في الذكرى الأربعينية لرحيله

الحسين برادة يستحضر مسار حياة ونضال عبد الكريم الخطيب

الجمعة 07 نونبر 2008 - 09:48

شهد الحفل التأبيني، الذي نظم أول أمس الأربعاء بالرباط، إحياء للذكرى الأربعينية لوفاة الدكتور عبد الكريم الخطيب..

تدخل العديد من رفاق الراحل، مغاربة وعربا وأفارقة، استحضروا مسار هذه الشخصية، خاصة الجانب النضالي منها من أجل نيل المغرب للاستقلال، وقاربوا أهم فترات حياة هذا الرجل، الذي لم يكن يتوانى عن دعم أي مبادرة تحررية وطنية أو مغاربية أو إفريقية أو عربية لتحقيق حلم الحرية من ربقة الاحتلال الأجنبي. ومنها مداخلات يوسف الخطيب من الجزائر، ومواطنه الحسين آيت أحمد، رئيس جبهة القوى الاشتراكية، وصهر الراحل، الذي قال إن خير وفاء لروح الفقيد، هو بلورة هذه الوحدة، داعيا إلى "فتح الحدود بين المغرب والجزائر وإلغاء العقبات، التي تحول دون تواصل شعوبنا". فضلا عن مداخلات أحمد بن بلة، الرئيس الجزائري الأسبق، ومارسيلينو دوس سانتوس، عضو مجلس الدولة بجمهورية الموزمبيق، ولويس جوزي دو ألميدا، سفير جمهورية أنغولا بالرباط، ووجيه حسن علي قاسم (أبو مروان)، سفير فلسطين سابقا بالرباط، وغيرهم من الشخصيات...

المغربية حصلت على كلمة أحد رفاق الراحل، الحاج حسين برادة، عضو المجلس الوطني المؤقت للمقاومة وجيش التحرير، ندرجها في ما يلي:

بعيون دامعة وقلب مفعم بحرقة الفاجعة، ها أندا أستجمع كل ما بقي لدي من قوة، وقد ضاعت مني من فرط هول المصاب، لأقف راضيا بحكم الله وقضائه، الذي لا راد لقضائه ولا حول ولا قوة إلا به.

نعم يارفيق الكفاح، ها أنذا اليوم أقف متسلحا بذلك الإيمان الصادق، الذي عرفته فيك، وبهدي الدين الحنيف الرضى بالقضاء والقدر خيرهما وشرهما، مستمدا العون والقدرة من الله تعالى للإسهام بقدر ما أستطيع، بكلمة، وسط هذا الحفل المهيب، وإن كانت الكلمات مهما أسهبت، لن تحيط بذرة مما عجت به سيرة حياتك المثلى وقيمك الإنسانية وروحك الوطنية العالية وجهاد الأبطال الغر الميامين، الذي خضته في سبيل انعتاق الوطن واسترجاع كرامته ورمز سيادته، بطل التحرير الملك المغوار سيدي محمد بن يوسف إلى عرشه، محفوفا بولي عهده آنذاك الملك المنعم الحسن الثاني، وكل أفراد الأسرة الملكية الشريفة.

لن أنساك ولن ينساك كل الذين عرفوك عن قرب بل لن ينساك من جايلوك أو سمعوك أو قرأوا عنك، فقد دخلت تاريخ بلادك من أوسع أبوابه، وإذا كان من سنن الله في خلقه، أن جعل لكل أجل كتاب، فأنت اليوم وأتت تخلد في دار البقاء وتلتحق بالرفيق الأعلى، إنما تغيب عن العيون بينما تظل عالقا بالقلوب والوجدان، خالدا في العقول والأذهان، فهنيئا لك أيها المؤمن الصادق، فقد اختارك الله إلى جواره، بعدما اختارك لتكون من أولئك المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه...

لقد قيض الله لي المعرفة الحقة المباشرة والطويلة الأمد بفقيدنا العزيز، فورعودته من فرنسا سنة 1951 إلى بلاده، حاملا شهادة الدكتوراه في الطب، فكان أول طبيب جراح يفتح عيادته بطريق مديونة، كراج علال بالدارالبيضاء، وكان لي شرف الحملة الإخبارية التي قمت بها رفقة عدد من مناضلي حزب الاستقلال للتعريف به كطبيب وطني يبسط يديه لخدمة مواطنيه بصفة عامة، والقضية الوطنية بصفة خاصة، بعدما التحق بحركة المقاومة السرية بواسطة الأخوين الراحلين عبد السلام بناني وحريشي حسن العرائشي.

