محمد سيد طنطاوي: متى جرى التعامل بالدين فإنه يتعين على المتعاملين كتابته وتوثيقه

أمير المؤمنين يترأس درسا دينيا جديدا من سلسلة الدروس الحسنية

الأربعاء 17 شتنبر 2008 - 21:34
( ح م )

ترأس أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مرفوقا بصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد،أول أمس الاثنين، بالقصر الملكي بالدارالبيضاء، درسا دينيا جديدا من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية.

وألقى درس أمس، بين يدي أمير المؤمنين، الشيخ محمد سيد طنطاوي، الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف، وتناول فيه بالدرس والتحليل تفسير آية "الدين" من سورة البقرة، انطلاقا من قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه.. "
هكذا، أكد المحاضر في البداية على أن الآية اشتملت على أدق التشريعات، وأحكم التوجيهات، وأنجع الفضائل، حيث أنزلها الله تعالى من أجل حفظ الحقوق وتوثيقها بمختلف الوسائل والأحكام.

وأشار إلى أن هذه الآية الكريمة، التي تعد أطول آية في القرآن الكريم، اتسمت بالدقة في الصياغة والجمال في التفسير، وبعذوبة الألفاظ، وبالوفاء الكامل لكل الجوانب التشريعية، والاحتراس التام لكل ما قد يؤثر على سلامة التعاقد.

وأوضح المحاضر، أنه متى جرى التعامل بالدين في الأعمال والشؤون المالية، فإنه يتعين على المتعاملين كتابة الدين وتوثيقه، حتى يفي المدين بما بذمته لفائدة الدائن، خلال أجل محدد يناسب انقضاء المدة المتفق بشأنها.

وأضاف أن الله عز وجل يدعو في هذه الآية الكريمة إلى الحرص على الالتزام باستيفاء الدين، بمعنى أن المدين يبقى ملزما برد ما بذمته إلى دائنه، وفي الوقت المحدد دون زيادة أو نقصان، مع كتابة محتوى هذا الدين وتوثيقه عند الكاتب، لأن كتابته من شأنها حفظه ودرء التنازع والتخاصم بين المتعاملين من الناس.

واعتبر الشيخ محمد سيد طنطاوي، أن الكاتب يبقى ملزما بالتزام الحق مع الدائن والمدين، أي بالاستماع إلى الطرفين وعدم الانفراد بأحدهما، لأن الانفراد بأحد المتعاقدين تهمة يجب أن يدحض الكاتب عن نفسه منها، مشيرا إلى أن الكتابة لا تقوم شرعا إلا بحضور الدائن والمدين.

وشدد، في هذا السياق، على أن من كان قادرا على الكتابة يجب أن لا يمتنع عنها، لأن الكتابة نعمة من نعم الله، وهبها الله للإنسان وميزه بها عن غيره، ويجب أن ينفع بها باقي المتعاملين من الناس في شؤونهم ومعاملاتهم اليومية.

بعد ذلك، انتقل المحاضر إلى بيان ذوي الحق في إخبار الكاتب بما يكتبه، وقال إنه يتعين على المدين أن يملي على الكاتب هذا الدين، ليكون إملاؤه إقرارا بالعقود التي ينبغي أن يكون وفيا لها، "فلا يمكنه أن ينقص من دينه لأن إنقاص الدين يعد من الظلم الذي نهى عنه الله تعالى".

وأشار إلى أن الله تعالى وجب على المدين أمرين، هما تقوى الله، والتزام الحق والعدل وعدم إنقاص الدين الذي عليه للدائن، مبرزا أن الشريعة الإسلامية تعطي لكل ذي حق حقه، سواء كان دائنا أو مدينا".

إثر ذلك، انتقل الشيخ سيد طنطاوي إلى إبراز الدواعي التي تحول دون كتابة الدين، المتمثلة في نقص أهلية المدين، الذي يتعين عليه في هذه الحالة، تعيين نائب له، من أجل وجوب شرعية الكتابة.

