دون أي تدخل خارجي والحق في الاستقلال والسيادة الوطنية وحق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا واقتلعوا منها.
لكن هذا الاعتراف لا ينفي أن الأمم المتحدة قد فشلت في تطبيق قراراتها العديدة، التي تحمي الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني بسبب غياب الإرادة السياسية للدول المهيمنة التي تدعم إسرائيل.
ورغم الدعم، الذي تحظى به القضية الفلسطينية لدى العديد من دول العالم، فإن القضية الفلسطينية ما زالت رهينة لعملية سلام متعثرة، تراوح مكانها منذ اتفاقات أوسلو سنة 1994، مرورا بخارطة طريق تاهت عن الطريق، ووصولا إلى مؤتمر أنابوليس الأخير.
وضدا على كل المعادلات القائمة، باءت جميع محاولات إسرائيل لإلغاء وجود الشعب الفلسطيني وتجاهل حقوقه المشروعة بالفشل. وتمكن هذا الشعب عبر تضحياته الكبيرة وصموده الأسطوري من فرض حضوره على الصعيد العربي والإقليمي والدولي وتعزيز مشروعية نضاله على أرضه ووطنه في صراعه الأبدي للبقاء على الأرض الفلسطينية.
ولعل التحدي الأكبر، الذي يواجه الفلسطينيين في هذه المرحلة هو إعادة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي وتجاوز الانقسام بين الفصائل، والذي لا يخدم بأي شكل من الأشكال مصلحة القضية الفلسطينية.
ويؤكد المتابعون للشأن الفلسطيني أن المصالحة الوطنية هي السبيل الوحيد للحفاظ على الوحدة الفلسطينية جغرافيا وسياسيا وتركيز الجهود على مقاومة الاحتلال بجميع الأشكال لتحقيق المشروع الوطني الفلسطيني.
ويظل خيار السلام، الحل الوحيد، لتمكين شعوب المنطقة، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني، من وضع حد لنزاع طال أمده، بتغليب منطق الحوار، والعودة إلى طاولة المفاوضات، في نطاق الشرعية الدولية، والالتزام بالاتفاقات الموقعة بين الأطراف والتجاوب مع كافة المبادرات البناءة والجهود الخيرة، وفي طليعتها مبادرة السلام العربية.