أمير المؤمنين يترحم على روح جلالة المغفور له محمد الخامس

السبت 13 شتنبر 2008 - 20:55
( ح م )

بمناسبة حلول عاشر رمضان الأبرك، ذكرى وفاة جلالة المغفور له محمد الخامس طيب له ثراه، قام أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مرفوقا بصاحب السمو الملكي ولي العهد، الأمير مولاي الحسن، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الأمير مولاي

وكان جلالة المغفور له محمد الخامس أسلم الروح إلى باريها في العاشر من رمضان من سنة 1380 للهجرة (الموافق لـ26 فبراير1961)، بعد سنوات قليلة من تخليص الوطن من ربقة الاستعمار وتحقيق استقلال المملكة.

وكرس الملك الراحل كل حياته لتحرير البلاد، وتحمل في سبيل ذلك تضحيات جسام بما في ذلك المنفى، الذي أرغم عليه رفقة بقية أفراد العائلة الملكية، مفضلا بذلك محنة هذا المنفى ومعاناته على الخنوع لأهواء المستعمر في بسط سيطرته على المملكة.
كما أن الملك المجاهد فضل انعتاق أمته وتحرر وطنه على أبهة الملك وأريكة الحكم، مقدما الدليل الساطع على أنه في مقدمة المقاومين من أبناء شعبه الوفي، الذي انتفض انتفاضة عارمة بمجرد انتشار خبر نفي ملك البلاد ورمز وحدتها وسيادتها، مضحيا بالغالي والنفيس من أجل عودة الملك الشرعي، وهو ما تحقق بالفعل، حيث رجع جلالة المغفور له محمد الخامس من منفاه حاملا مشعل الحرية والانعتاق.

وبمجرد ما نال المغرب استقلاله، انخرط جلالة المغفور له محمد الخامس في مسلسل تشييد وبناء المغرب الحديث، وهو ما وصفه بالجهاد الأكبر، مرسيا بذلك أسس مغرب ديمقراطي متجه نحو المستقبل بخطى ثابتة.

ولم يكن جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه مجرد رمز للوطنية والمقاومة المغربية، التي كان يجسدها في أحسن معانيها، بل كان أيضا زعيما إفريقيا فذا، استلهمت شعوب القارة السمراء تجربته في كفاحها المرير ضد الاستعمار والعنصرية من أجل تحقيق الوحدة والاستقلال واستتباب السلم في العالم.

وسيظل المغاربة يستحضرون بكل فخر واعتزاز نضال الملك الراحل من أجل الحرية والاستقلال، ذلك النضال الذي كانت سمته الحكمة والروية والتبصر وبعد النظر، وهي سمات تجلت بوضوح في خطاب طنجة التاريخي الذي جاء فيه "فنحن بعون الله وفضله على حفظ كيان البلاد ساهرون ولضمان مستقبلها الزاهر المجيد عاملون".

وشكل الخطاب منعطفا حاسما على درب التحرير، إذ بفضله أخذت القضية المغربية بعدا دوليا. كما أنه بفضل هذا النضال المستميت للملك الراحل على الساحة الدولية، وإلى جانبه الحركة الوطنية تمكن المغرب من استعادة سيادته وبلورة برنامج عمل واسع النطاق لضمان استقلال المملكة الاقتصادي، لاسيما وأن الملك الراحل كان على تواصل دائم مع الحركة الوطنية الشيء الذي اعتبرته سلطات الاحتلال تحديا كبيرا.

وبعد وفاة أب الأمة واصل رفيقه في الكفاح جلالة المغفور له الحسن الثاني المسار من أجل ترسيخ هذه المكتسبات وتعزيزها، وبالتالي تحقيق أمنية بطل التحرير في أن يرى المغرب بلدا مزدهرا يتبوأ مكانة رفيعة بين الأمم.

وها هو صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفيد بطل التحرير ونجل باني المغرب الحديث يواصل السير على النهج نفسه، نهج البناء والتشييد، مما جعل المملكة تدخل عهدا جديدا، عهد التنمية والنماء والديمقراطية والتفتح من خلال إرساء اقتصاد عصري وترسيخ قيم الديمقراطية والمواطنة.

أمير المؤمنين يترأس درسا دينيا جديدا من سلسلة الدروس الحسنية

ترأس أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أمس الخميس بالقصر الملكي بالرباط، درسا جديدا من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية.

وألقى درس أمس بين يدي أمير المؤمنين، الأستاذ عبد الحميد العلمي، أستاذ التعليم العالي بفاس، وتناول فيه بالدرس والتحليل موضوع "حماية المدنيين في التشريع الإسلامي"، انطلاقا من قول الله تعالى "ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين"، صدق الله العظيم.

انطلق عبد الحميد العلمي في درسه من تفسير وتوضيح معنى الحماية، معتبرا أن حماية الناس لا تنتج معمولها إلا بعد التسليم بأصل التكريم، الذي نص عليه القرآن الكريم من خلال قوله تعالى "ولقد كرمنا بنى آدم"، مبرزا أن نصوص الشريعة تضافرت من أجل تأمين الحماية الضامنة لأصل التكريم.

