بعث صاحب الجلالة الملك محمد السادس برقية تعزية إلى أفراد أسرة الراحل الأستاذ محمد الحبيب الفاسي الفهري، الذي وافته المنية أول أمس الاثنين بالرباط.
ولد محمد الحبيب الفاسي الفهري، وهو قاض من الدرجة الممتازة، بمدينة الصويرة يوم 12 يناير 1932. وبدأ الراحل، وهو والد الطيب وعلي الفاسي الفهري، على التوالي، وزير الشؤون الخارجية والتعاون، والمدير العام للمكتب الوطني للكهرباء، مساره المهني بوزارة العدل، حيث عين في يناير 1957 قاضيا بالمحكمة الإقليمية للدارالبيضاء، ثم
نائبا لرئيس هذه المحكمة، في غشت 1960، وفي نونبر 1962 عين وكيلا للملك، وفي سبتمبر 1964، أصبح مديرا لديوان وزارة العدل، ثم كاتبا عاما لهذه الوزارة.
وتولى منصب المحامي العام بالمجلس الأعلى للقضاء في نهاية عام 1971، وظل يشغله
حتى 25 سبتمبر 1976، حين أسند إليه منصب الكاتب العام لوزارة العدل، الذي شغله حتى 31 مارس 1982.
وفي ديسمبر من تلك السنة، عين الراحل سفيرا فوق العادة ومفوضا لجلالة الملك لدى جمهورية اليونان. وعند انتهاء مهمته الدبلوماسية، عاد إلى المغرب، في أبريل 1986، ليعمل في المجلس الأعلى للقضاء رئيسا للغرفة.
وفي 19 يونيو 1990، عين محمد الحبيب الفاسي الفهري سفيرا فوق العادة، ومفوضا لجلالة الملك لدى جمهورية النمسا، وممثلا دائما للمملكة المغربية لدى مكتب الأمم
المتحدة في فيينا، ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو)، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي شغل فيها منصب المحافظ. كما كلف بمتابعة أعمال منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.
وفي يوليوز 1995، ترأس فريق الشخصيات البارزة المكلفة من قبل مؤتمر القمة
السابع لرؤساء الدول بتقييم منظمة المؤتمر الإسلامي، وإعادة هيكلتها، وتحديد أهداف جديدة لها.
وعندما كان الراحل عضوا مؤسسا لودادية قضاة المغرب، أسند إليه، في الفترة من 1961 إلى 1985، منصب مدير المجلة التي تصدر عن هذه الجمعية المهنية.
وألف منشورات عديدة من بينها كتابه المعنون "مسار العدالة المغربية"، الذي صدر باللغة الفرنسية.
ومنح الراحل عدة أوسمة في المغرب والخارج، منها وسام الاستحقاق المدني من الدرجة الاستثنائية، ثم منح وسام العرش من درجة فارس، ثم من درجة ضابط.
كما حصل على الوشاح الرفيع لوسام الفينيق الهليني، من اليونان، والوشاح الرفيع لوسام الاستحقاق لجمهورية النمسا.
وعند تعيين محمد الحبيب الفاسي الفهري، في فبراير 2001، قاضيا في المحكمة الدولية، قال الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي عنان آنذاك، في حق الراحل كلمة إشادة، ورد فيها أن "السيد الفاسي الفهري يستوفي المؤهلات المحددة في المادة 13 من النظام الأساسي للمحكمة الدولية. وأرى، أيضا، أن تعيين السيد الفاسي الفهري سيكون أمرا موفقا،
إذ يكفل التمثيل الكافي في المحكمة للأنظمة القانونية الرئيسية في العالم، كما هو متوخى في المادة 13 مكرر من النظام الأساسي".
ومما جاء في هذه البرقية "فقد علمنا ببالغ التأثر وعميق الأسى، النبأ المحزن لوفاة المشمول بعفو الله ورضاه، فقيدكم العزيز الأستاذ الجليل المرحوم محمد الحبيب الفاسي الفهري، أحسن الله قبوله إلى جواره، مع عباده المنعم عليهم بالجنة والرضوان".
وبهذه المناسبة المحزنة، أعرب جلالة الملك لأرملة الفقيد الفاضلة الحاجة خديجة، ولبناته وأبنائه البررة، الطيب، وعلي، وإسماعيل، وعبد المجيد، وزينب، ونسيبة، ومن خلالهم لجميع أفراد الأسرة الكبيرة ولكافة أهل الفقيد العزيز وذويه وأصدقائه ومحبيه، عن أحر تعازي وأصدق مواساة جلالته في هذا المصاب الأليم، الذي لا راد لقضاء الله فيه، "سائلينه تعالى أن يعوضكم عنه جميل الصبر وحسن العزاء، وأن يجزل عن فقدانه ثوابكم، ويشمل برضاه حياتكم".
