يعتبر التصريح، الذي أدلى به الخميس الماضي، الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأميركية، والذي أكد فيه أن موقف الولايات المتحدة من قضية الصحراء لم يطرأ عليه أي تغيير.
تنبيها موجها لأولئك الذين رأوا، وبشكل يدعو إلى الاستغراب، في تصريحات كوندوليزا رايس أخيرا بالرباط، تحولا في هذا الموقف، ناسين، أو متناسين، أن أي ديبلوماسية تحترم نفسها لا يمكن أن يكون لها، في فترة وجيزة، سلوك بهلواني يسير في جميع الاتجاهات، حسب قوة واتجاه الرياح، خاصة حينما يتعلق الأمر بقضية مثل قضية الصحراء، تحتل، ومنذ أمد طويل، موقعا متميزا على الأجندة الدولية.
وكانت الولايات المتحدة الأميركية عبرت، بكل وضوح، وعلى رؤوس الأشهاد أمام مجلس الأمن، وفي واشنطن، وفي أماكن أخرى متعددة، وبمناسبات مختلفة، عن دعمها للاقتراح المغربي بمنح نظام حكم ذاتي للصحراء، تحت سيادة المملكة، وهو اقتراح تعتبره واشنطن "جديا وذا مصداقية"، وهما صفتان ترددتا أيضا مرات عدة في مجلس الأمن، وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة، باعتبارها الهيئة العليا للرقابة الدولية.
وقبل مدة قريبة أيضا، أي في شهر يونيو المنصرم على وجه التحديد، جدد الرئيس جورج بوش التعبير عن هذا الموقف في رسالة وجهها إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أكد فيها، بالحرف، أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الوحيد الواقعي لنزاع الصحراء، وأن إقامة دولة مستقلة بالصحراء، ليس، البتة، خيارا واقعيا.
إن الموقف الأميركي من هذا الأمر، والحالة هذه، لم يتغير قيد أنملة.
والزعم عكس ذلك، من خلال مؤسسة حقيرة للتضليل الإعلامي، يعني الخوض، مجددا وبأسلوب مقيت، في تضليل يرمي إلى خلط الأوراق ونشر الضبابية للتمويه.
الواقع أن البيت الأبيض، بالنسبة لقضية الصحراء، ما فتئ ينحاز إلى جانب الشرعية الدولية، التي أقرها مجلس الأمن في قراراته ذات الصلة، والتي نوقشت وصوت عليها بإجماع أعضائه.
وتصب جميع هذه القرارات، في نصها وروحها، في اتجاه مقاربة واحدة ووحيدة من أجل حل مشكل الصحراء، والذي لا يمكن أن يجد حلا له، طبقا لهذه القرارات، إلا عبر "حل سياسي" متفاوض بشأنه، مع العلم أن الأمم المتحدة استبعدت في وثائقها الرسمية فكرة الاستفتاء، التي تبين أنها غير قابلة بتاتا للتطبيق، بعد عدة محاولات وضياع كبير للوقت والطاقة، كما أنها اعتبرت أن كل خيار انفصالي هو غير واقعي، وهي الخلاصة التي توصل إليها بيتر فان والسوم، آنذاك، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، بعد عدة زيارات للمنطقة، وأربع جولات من المفاوضات، ومباحثات عدة مع العديد من المسؤولين على مختلف المستويات.
وجرى تضمين هذا الاستنتاج، بعبارات واضحة، في التقرير الثاني لفالسوم، الذي صادق عليه مجلس الأمن، وشرحه بالتفصيل في عرضه الشفوي أمام هذا المجلس، الذي أقره.
وتلت ذلك تزكية دولية واسعة. وبالنسبة للأمم المتحدة، لم يبق على طاولة المفاوضات سوى مقترح الحكم الذاتي المغربي، كفكرة مركزية مفتوحة للمحادثات والنقاش المعمق.
وحين كانت كوندوليزا رايس تتحدث عن وجود "أفكار جديدة"، والتي اعتبرتها الصحافة الجزائرية، وكعادتها في مثل هذه الأمور، وبشكل عبثي، بمثابة تحول في الموقف الأميركي، فهي كانت تقصد، في الواقع، ذلك النقاش المعمق الذي يدعو له المغرب، على أساس الفكرة الرئيسية، المتمثلة في الحكم الذاتي.