وأشار المحاضر في هذا الصدد إلى أن مبادئ الحماية التي تشمل الناس في كل وقت وحين، أقرها الجميع، وأكد كل من له انتساب للآدمية على سن قوانين وضعية، لها أصول في الشريعة الإسلامية، وهو ما أسفر عن اصطلاح جديد يسمى اليوم بـ"القانون الدولي الإنساني".

وأكد المحاضر أن العلاقة بين التشريعات الإسلامية، وما هو منصوص عليه في النظم الوضعية، تقوم أساسا على توخي السلام وضمان الأمان، حتى وإن تعلق الأمر بالنزاعات المسلحة، مضيفا أن التشريع الإسلامي أحاط بحماية الحقوق المدنية، وأن ما توصل إليه القانون الدولي الإنساني متفرع عما هو مؤصل في الفقه الإسلامي.

بعد ذلك، انتقل عبد الحميد العلمي إلى تفسير معنى الآية الكريمة "ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين"، موضحا أن التعدي في الإسلام يعني الظلم وتجاوز الحد والحق. وشدد على أن كل من تشبث بهذه الصفات فقد عادى الله، وجانب صف الأولياء، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، مشيرا إلى أن أعلى مراتب تلك العداوة، انتهاك الحرمات الماسة بحياة الناس.

وأشار إلى أن النهي الإلاهي عن الاعتداء كان مطلقا، شمل كل الجزئيات والحالات، ومن ثم فإنه حرم كل أشكال الإذايات، مصداقا لقوله تعالى "إن الله لا يحب المعتدين".

وأكد المحاضر أنه انطلاقا من هذا الأمر، تتحقق حماية مسمى "المدنيين"، الذي يشمل في التشريع الإسلامي كل مهادن ومن ليس له رأي في القتال، من الشيوخ والأطفال والرجال والنساء والتجار والصناع والفلاحين والأجراء وأفراد البعثات الطبية والدينية والقضاة والمقعدين وذوي العاهات والأسرى والموظفين، كما ورد في المادة 50 من الفصل الثاني من البروتوكول الأول الإضافي لاتفاقية جنيف.

وهكذا، أبرز الأستاذ عبد الحميد العلمي أن القوانين الشرعية والوضعية، تضافرت على منع قتل المدنيين والدعوة إلى الحفاظ على حياتهم، مشيرا إلى أن مفهوم المدنيين اتسع ليدخل في الحماية الشرعية، سواء تعلق الأمر بالظروف العادية أو الاستثنائية.
وأبرز أن الفقه الإسلامي شدد على احترام الشخصية البشرية عند التخوف أو التحقق من زوال الذمة الحياتية، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم، نهى عن قتل الأطفال والنساء والتمثيل بجثث القتلى، وأوصى بحسن معاملة الأسرى والإحسان إليهم من غير تمييز بين أهل القبلة وغيرهم، ليس على مستوى المأكل والمشرب والإيواء فقط، بل تعداه صلى الله عليه وسلم إلى منع كل أشكال الإيذايات كالمس بالكرامات والكشف عن العورات.

وخلص المحاضر إلى أن تاريخ المغرب يزخر بأمثلة تبرز الأهمية التي أولاها ملوك المغرب لتكريم الشخصية البشرية، كما يتضح ذلك من خلال مراسلات هؤلاء الملوك مع رؤساء الدول المسيحية بخصوص موضوع الأسرى، مستشهدا بالسلطانين المولى إسماعيل ومحمد بن عبد الله، اللذين كانا يهتمان بدرجة كبيرة بمصير الأسرى، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين.

وفي ختام الدرس الديني، تقدم للسلام على أمير المؤمنين، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، الذي قدم لجلالته نسخا من الدروس الحسنية للسنة الماضية، مسجلة ومطبوعة.

كما تقدم للسلام على جلالة الملك، الأستاذ المحاضر عبد الحميد العلمي، وعدد من العلماء الضيوف، وهم الأستاذ الشيخ محمد عبد الحليم، مدير مركز الدراسات الإسلامية بجامعة لندن بالمملكة المتحدة، وعمار الطالبي، أستاذ بجامعة قسنطينة بالجزائر، وأحمد علي الصيفي، مدير مركز الدعوة الإسلامية بأميركا اللاتينية من البرازيل، ومحمد يوسف زباهيتش، مفتي الجالية الإسلامية ببلغراد بصربيا، ومحمد مختار ولد مبالة، مستشار برئاسة الجمهورية الموريتانية المكلف بالشؤون الإسلامية، وناجي ولد الطالب عبدي، رئيس رابطة العلماء لولاية الحوض الغربي بموريتانيا، وأحمد عيان ثيام، الناطق الرسمي باسم الأسرة العمرية بدكار بالسينغال، ومحمد الأمين سال، من علماء السينغال، وعبد الواحد وجيه، أستاذ بجامعة الملك عبد العزيز بجدة بالمملكة العربية السعودية، ورشاد نوروفيتش، نائب رئيس المشيخة الإسلامية بصربيا، وعبد العظيم بيتر ساندرز، من علماء بريطانيا، وفؤاد مهدي، مدير مجلة كيولوز البريطانية، وأبو بكر ميكا الثاني، عضو المجلس التأسيسي للجمعية الإسلامية التيجانية ببوركينا فاسو.




تابعونا على فيسبوك