ترأس أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مرفوقا بصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، أمس الخميس بالقصر الملكي بالدارالبيضاء، درسا دينيا جديدا من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية.
وألقى درس أمس، بين يدي أمير المؤمنين، الأستاذ إدريس بن الضاوية، رئيس المجلس العلمي المحلي بالعرائش، وتناول فيه بالدرس والتحليل موضوع "الخصوصيات الدينية في ممارسة المغاربة"، انطلاقا من الحديث النبوي الشريف، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية "، الحديث رواه مسلم.
وقسم المحاضر درسه إلى ثلاثة محاور، تتمثل في الحديث النبوي الشريف إسنادا ومتنا، وثوابت الأمة، وأهم الخصوصيات المتفرعة عن ذلك.
وأوضح الأستاذ إدريس بن الضاوية أن الخارجين عن الطاعة ثلاثة أقسام، هم الخارج عن الطاعة بالمعنى العام أي عن الدولة، والذي يقاتل تعصبا لقومه أو أهل بلده، والخوارج عن الأمة لغرض الأموال أو الرئاسة أو الخارجون عن السنة، والذين تعتبر ميتتهم ميتة جاهلية.
وبخصوص معنى الجماعة، أشار إلى أن أهل العلم اختلفوا في ذلك، فمنهم من رأى أن الجماعة هما أبو بكر وعمر، ومنهم من رأى أنها ما كانت عليه جماعة المدينة ، ومنهم من رأى أنها ما كانت عليه جماعة الصلاة وغيرها من الآراء.
وأضاف أن أغلبية العلماء ترى أن الجماعة تعني السواد الأعظم الذين لهم طاعة، أي أغلبية مجتمعة على نظام سياسي واحد في أي زمان ومكان، مؤكدا أن المغاربة مجمعون على بيعة أمير المؤمنين، فيصدق عليهم بالتالي مصطلح الجماعة، كما ورد في الحديث النبوي الشريف، ومن خالفهم في ذلك ينطبق عليه الوعيد الذي تضمنه، أي ميتة الجاهلية.
وانتقل المحاضر للحديث عن خمسة ثوابت وطنية اجتمع عليها المغاربة يتمثل أولها في وحدة الأمة على المذهب السني وهو "نعمة كبرى ومنة عظمى"، معتبرا كل من يخرق هذا الإجماع خارجا على الجماعة.
وأضاف أنه يجب صيانة الوحدة على هذا المذهب بكل الوسائل، مشيرا إلى أن أهل المذاهب الأخرى يوقرون التزام المغاربة بمذهبهم ويقرون بفضله في الاستقرار الذي يعرفونه والخير الذي أسداه لهم، لا سيما أن المغاربة محبون لأهل البيت النبوي الشريف.
ويتمثل الثابت الثاني في وحدة الأمة تحت إمارة المؤمنين، الحامية للملة والدين، والضامنة لأمن المغاربة واستقرارهم، وإنصاف المظلومين، ووضع الحقوق في مواضعها، مؤكدا أن الشرع نهى عن الخروج عنها صونا للأضرار ودرءا لها.
وينص الثابت الثالث على وحدة الأمة في العقيدة الأشعرية التي توارثها المغاربة منذ القرن الرابع الهجري لتميزها بالوسطية، وضمنت وحدة المغاربة في الاعتقاد والرؤية والشفاعة وإمارة المؤمنين وعذاب القبر وغيرها، فيما يتمثل الثابت الرابع في وحدة الأمة على المذهب المالكي، باعتباره مظهرا من مظاهر تدين المغاربة وملائما لطبيعة أهل المغرب.
أما الثابت الخامس، يضيف المحاضر ، فيتمثل في التصوف السني الذي يخدم مقاصد الشريعة، والذي أقبل عليه المغاربة إقبالا واسعا لتنقية النفس وتطهيرها من الشرور جميعها.
أما في ما يتعلق بالخصوصيات التي تميز هذه الثوابت لدى المغاربة، أوضح الأستاذ بن الضاوية أن منها ما يتعلق بقراءة القرآن الكريم، إذ يعتمد المغاربة قراءة ورش المغربي الأصل باعتبارها أوثق رواية نافع ومتطابقة مع رواية مالك، ومنها التزام المغاربة بوقف محمد الهبطي، الذي وحد أداءهم لهذه الرواية المختارة، ومنها ما توارثه المغاربة من قراءة الحزب منذ العصر وأضاف الأستاذ إدريس بن الضاوية أن من أبرز هذه الخصوصيات أيضا اعتبار العلماء أمير المؤمنين حامي الملة وصائن الدين والقائم بسياسة المسلمين، وتجديد البيعة لأمير المؤمنين كل سنة، وهو أمر "لا يعلم له نظير في مجموع أمصار العالم الإسلامي"، وتواصي العلماء بالدعاء لأمير المؤمنين على المنابر وبعد الصلوات.