وعلى إثر حادث مطبعة الأطلس، التي أدت إلى استشهاد أول عضو بالمنظمة السرية الراحل حسن الصغير، وتورط كل من الأخوين سليمان رضى العرائشي ومحمد الداحوس، اللذين خاضا معركة مع رجال الشرطة الفرنسيين، أدت إلى إصابتهم إصابات بليغة، وفرار كل من سليمان والداحوس سالمين، مما دعا قوات الحماية إلى نشر مذكرة بحث في حقهما، نشرتها عدد من الصحف، مع الإشارة إلى علامة في ذقن الداحوس عيرته بها صحافة المعمرين، وهنا سيجري الاتصال مباشرة ما بين الشهيد محمد الزرقطوني والفقيد الدكتور عبدالكريم الخطيب، وجرى الاتفاق على إخضاع الأخ الداحوس لعملية جراحية لإزالة العلامة، أداها الفقيد بنجاح، حيث تغيرت ملامح الأخ الداحوس، وجعلت التعرف عليه من الصعوبة بمكان، ومنذ ذلك، والدكتور الخطيب وطيد الصلة بالتنظيم السري وبنواته الصلبة، إذ زود المجموعة بمسدس وبمبلغ من المال، واستمر كفاعل في مسيرة المقاومة السرية إلى أن بدأت تحوم حوله الشبهات وأصبح محل مراقبة من قبل المخبرين، مما دعا مسؤولي التنظيم إلى ضرورة إبعاده عن العيون المتربصة به، فاتفق مع الشهيد محمد الزرقطوني على الرحيل إلى فرنسا ليتكلف بربط الاتصال بالعمال المغاربة المقيمين بها، والذين كانوا من أهم مزودي الحركة بالمال والسلاح، وقد استطاع في ظرف وجيز الانخراط في العمل، وأدى مهامه على أكمل وجه إلى أن وقع عليه الإجماع بالدخول إلى تطوان ليتولى مهمة المسؤولية على اللاجئين وربط الصلة بسلطات الانتداب الإسبانية هناك خلفا للراحل أحمد زياد.

ولدى حلول الفقيد بتطوان، التفت حوله قيادة جيش التحرير، فانخرط بهمة واقتدار في التحضير اللوجستيكي والتخطيط للانطلاقة المباركة لعمليات هذا الجيش، الذي انضم إليه كل أبناء قبائل الريف الأشاوس، بحماس منقطع النظير، وأبانوا عن روح وطنية وقتالية سارت بذكرها الركبان، وغير خاف على جيل الحقبة والدارسين المطلعين على وقائعها ما حققه هذا الجيش من انتصارات على الوجود الاستعماري، وصدى عملياته التي أقضت مضجع ثكناته وجيوشه، مما أدى إلى أزمة سياسية عسكرية بالعاصمة الفرنسية لم يجد إثرها أصحاب القرار هناك بدا من الخضوع لإرادة هذا الجيش المنحصرة في الجلوس إلى مائدة المفاوضات مع الملك الشرعي للبلاد محمد بن يوسف طيب الله ثراه.

إنني أحمد الله تعالى على تلك الأقدار، التي شاء سبحانه أن تجمعني بالراحل الأعز، الذي لم يكن متحزبا، ولكنه كان على صلة بكل الأحزاب الوطنية آنذاك، ودودا ومتفهما ومحترما للرأي الآخر، فنال ثقة الجميع وارتاح لعشرته ولقياه الجميع، طبعت خصاله وسجاياه بالمرجعية الدينية الإسلامية السمحة، وسيرة خير البرية محمد عليه أفضل الصلوات، وكان تعلقه بملكه سيدي محمد بن يوسف وبالعرش العلوي والأسرة الملكية متينا، مستعدا لافتدائه بكل غال ونفيس لديه، وكان رحمه الله يجهر بالحق حقا وبالباطل باطلا لا يخاف في الله لومة لائم، كما كان سخيا وزاهدا ورعا عفيفا وسيد نفسه، ينضاف إلى كل هذا وذاك روح الدعابة وطبعه المرح اللذان كان يبعثان في الإنسان أحاسيس الارتياح بالجلوس في حضرته والتحادث معه والإنصات إليه وإلى حفرياته في الماضي القريب والبعيد، لما كان يتمتع به من ذاكرة قوية ومتميزة، كانت تستحضر كل معاركه وتجاربه وما عاشه وعايشه، واطلع عليه بواسع علمه وإدراكه، فيستعرضه ويشدك إليها وكأنها بنت اللحظة.

فاللهم انثر شآبيب الرحمة على هذه الروح الطاهرة، واجعل مقامها مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وارزق زوجته الفاضلة المجاهدة للامفتاحة وأنجاله البررة الكرام، جميل الصبر والسلوان، إنا لله وإنا اليه راجعون.




تابعونا على فيسبوك