اطلع صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أمس الأربعاء، بالقصر الملكي بمراكش، على مشاريع تهم التطهير السائل ومعالجة المياه العادمة وإعادة استعمالها بإنجاز بناء محطة للمعالجة، بغلاف مالي إجمالي يبلغ مليارا و760 مليون درهم، فيما أعطى جلالته، في اليوم نفسه، بالجم
وستمكن محطة معالجة المياه العادمة من تجاوز مجموع الإكراهات، التي تتمثل في غياب مخطط لمعالجة هذه المياه بالمدينة، حيث يجري قذف مجموع سوائل الصرف الصحي المنزلية والصناعية، والمقدر حجمها بحوالي 90 ألف متر مكعب يوميا، بثلاث نقط سوداء على مستوى طريق الدارالبيضاء، وطريق آسفي، وشمال وادي تانسيفت.
وينجم عن هذه الوضعية غير السليمة تلوث الوسط الطبيعي، خاصة الفرشة المائية، بالإضافة إلى وقعها السلبي على الجانب الصحي والبيئي.
واعتبارا للتطور غير المسبوق، الذي تشهده مدينة مراكش على المستوى العمراني والسياحي والاقتصادي، شهد الطلب على الماء تزايدا كبيرا، مع العلم أن موارد هذه المادة الحيوية جد محدودة.
لذلك، وبناء على هذه الحالة الطارئة، والرهانات البالغة الأهمية الناتجة عنها، أصبحت معالجة المياه العادمة ضرورة لا مناص منها.
ومن أجل حل هذه الإشكالية، وتفادي مضاعفاتها، قامت الوكالة المستقلة لتوزيع الماء والكهرباء بمراكش، بإنجاز الدراسات المعمقة حتى تتمكن من المساهمة في تحقيق التوازن بين متطلبات التطور الذي تشهده المدينة، وحماية البيئة، والموارد المائية، وبالأساس تحسين الظروف الصحية، وحماية سكان المدينة من الأمراض المائية.
وأسفرت هذه الدراسات، عن تبني مشروع إنشاء محطة لمعالجة المياه العادمة بالحمأ المنشط، قبل قذفها بالوسط الطبيعي، يصل متوسط صبيبها إلى حوالي 1050 لترا في الثانية، جرى إنشاؤها على مساحة 17 هكتارا، على يسار الطريق المؤدي إلى مدينة آسفي بجانب وادي تانسيفت.
وستمكن هذه المحطة من معالجة التلوث الناتج عما يعادل مليونا و300 ألف نسمة، وأنجزت الأشغال المتعلقة بالمرحلة الأولى من المشروع، والخاصة بالمعالجة الأولية، في يونيو 2006، وجرى تشغيل شطرها الأول خلال أكتوبر 2008.
أما بخصوص المرحلة الثانية، التي ستمكن من معالجة وتصفية المياه العادمة بنسبة 95 في المائة، والخاصة بالمعالجة الثانوية والثلاثية، فقد انطلقت أشغالها بداية من نونبر 2008، وستكون جاهزة خلال سنة 2010.
ومن خصوصيات هذه المحطة، توفرها على وحدات لإنتاج البيوغاز واستغلاله لتغطية كافة متطلبات الطاقة الكهربائية في المرحلة الأولى من عمل المحطة.
وبالموازاة مع هذه الأشغال، أعدت الوكالة الدراسات التنفيذية لإنجاز شبكة لتوزيع المياه المعالجة، يقدر طولها بحوالي 52 كيلومترا.
وهكذا فإن هذا المشروع البيئي المندمج، الذي يندرج في إطار السياسة الوطنية الحكيمة للتدبير التكاملي للموارد المائية، سيمكن من وقاية الوسط الطبيعي، وتحسين الظروف الصحية، وتوفير حوالي 33 مليون متر مكعب من المياه المعالجة والخاضعة للمواصفات والمعايير الأكثر دقة في ما يتعلق بسقي المساحات الخضراء.
يذكر أنه منذ سنة 1998، تاريخ تفويت تدبير قطاع التطهير السائل إلى الوكالة، أولت هذه الأخيرة عناية خاصة لتأهيل هذا القطاع، ورصدت الإمكانات اللازمة لهذا الغرض.
وفي هذا الصدد، قامت الوكالة بإنجاز البرنامج الاستعجالي لتقوية الشبكة واستصلاحها، بتكلفة إجمالية بلغت 750 مليون درهم، ويشمل إضافة إلى المعالجة الأولية للمياه العادمة، وضع 35 كيلومترا من القنوات الرئيسية، واستصلاح 80 كيلومترا من الشبكة، منها 55 كيلومترا بالمدينة العتيقة، وكذا اقتناء وسائل الاستغلال.
