المسيرة الخضراء

روح التحرير المتجددة

الخميس 06 نونبر 2008 - 07:28

تأتي مناسبة المسيرة الخضراء، في ذكراها الثالثة والثلاثين، معززة بالاختراق الدبلوماسي والسياسي، الذي سجله المغرب بفضل مقترح الحكم الذاتي لأقاليمه الصحراوية، وما حظي به من دعم وتنويه دولي.

كانت آخر محطاته مصادقة اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار يزكي المشروع المغربي، كمدخل لتسوية سياسية متوافق بشأنها، تنهي نزاعا مفتعلا دام طويلا، بعد أن وصلت كل المقاربات السابقة للتسوية إلى الباب المسدود.

وكان جلالة الملك محمد السادس جدد، في السنة الماضية، تأكيد حسن نوايا المغرب من أجل التوصل إلى حل سياسي متوافق بشأنه، كفيل بإنهاء نزاع مفتعل، سعى أصحابه إلى معاكسة حق المغرب في استكمال وحدته الترابية، بما أثر سلبا على العمل المغاربي المشترك، ورهن طاقة بلدان المنطقة في التعاون والتكتل أمام التحديات المشتركة.

إنها رسالة مغربية متجددة وواضحة، إلى من يهمهم الأمر، من أجل الارتقاء إلى مستوى المسؤولية، والتحلي بالحكمة السياسية والشجاعة الأدبية، أمام شعوب المنطقة المغاربية. من هذه الزاوية ربط الخطاب الملكي بين تسوية قضية الصحراء والعمل المغاربي المشترك، بالتأكيد على أن المغرب لن يدخر أي جهد لإنجاح المفاوضات حول مقترح الحكم الذاتي، سعيا إلى تفعيل الاتحاد المغاربي، وتسخير طاقات شعوبه لتحقيق التنمية، ورفع التحديات الحقيقية لشعوب المنطقة في مجالات التنمية والأمن، على المستوى الجهوي والدولي، في إطار الوئام والتضامن والاندماج.

وبعد أزيد من ثلاثة عقود، تبدو المسيرة الخضراء بمثابة علامة فارقة في التاريخ السياسي الحديث للمغرب، ونقطة تحول نوعي في العمل الوطني، من زاوية استكمال الوحدة الترابية، وفي الوقت نفسه، فتح ورش البناء الديمقراطي، وبناء دولة الحق والقانون وتحقيق التنمية.

فأمام وعي الأطراف بأولوية المسألة الوطنية، تأتّى الخروج من منطق الإقصاء والصراع، الذي طبع عقد الستينات والسبعينات، في أفق التوافق السياسي، الذي تجسد في مطلع التسعينات، ببداية انفراج فعلي على طريق اعتماد الخيار الديمقراطي.

بذلك كان تنظيم المسيرة الخضراء، التي أبدعها جلالة الملك الراحل الحسن الثاني إلى الأقاليم الجنوبية من أجل استكمال الوحدة الترابية، محطة بارزة في تاريخ المغرب المستقل، وفي تلك الفترة بالذات تبلور مصطلح "المغرب الجديد" على مستوى الوضع الداخلي، بالتوجه نحو تذويب الخلافات، واحتواء الصراع، وكذا على المستوى الخارجي، إذ كانت للمسيرة الخضراء أصداء عالمية واسعة، فضلا عن فضح أطماع ومناورات خصوم الوحدة الترابية للمغرب من قبل جيرانه في الشرق والشمال.

ومنذ البداية، حدد المغرب خيارا سلميا لاسترجاع أقاليمه الجنوبية واستكمال وحدته الترابية، تجسد في المسيرة الخضراء.

وفي الميدان، واجه المغرب بصلابة، داخل حدوده، حربا فرضت عليه في نزاع مفتعل، على خلفية جبهة داخلية قوية ومتماسكة، انطلاقا من الإيمان بعدالة القضية، والحق المشروع في استكمال الوحدة الترابية، وصيانة السيادة. كما ترك المغرب دائما باب الحوار مفتوحا، وتجاوب مع المساعي الحميدة، أملا في اقتناع الخصوم وعودتهم إلى الصواب، بينما حددت أطروحة الانفصال هدفها في معاكسة المغرب، والسعي إلى إضعافه، وهذا ما يفسر استمرار النزاع المفتعل في المنطقة، وما ترتب عنه من ممارسات كانت وراء تعطيل انطلاق المشروع المغاربي. ووصلت الأطروحة نفسها إلى قدم الجدار والطريق المسدود، بعد أن كسب المغرب المعركة عسكريا في الميدان، وانفضحت سياسيا أمام الرغبة المعلنة للمغرب في السلام، من خلال حل سياسي، ينهي النزاع المفتعل أصلا، من دون المس بوحدته الترابية، وبسيادته على أقاليمه الصحراوية.

على هذه الخلفية، ومن منطلق التمسك بالحق والقانون، مع اعتماد أكبر قدر ممكن من المرونة، يحرص المغرب، الآن، وهو يواصل مسيرة الوحدة، والديمقراطية، والتنمية، والمصالحة، على منح الخصوم فرصة تاريخية لتصفية النزاع، من خلال الحل السياسي، المتمثل في مقترح الحكم الذاتي، بعيدا عن منطق الغالب والمغلوب، بما يفتح آفاقا جديدة للتعاون والتكامل الاقتصادي، ضمن سياسة حسن الجوار، وتنمية المصالح المشتركة.




تابعونا على فيسبوك