وبعد أن أبرز ماهية الإشهاد الذي يعد شرطا أساسيا لتوثيق الديون، حيث شرع الله سبحانه وتعالى الشهادة إحقاقا للحق، أكد المحاضر على ضرورة طلب المتعاملين عن طريق الديون إحضار شاهدين عدلين من الرجال ليشهدوا على ما يجري بين المتعاملين من معاملات مؤجلة، لأن هذا الإشهاد يعطي الديون والكتابة توثيقا وتثبيتا.

وأضاف أنه إذا لم يتيسر رجلان للشهادة، فليشهد رجل وامرأتان يقدمان الشهادة على الوجه الصحيح دون التأثر بأي نوع من أنواع المؤثرات.

وأبرز أن حكمة الله تعالى اقتضت أن تجعل امرأتين بدل رجل واحد في الشهادة على الديون خشية أن تنسى إحداهما فتذكر الواحدة الأخرى، معتبرا أن المرأة بطبيعة انشغالها في الأمور التي تتعلق بأحوال بيتها، وبتخصصها الذي ميزها به الخالق عز وجل، أشد من اهتمامها بأمور المعاملات المالية الخارجية.

وقال إنه كما أمر الله عز وجل الكتاب (جمع كاتب) بعدم الامتناع عن الكتابة، أمر الشهود أيضا بعدم الامتناع عنها، لأن الامتناع عن الشهادة كثيرا ما يؤدي إلى ضياع الحقوق، مشيرا إلى أن الله شرع الشهادة لإحقاق الحق ونشر العدل بين الناس، حيث أن الحرص على إقامة العدل وتقديم الشهادة والابتعاد عن الشبهات هو بيان للوفاق، ومثال للتعاون المثمر بين الناس.

بعد ذلك، انتقل المحاضر إلى تبيان أن الله سبحانه وتعالى أمر عباده بالإدلاء بالشهادة في المعاملات، لأنه عندما يستلزم الأمر الإشهاد في المعاملات فيتعين عدم الإساءة إلى الكاتب أو الشاهد، لأنها قد تحملهما على الخيانة.

وأشار إلى أن الله عز وجل حذر من مخالفة أي مما نطق في الكتابة، لأن مخالفة ذلك تؤدي إلى فقدان الثواب في الدنيا وفي الآخرة.

وخلص إلى أنه عند قراءة هذه الآية الكريمة "نرى العدل الكامل في المعاملات بين الدائن والمدين وبين البائع والمشتري وبين الآخذ والمعطي، فالعدل هو سياج الأمم وطريقها الأمثل إلى الرقي والأمان وإلى الرخاء وإلى الاطمئنان".

وفي ختام الدرس الديني تقدم للسلام على أمير المِؤمنين، الشيخ محمد سيد طنطاوي، وعدد من العلماء الضيوف، وهم أحمد معبد عبد الكريم، أستاذ بقسم الحديث بكلية أصول الدين والدعوة بالزقازيق بمصر، ومحمد المامون فاضل مباركي، داعية ومربي للطريقة الموردية بالسينغال، وعليون بدر مباكي، من الطريقة الموردية بالسينغال، والشيخ التجاني سيسي، من علماء السينغال.

كما تقدم للسلام على أمير المؤمنين، الأستاذ يوسف بلمهدي، مكلف بالدراسات والتلخيص بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف بالجزائر، والأستاذ محمد العيد التجاني، من علماء الجزائر، والأستاذ أبو بكر فوفانا، شيخ الأئمة بكوت ديفوار، والشيخ منير ماحي حيدرة، رئيس المجلس العلمي لولاية ساكو بمالي، والشيخ محمد الحافظ النحوي، من علماء موريتانيا، والأستاذ محمد أحمد شفيع، رئيس الجمعية النيجرية للأخوة الإسلامية، النائب الأول لرئيس المجلس الإسلامي بالنيجر، والأستاذ عبد الرحمان خوجة، رئيس جمعية مسجد التقوى بفرانكفورت بألمانيا، والأستاذ مرزوق أولاد عبد الله، أستاذ الشريعة الإسلامية بالجامعة الحرة بأمستردام بهولندا، والأستاذ محمد التجكاني، رئيس رابطة الأئمة ببلجيكا.

وبالمناسبة، قدم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، لأمير المؤمنين المجموعة الأولى من المنشورات التي أصدرتها الوزارة خلال العام الجاري 1429 ه.




تابعونا على فيسبوك