وتبلغ التكلفة المالية لهذا المشروع بجميع مكوناته، حوالي مليار و76 مليون درهم، دون احتساب تحملات الاستغلال البالغة 36 مليون درهم سنويا.
وكلفت الدراسات المتعلقة بالمشروع لوحدها 18 مليون درهم، والمعالجة الأولية 168 مليون درهم، والمعالجة الثانوية 560 مليون درهم، والثلاثية 90 مليون درهم، وشبكة توزيع وإعادة استعمال المياه المعالجة 240 مليون درهم.
وجرى تمويل الشطر الأول الخاص بالمعالجة الأولية، والبالغة تكلفته 168 مليون درهم مناصفة بين الوكالة والبنك الأوروبي للاستثمار. وسيجري تمويل الشطر الثاني الخاص بالمعالجة الثانوية والثلاثية، وكذا شبكة توزيع المياه المعالجة في إطار شراكة بين الوكالة (428 مليون درهم)، والدولة (150 مليون درهم)، والمستفيدين (330 مليون درهم).
وجرى تقديم هذا البرنامج بحضور زليخة نصري، مستشارة صاحب الجلالة، وشكيب بنموسى، وزير الداخلية، وعبد الكبير زهود، كاتب الدولة المكلف بالماء، ووالي جهة مراكش تانسيفت الحوز، ورئيس مجلس الجهة، ورئيس الجماعة الحضرية، ورئيس المجلس الإقليمي، ومدير المصالح والوكالات ذات الامتياز بوزارة الداخلية، ومدير الماء والبيئة بالوزارة نفسها، والمدير العام للوكالة المستقلة لتوزيع الماء والكهرباء.
وفي اليوم نفسه، أعطى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بالجماعة القروية أسيف المال (إقليم شيشاوة)، انطلاقة أشغال بناء سد "تاسكورت" على وادي "أسيف المال"، أحد روافد وادي تناسيفت، الذي رصدت له اعتمادات بلغت 700 مليون درهم.
وقدمت لجلالة الملك شروحات حول هذه المنشأة، التي ستمكن عند انتهاء الأشغال بها، من سقي خمسة آلاف هكتار من الدوائر الفلاحية لأسيف المال ومجاط.
ويستهدف هذا السد، الذي ستستمر الأشغال به 42 شهرا، واحدة من أفقر المناطق على الصعيد الوطني، التي تشكو خصاصا كبيرا في البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية، ومنها على الخصوص المنشآت المائية، خاصة وأن أغلبية سكانها يشتغلون بالفلاحة.
وهكذا ستمكن المياه المعبأة والمخزنة في السد خلال الفترات المطيرة من تدعيم الري وإنعاش المدارات السقوية الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى تحسين وضمان خدمات الماء الشروب.
كما أن هذا المشروع، الذي يجري تمويله من الميزانية العامة للدولة، بدعم من الصندوق السعودي للتنمية ومنظمة الدول المصدرة للنفط، يتماشى مع روح المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومع توصيات المخطط المديري للتهيئة المندمجة للموارد المائية لحوض تانسيفت. وسيوفر السد حماية أفضل للسكان وممتلكاتهم تجاه مخاطر الفيضانات، التي قد تنتج عن الحمولات القوية أثناء مراحل التساقطات المطرية القوية.
وعلاوة على تلبية الحاجيات الفلاحية من الماء، فإن سد "تاسكورت" سيمكن، بفضل حقينته، التي تبلغ 25 مليون متر مكعب، من دعم تزويد مدينة شيشاوة، وكذا المراكز والدواوير المجاورة، بالماء الشروب، علما أن الانعكاسات السلبية للمشروع على البيئة تبقى جد محدودة.
أما في ما يتعلق بالمواصفات التقنية للسد، فهو من نوع الخرسانة المدكوكة، ويبلغ علوه الأقصى 75 مترا، وطول قمته 415 مترا، وسيتطلب إنجازه وضع 415 ألف متر مكعب من الخرسانة.
وطيلة مدة إنجاز السد، سيجري تحويل مجرى الوادي عبر ممرين من الخرسانة في الضفة اليسرى، كما ستضم منشآت التحويل حاجزين ترابيين، أحدهما بالعالية والآخر بالسافلة، وسيمكن هذا التحويل المؤقت من حماية الأشغال بقعر الوادي من حمولات الورش.
