أن "يظهر" هلال شهر رمضان ليل يوم السبت في الجماهيرية الليبية وحدها بين بقية بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، ففي الأمر ما يعيد التساؤل التقليدي حول اختلاف "أمة المسلمين" حول بداية الشهور القمرية، المرتبطة لديهم بالعبادات والأعياد.
فبينما أعلنت أغلبية دول الخليج ومصر، أول أمس السبت، أن يوم الاثنين، فاتح سبتمبر، سيكون أول أيام شهر رمصان، انفردت ليبيا بإعلانها يوم الأحد بداية لشهر الصيام، حسب تقديرات المركز الليبي للدراسات الفلكية، ذلك أن الجماهيرية الليبية تعتمد الحسابات الفلكية مرجعا لتحديد بدء شهر الصوم، على عكس أغلبية الدول الإسلامية، التي تعتمد رؤية الهلال بالعين المجردة.
وفي كل المناسبات الدينية بالعالم الإسلامي، المرتبطة ببداية الشهر القمري، يعود الحديث والجدل حول الاختلاف في ثبوت الهلال وبداية الشهور القمرية، خاصة بداية شهور رمضان وشوال وذي الحجة، لارتباطها بشعيرتي الصوم والحج.
ورغم تراكم بحوث ودراسات مختصة، فقهية وفلكية، في مجال تحديد بداية الشهور القمرية، وتقدم العلوم المتعلقة بهذا الموضوع، ما زال المسلمون بعيدين عن الاستقرار حول موقف موحد، سواء كان علميا أو شرعيا أو توافقيا.
وباستثناء ليبيا، التي انفردت أيضا باعتماد تقويم خاص بها يبدأ بوفاة الرسول وليس بهجرته من مكة إلى المدينة، ما زالت البلدان الإسلامية تعتمد "الرؤية الشرعية" في ثبوت ظهور هلال الشهر الجديد، بينما تعمل ليبيا بالحساب الفلكي. وعلى أساس هذا الانفراد صام الليبيون يوم الأحد.
أكثر من ذلك، يخترق الخلاف أحيانا مواطني البلد الواحد، تبعا لمذهبهم، ففي العراق، دأب الشيعة والسنة على الانقسام بشأن بداية الشهر القمري، رغم وجودهم في المدينة نفسها، بل وفي الحي نفسه أحيانا.
من باب الاجتهاد والسعي إلى إبراز وحدة رمزية للأمة الإسلامية، طرحت قبل سنوات مسألة توحيد بداية الشهور القمرية لعموم المسلمين عبر العالم، انطلاقا من نقطة ارتكاز واحدة، وتولي هيئة شرعية إبلاغ المسلمين ثبوت رؤية الهلال. واقترح البعض مدينة مكة كمرجعية موحدة، اعتبارا لرمزيتها الدينية وحج كافة المسلمين إليها سنويا، بينما دعا آخرون إلى اتخاذ أندونيسيا منطلقا لبداية الشهر القمري، كونها أقصى بلد مسلم في شرق الكرة الأرضية.
وبعد التقدم العلمي وسهولة الاتصالات، يفترض أن تكون بداية الشهر القمري واحدة في العالم، كما هو عليه في الشهر الميلادي.
إلا أن ارتباط بداية الشهر الهجري بحركة القمر حول الأرض تعيق هذا الخيار من الزاوية الفقهية، لذلك اقترح البعض وضع تقويم قمري موحد، تقويم مدني فقط، أمام استحالة وضع تقويم قمري شرعي واحد، تتبناه كافة المجتمعات الإسلامية في مختلف مناطق العالم.
يعود المشكل في الأساس إلى الواقع السياسي للعالم الإسلامي، فالقرآن يخاطب بالآية "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" الأمة الإسلامية، بصرف النظر عن الحدود السياسية للدول الحالية. ويمكن الوقوف على مفارقة الاختلاف المرتبط بالحدود من خلال تصور وحدة بين دولتين تلغى بموجبها الحدود، وبالتالي يصبح مواطنو البلد، الذي أصبح واحدا، يصومون ويفطرون في اليوم نفسه. وفي حالة عكسية، أصبح سكان باكستان وبنغلادش منقسمين حول بداية الشهر القمري، بعد انفصال الثانية عن الأولى عام 1972.
لا يقتصر الخلاف والاختلاف على بداية هلال شهر رمضان، بل يمتد إلى مدة الإمساك، الذي تتحدد فترته بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس. إلا أن اختلاف طول النهار، حسب الفصول والموقع من خط الاستواء، يجعل النهار يستغرق أكثر من 18 ساعة في الصيف في البلدان السكندينافية، ويكاد ينعدم في فصل الشتاء، بينما تسود الصورة معكوسة في أقصى جنوب الكرة الأرضية.