ومن الخصوصيات التي لها علاقة بالعقيدة الأشعرية، ذكر المحاضر الالتزام بالوسطية والاعتدال في الاعتقاد من قبيل عدم الطعن في أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام أو تكفير أحد من المسلمين.
وذكر أيضا بالنسبة للخصوصيات التي لها علاقة بالمذهب، انفراد المغاربة بسمات ميزتهم في تدينهم في أمور لها علاقة بالصلاة كاعتماد الترجيع الصريح في الآذان دون تطريب مبالغ فيه مصداقا لعمل أهل المدينة، وعدم قراءة (بسم الله الرحمان الرحيم) في الصلاة باعتبار أنها ليست آية من الفاتحة ولأن ترك قراءتها هو العمل المتواتر في المدينة ولدى أصحاب رسول الله عليه السلام.
وأضاف أن من بين هذه الخصوصيات أيضا، السدل في الصلاة أي إطلاق اليدين إلا في النوافل إذا طال القيام، والخروج من الصلاة بتسليمة واحدة إلى اليمين لما فيه من التخفيف واليسر وضمان متابعة الإمام، والذكر والدعاء جماعة عقب الصلوات.
وفي ما يتعلق بالأمور التي لها علاقة بالأعياد، أشار المحاضر إلى أن من خصوصياتها لدى المغاربة رؤية الهلال، التي اختاروا أن تكون بالعين المجردة، باعتبار أن المطالع تختلف ولكل بلد رؤيته، وكذا الخروج إلى المصليات أيام الأعياد وعدم مغادرتها إلى حين مغادرة الإمام اقتداء بالرسول الكريم، وعدم ذبح الأضحية إلا بعد أن يذبح أمير المؤمنين أضحيته.
وتحدث المحاضر عن عوائد المغاربة في الجنائز من قبيل الذكر والتكبير، وقراءة القرآن على الجنائز لتعظيم أجر الميت.
أما الخصوصيات التي لها علاقة بالتصوف السني، يضيف بن الضاوية، فلها مظاهر تنبىء عنها من قبيل الحرص على الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تعريفا بشمائله عليه السلام ومعجزاته وتشريفا وتعظيما له، وتقدير أهل الفضل والدعاء لهم وذكر مناقبهم، وزيارة قبور الصالحين.
واعتبر الأستاذ بن الضاوية الخصوصيات التي لها علاقة بالتميز الثقافي من ثمرات تدين المغاربة وسلامة أذواقهم ومنها لباس رجالهم ونسائهم، ومعمار مساجدهم المتميز، والخط المغربي الجميل، والحفاظ على الأرقام العربية بعدما استبدلتها بلدان عربية أخرى بالأرقام الهندية.
وخلص إلى أن الخصوصيات "إنما هي في الحقيقة سنن التزم بها المغاربة في ممارستهم لشعائر دينهم في إطار ثوابتهم العقدية والمذهبية، وفي إطار اختيارهم السياسي المتمثل في بيعة أمير المؤمنين" وقال "لقد جعلتم يا مولاي على عاتقكم القيام بهذه الثوابت وصيانة هذه الخصوصيات لما أعدتم هيكلة الحقل الديني ونصبتم المجلس العلمي الأعلى وجددتم المجالس العلمية المحلية وجعلتم الفتوى منوطة بإمارة المؤمنين".
وفي ختام الدرس الديني من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية، تقدم للسلام على أمير المؤمنين، الأستاذ إدريس بن الضاوية، والأستاذ الشيخ مدني منتقي الطال، من الطائفة العمرية بالسينغال، والأستاذ عبد العزيز شوبا، من علماء غينيا كوناكري، والأستاذ أحمد بن عمر التيجاني، من علماء الولايات المتحدة، والأستاذ مشلودين أرسلاني، إمام مسجد زغرب، والشيخ حسين حسن أبا بكر، رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بتشاد، والأستاذ هارون إدريس، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بتشاد، والأستاذ الأمير الحاج عبد القادر طاهر، من علماء غانا.
كما تقدم للسلام على أمير المؤمنين، الأستاذ الحاج بابا روفيلا، من علماء غانا، والأستاذ الحاج حسين محمد هارون، من علماء غانا، والأستاذ أحمد تشرنودراني، رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بغامبيا، والأستاذ أحمد منتقي فاي، من علماء الجمهورية الغامبية، والأستاذ محمد قابلي، رئيس الجمعية الثقافية بالسويد، والأستاذ نور الدين زياني، مندوب المركز الإسلامي بالمملكة الإسبانية، والأستاذ عبد الله رضوان، كاتب عام المركز الإسلامي بروما بإيطاليا، والأستاذ عبد العزيز حماتي، رئيس الاتحاد الإسلامي بإيطاليا.
وفي نهاية الدرس قدم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق لأمير المؤمنين كتابا من المنشورات التي أصدرتها الوزارة خلال العام الجاري 1429 ه، وهو عبارة عن أعمال ندوة نظمت حول خصوصيات معمار المساجد بالمملكة المغربية.