وسيضم السد مفرغا للحمولات، يتكون من عتبة تتوسط المنشأة بعرض 86 مترا، يتناقص ليصل إلى 70 مترا بالسافلة ، يمكن من إفراغ 1540 مترا مكعبا في الثانية، كما سيجري إنجاز مفرغ آخر للقعر فوق الأساس بالضفة اليمنى للسد يتكون من ممر يبلغ عرضه مترين وعلوه 3 أمتار وطوله 35 مترا، إضافة إلى ممر جانبي بقطر 500 ملم، وسيمكن هذا المفرغ من تمرير صبيب يبلغ 97 مترا مكعبا في الثانية عند المستوى العادي للحقينة.
كما يضم السد مأخذا للماء الفلاحي على شكل قناة يبلغ طولها 1000 ملم سيستفيد بحكم قربه من مفرغ القعر، من عدم ترسب المواد الصلبة، ومأخذا ثانيا للماء الشروب، يتكون من ثلاث قنوات فولاذية، يبلغ قطرها 800 ملم، سيجري تثبيتها عند مختلف مستويات الواجهة العلوية للسد.
وقدمت لجلالة الملك بالمناسبة، شروحات حول برنامج تزويد السكان الحضريين والقرويين بالماء الشروب، انطلاقا من سد تاسكورت، بكلفة 470 مليون درهم. ويتضمن هذا البرنامج، الذي يشرف عليه المكتب الوطني للماء الشروب، بناء محطة للمعالجة ومد قناة رئيسية، بكلفة 300 مليون درهم، وإنجاز منشآت لتعميم التزويد بالماء الشروب، بكلفة 170 مليون درهم .
كما استمع جلالة الملك إلى شروحات حول برنامج تثمين الموارد المائية والتربة من خلال محاربة الانجراف بعالية سد تاسكورت، وكذا برنامج تهيئة الحوض المائي لسافلة السد وذلك بغلاف مالي يصل إلى 18.4 مليون درهم.
ويسعى هذا المشروع إلى محاربة الانجراف والتقليص من وتيرة تراكم الترسبات بالسد، وإعادة الاعتبار للأنظمة الإيكولوجية الغابوية.
وتطلب مشروع الإعداد الهيدروفلاحي للدائرة السقوية أسيف المال غلافا ماليا بقيمة 118 مليون درهم، مما سيتيح رفع المساحة المسقية من 490 هكتارا إلى 3600 هكتار، وتثمين المياه المنتظمة بواسطة السد، التي تبلغ 18 مليار متر مكعب في السنة، وتكثيف الإنتاج النباتي المتمركز حول الأشجار المثمرة، وكذا تكثيف الإنتاج الحيواني.
يذكر أن إقليم شيشاوة يمتد على مساحة 6872 كلم مربعا، ويعد من أكبر أقاليم جهة مراكش تانسيفت الحوز، ويتميز بمناخ قاري شبه صحراوي، يتسم بقلة التساقطات المطرية وعدم انتظامها، وينتج عن ذلك خصاص حاد في الموارد المائية، ما يؤثر سلبا على النشاط الفلاحي والتنمية الاقتصادية بالمنطقة، وعلى عملية تزويد بعض التجمعات السكنية بالماء الشروب، خصوصا خلال فترات الجفاف.
ويقدرعدد سكان الإقليم بـ 350 ألف نسمة، 90 في المائة منهم بالعالم القروي، يمارس غالبيتهم النشاط الفلاحي، وسيساهم هذا السد بشكل كبير في تحقيق تنمية مستدامة بالمنطقة.
وتعكس مساهمة مانحين أجانب في تمويل هذه المنشأة المائية المهمة، الانخراط الفعلي، والعناية الخاصة التي توليها هذه الجهات لدعم سياسة بناء السدود، التي ينهجها المغرب، والتي أثبتت نجاعتها وفاعليتها بالنظر إلى النتائج التي أثمرتها هذه السياسة، وإلى المكتسبات والإيجابيات التي حققها المغرب في هذا المجال.
وكان جلالة الملك استعرض لدى وصوله، تشكيلة من الحرس الملكي أدت التحية، قبل أن يتقدم للسلام على جلالته، شكيب بنموسى، وزير الداخلية، وعزيز أخنوش، وزير الفلاحة والصيد البحري، وعبد الكبير زهود، كاتب الدولة المكلف بالماء، ووالي جهة مراكش تانسيفت الحوز، ورئيس مجلس الجهة، ورئيس المجلس الإقليمي، والمدير العام للمكتب الوطني للماء الشروب، والهيئة القضائية، وممثلو السلطات المحلية، وشخصيات أخرى.