واعتبر جلالة الملك أن وفاة الراحل المبرور "لا تعد خسارة لأسرتكم الكريمة فحسب، وإنما لوطنه المغرب أيضا الذي فقد فيه أحد كبار خدام الدولة الأوفياء، الذين ضحوا بالغالي والنفيس، في سبيل توطيد أركان سلطتها القضائية الحديثة على دعائم الحق والعدل، وكذا لإرساء إشعاعها الدولي كدبلوماسي مرموق".
وأكد جلالة الملك أنه "وبنفوس مكلومة، ودعت برحيله أسرة العدل الموقرة هرما من أهرامها، ورائدا من روادها، مارس القضاء باعتباره أمانة ورسالة نبيلة ،وليس مجرد مهنة أو وظيفة .حيث سيظل إسم الفقيد خالدا في ذاكرة جلالتنا، وفي السجل الذهبي للمسار التاريخي للعدالة المغربية"، مضيفا جلالته أن الفقيد "كان قاضيا ألمعيا وطنيا ودوليا، وأستاذا كبيرا ومحترما، يعتبر بالنسبة لأجيال متعاقبة من رجال القضاء والقانون، شخصية حقوقية مرجعية، بثقافته المتضلعة في النوازل المغربية، وتكوينه المتشبع بالقانون المقارن".
كما استحضر جلالة الملك، بكل تقدير، أن الراحل الكبير، رحمه الله، كان من القضاة الأماهد الذين ساهموا في بناء صرح القضاء الوطني العصري ومغربته وتوحيده، والمشهود لهم بالحكمة والحنكة والتجرد ومكارم الأخلاق. متحليا طيلة مساره المهني المشرف، بالكفاءة والنزاهة والمهنية العالية، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصرة الحق، وإعلاء كلمة العدل، وسيادة القانون، وصيانة حرمة القضاء، في وفاء مكين للعرش العلوي المجيد.
وأكد جلالة الملك أن عزاء جلالته في الفقيد الكبير أنه خلف ذرية صالحة أبناء بررة، وأنشاهم تنشئة صالحة، أهلتهم ليكونوا خداما كبارا للدولة، على أعلى المستويات، سائرين على نهجه القويم، في النهوض بالمهام الجسيمة المنوطة بهم، بكل اقتدار وإخلاص، ومسؤولية ونكران ذات، والتزام بروح الوطنية الصادقة، والمواطنة البناءة، في الدفاع عن القضايا العادلة للمواطنين، والمصالح العليا للوطن.
وأضاف جلالة الملك في هذه البرقية "وإذ نشاطركم جميعا أحزانكم في هذا الرزء الفادح، فإننا نضرع إليه سبحانه أن يحفظكم وذويكم من كل مكروه، مؤكدين لكم سابغ عطفنا، وموصول رضانا وسامي رعايتنا ".
كما توجه جلالة الملك إلى العلي القدير بالدعاء بأن يشمل "الفقيد الكبير بواسع رضوانه، وأن يمطر على روحه الطاهرة شآبيب رحمته وغفرانه وأن يجزيه خير الجزاء، وأوفاه عما أسدى لوطنه من جليل الخدمات، وما قدم بين يدي ربه من أعمال مبرورة، وأن يتقبله في زمرة الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا)".
قال محمد معتصم مستشار جلالة الملك, إن الراحل محمد الحبيب الفاسي الفهري, كان "من الرجال القلائل الذين أوكلت لهم بكل كفاءة واقتدار مهمة بناء الصرح القضائي المغربي الحديث".
واعتبر معتصم في شهادة بثتها القناة التلفزية (الأولى) ضمن نشرتها المسائية أمس الثلاثاء, أن الفقيد "رجل اجتمع فيه ما لا يجتمع في غيره فهو دبلوماسي محنك وقاضي نزيه ختم حياته المهنية بالعمل في المحكمة الجنائية الدولية, فكان خير ممثل لبلده واطلع عن جدارة بالأمانة إلى آخر رمق, كما تميز بنكران الذات, وبالتواضع والشجاعة ".
من جهته, اعتبر الأمين العام للحكومة ادريس الضحاك, أن الراحل يعد "واحدا من أعمدة القضاء المغربي , مضيفا أنه "يكفينا شعورا بالاعتزاز والافتخار أن صاحب الجلالة الملك محمد السادس وشحه في الفترات الأخيرة من حياته بأعلى وسام تقديرا لخدماته في الجهاز القضائي".