والمتتبعون عن كثب لهذا الموقف، يعلمون علم اليقين أن المغرب لم يدّع أن المقترح الذي تقدم به ، وإن كان مقترحا متكاملا، بأنه غير قابل للنقاش، يؤخذ كله أو يترك كله، بل إن الأمر يتعلق، في الواقع، بأرضية واسعة، حظيت بنقاش ناضج، وهي قابلة للتطوير والإغناء والاكتمال، وإن اقتضى الحال، التعديل، مع شرط أساسي غير قابل للتفاوض، وهو سيادة المغرب على أراضيه.
وكل فكرة جديدة من شأنها إغناء الحوار، وتمكين المفاوضين من التفكير عاليا والنظر بعيدا، سيكون مرحبا بها، بل إن ذلك هو جوهر المقترح المغربي.
ولذلك، فإن معالم الطريق الصواب جد واضحة، وتبقى فقط الشجاعة السياسية، التي ينبغي إطلاقها من أجل الانخراط في هذا الاتجاه بشكل قوي.
ولحد الساعة، يبدو، مع ذلك، أن الجزائر والبوليساريو عاجزان عن التخلي عن مقاربة الاستقلال، والتي تعني، بالنسبة إليهما، تقرير المصير، وهي مقاربة غريبة، لا يوجد لها مثيل في أي قاموس سياسي، أو قانوني عبر العصور.
وحين يدعو مجلس الأمن، في قراره الأخير، إلى التحلي بـ"الواقعية وروح التوافق"، فإنه يقصد بذلك أن أي طرف لا يجب أن يتملص من واجب التكيف مع الوقائع الجديدة على أرض الواقع، وأنه يجب على أي طرف ألا يصم آذانه، وألا يبقى غير مبال إزاء التوافق الدولي الذي حصل بناؤه والتعبير عنه، كما يجب على أي طرف ألا يعيش في قوقعة، بعيدا كل البعد عن محيطه.
وبكل تأكيد، فإن المناقشات البيزنطية تبعد الأفكار المعبر عنها في العمق، مثلها مثل الخطاب الأجوف، الذي يفسد الخطاب المشترك، ويلغي روح المودة والأخوة، والتي من خلالها يجب أن ننظر إلى الحاضر ونستشرف المستقبل.
ويبقى مشكل الصحراء، في رأي الجميع، شوكة في خصر الجسم المغاربي، واستئصالها يبقى من واجب الجميع، والتخلص من هذه المواجهة العقيمة بين بلدين شقيقين، المغرب والجزائر، يعد أمرا مستعجلا. وإعادة الأمل في المستقبل للشعوب المغاربية، تبقى أولوية تحتل الصدارة، وأملا يجب ألا يقبر.
أكدت الولايات المتحدة الأميركية أن موقفها بخصوص قضية الصحراء لم يتغير، وأن الحل الواقعي الوحيد لهذا المشكل يظل هو شكل من أشكال الحكم الذاتي.
وأكد شين ماك كورماك، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، يوم الجمعة، في رده على سؤال لأحد الصحافيين حول قضية الصحراء، أن موقف الولايات المتحدة بهذا الخصوص متضمن في تصريح وزع على الصحافة.
وجاء في هذا التصريح، أن "موقفنا (الولايات المتحدة) حول قضية الصحراء لم يتغير، ونعتقد أن شكلا للحكم الذاتي يحظى بقبول الطرفين هو الحل الواقعي الوحيد بالنسبة لقضية الصحراء الغربية".
كما أكد هذا التصريح أن واشنطن "دعت الطرفين إلى الالتزام بهذه القاعدة".
وأضاف التصريح، الذي توصلت وكالة المغرب العربي للأنباء بنسخة منه، "نحن في حاجة إلى التأسيس على التقدم الحاصل خلال جولات المفاوضات السابقة تحت إشراف الأمم المتحدة، وعلى أساس القرارات 1754 و1783 و1813 الصادرة عن مجلس الأمن"، مذكرا في هذا الصدد بتصريحات وزيرة الخارجية الأميركية، كوندوليزا رايس، خلال زيارتها للمغرب، حيث أكدت "أن هناك أفكارh جيدة مطروحة على طاولة المفاوضات ، وهناك وسائل للمضي قدما، وليست هناك حاجة للعودة إلى نقطة الصفر".
وبعدما ذكرت وزارة الخارجية الأميركية في هذا التصريح أن الأمم المتحدة تعكف حاليا على تعيين مبعوث جديد للصحراء، قالت "إننا ندعم المفاوضات الجارية تحت إشراف الأمم المتحدة، ونثمن العمل الذي قام به المبعوث السابق بيتر فان والسوم، وننتظر الجهود التي سيقوم بها خلفه"، خالصة إلى القول إنها "لم تتوصل بعد بأي تأكيد بشأن خليفته المحتمل".