أجمع المتدخلون في ندوة حول "الطبقة المتوسطة في المغرب" على أن النهوض بهذه الفئة من المجتمع يتطلب الارتكاز على رهانات حيوية، مثل التعليم، والصحة، والسكن، ما يحتم على المسؤولين في هذه القطاعات اتخاذ تدابير جدية، وإصلاحات تمكن من جعل هذه الطبقة تحظى بالمكانة
وكانت الندوة، التي نظمها كل من معهد "أماديوس"، ونادي "مشاريع"، أول أمس الأربعاء، بالدار البيضاء، مناسبة للمشاركين لتحديد مفهوم الطبقة المتوسطة، وطرح الحلول الملائمة لإخراجها إلى دائرة الضوء، باعتبارها فاعلا اجتماعيا، واقتصاديا، يتعين الحفاظ على وضعه كرافعة للتنمية.
وتطرق المتدخلون إلى ماهية السياسات الاقتصادية، والاجتماعية، والمالية، التي يجب اعتمادها لتمكين الطبقة المتوسطة من البروز أكثر، وضمان استمراريتها، انطلاقا من التوجهات السامية، التي تضمنها خطاب جلالة الملك بمناسبة عيد العرش، يوم 31 يوليوز الماضي، حين أكد "الإرادة الراسخة في أن يكون الهدف الاستراتيجي لكافة السياسات العمومية، هو توسيع الطبقة الوسطى، وجعلها مرتكز المجتمع المتوازن، المنفتح، والمتضامن بين فئاته الميسورة، والمستثمر في المجهود الوطني الجماعي، للنهوض بأوضاع الفئات المعوزة، وتمكينها من أسباب المواطنة الكريمة".
وفي هذا الإطار، ذكرت ياسمينة بادو، وزيرة الصحة، بمجهودات الحكومة في وضع عدد من الآليات للنهوض بهذه الفئة، سواء عبر الحوار الاجتماعي، الذي جعل الدولة تخصص 16 مليار درهم لتحسين الأجور، والحفاظ على القدرة الشرائية للطبقة الوسطى، أو عبر إصلاح صندوق المقاصة، بتخصيص 29 مليار درهم لدعم المواد الأساسية، أو بتخصيص 450 مليون درهم للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، في الشطر المتعلق بتمدرس الأطفال. فيما عرفت ميزانية القطاع الصحي، حسب الوزيرة، زيادة 20.3 في المائة، لتحسين مؤشر الصحة، في أفق وضع مخطط يسمح بضمان مجانية التطبيب بكل المستشفيات، وتوسيع التغطية الصحية، والتكلف بنفقات العلاج بالنسبة للأمراض المزمنة، "كإجراء من شأنه تجنيب الانحراف نحو الفقر".
من جانب الفاعلين الحزبيين، يرى عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، أن "مفهوم الطبقة الوسطى أصبح، اليوم، مختلفا عن الأمس، بحكم اختلاف وتطور الاستهلاك، والمعيشة، والظروف الصحية والتعليمية"، مشيرا إلى أن "أسرة من الطبقة الوسطى، التي كان رب بيتها معلما قبل 30 أو 40 سنة، كانت تتوفر على إمكانيات الحصول على بيت، وسيارة، والعيش في ظروف مقبولة، الشيء الذي لم يعد مستساغا اليوم، بمدخول شهري يراوح 5000 درهم. وأصبح من ينتمي إلى الطبقة المتوسطة الحديثة هو الموظف الذي يتقاضى دخلا في حدود 20 ألف درهم، بينما يعيش صاحب 10 آلاف درهم بصعوبة بالغة، كون هذه الفئة تبحث عن ثقافة تمكنها من العيش بطرق مقبولة، حتى يمكن أن تسمح لنفسها باهتمامات المشاركة برأيها في الحياة السياسية أو الجمعوية".
واعتبر بنكيران أنه، للمحافظة على استقرار واستمرارية الطبقة الوسطى، "يجب توجيه ثلاث مساعدات رئيسية، أولها السكن، كمعضلة رئيسية تحتاج إلى تدابير وقائية من انتشار سياسة التسبيق غير المعلن عنه، وهو ما يعرف بـ(النوار)، ثم الاهتمام بالتعليم وإصلاحه جذريا، حتى لا تهرب منه الطبقة الوسطى لإلحاق أبنائها بالتعليم الخصوصي. وأخيرا، الصحة، التي تعتبر تكاليفها مستنزفا حقيقيا لميزانية الأسر"، مشيرا إلى أن الفيضانات الأخيرة، في بعض المدن، أظهرت العجز الحاصل في القطاع.
من جهته، تحدث امحند لعنصر، الأمين العام للحركة الشعبية، عن رهانات الطبقة الوسطى، وكيفية تحسين مستوى عيشها،" لتكون، بالفعل، رافعة أساسية للتنمية، قادرة على خلق نوع من التوازن المجتمعي، خصوصا وأن الدولة باشرت الكثير من الإصلاحات الاقتصادية، والاجتماعية، التي ساهمت، وستساهم على المستوى البعيد، في تقليص الهوة الاجتماعية بين فئات المجتمع، ابتداء من الاهتمام بوضعية الفلاح، مرورا بالمرأة والمتقاعد"، داعيا إلى "التحلي بالشجاعة في إعادة النظر في قيم العدالة الاجتماعية والمساواة".
ولا يشكل المغرب استثناء في العالم العربي على مستوى الطبقة الوسطى، فباستثناء تونس، حيث تمثل هذه الطبقة نسبة 80 في المائة من مجموع السكان، بفضل عدة توجهات اتخذتها الحكومة التونسية، منذ الاستقلال، في سبيل الإبقاء على التوازن المجتمعي، واعتمادها مبادئ التضامن والتسامح والانفتاح على الآخر، فإن عددا من الدول العربية ما زالت تحتاج إلى تطوير سياساتها الاقتصادية، والاجتماعية، وإلى تدخل الدولة في قطاعات أساسية، للتمكن من الحديث عن طبقة وسطى أصبحت المجتمعات الحديثة في حاجة إليها.