حول الزي الرسمي لموظفي المؤسسات السجنية

ضوابط القانون وهوس التأويل

الجمعة 29 غشت 2008 - 20:24

أثار قرار المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، القاضي بتعميم ارتداء الزي الرسمي على موظفي المؤسسات السجنية، ردود فعل من طرف بعض المنابر الإعلامية الوطنية في الصحافة المكتوبة.

على خلفية الجدل، الذي بات متربطا بموضوع الحجاب، وما يسمى بـ"اللباس الإسلامي"، ويتعلق الأمر هنا بالمرأة على الخصوص.

ومع افتراض حسن النية في الاعتراض والتساؤلات حول "خلفيات" المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج من وراء هذا القرار، يكون الجهل بالقوانين المنظمة للمهن العسكرية وشبه العسكرية هو المحرك للانتقادات، ذلك أن العاملين في هذه القطاعات، في مختلف بلدان العالم، من جيش، وشرطة، ودرك، وحراس السجون، ووقاية مدنية، وجمارك... ملزمون، خلال أوقات عملهم، بارتداء زي رسمي، موحد، يميز الهيئة التي ينتسبون إليها، ويضفي على مهنتهم، وعلى عملهم طابع الرسمية، ويبرز هيبة الدولة، التي يمارسون مهنتهم باسمها، في إطار القانون.

بل إن مؤسسات تعليمية أيضا في عدد من البلدان، تلجأ إلى فرض زي موحد على التلاميذ والطلاب، بهدف تحقيق الانسجام وتغييب الفوارق، وإعطاء طابع رسمي وقيمي للعملية التعليمية.

ويفترض في الفرد، رجلا كان أو امرأة، أن يكون، عند التحاقه بمهنة عسكرية أو شبه عسكرية، على دراية وبينة من هذه الضوابط، وبالتالي يصبح ملزما باحترامها خلال أوقات عمله، أما خارج العمل، فهو يستعيد وضعه المدني، ويحق له أن يلبس ما شاء، في إطار الأعراف الجارية واحترام الذوق العام.

سارت الأمور، عموما، على هذه الحال بالنسبة لموظفات المؤسسات السجنية في المغرب، قبل أن تنتشر موجة (أو موضة) الحجاب، ليبدأ التخلي عن قبعة الرأس لدى عدد غير قليل منهن، واستبدالها بقطعة الثوب المعروفة على الرأس، وعندما تدعو الضرورة الإدارية تخرج الموظفة القبعة من حقيبة اليد لتضعها فوق غطاء الرأس، إلى أن "تمر المناسبة" ثم تنزعها مجددا.

وبما أن الزي الرسمي يتكون من جميع أجزائه، من القبعة إلى المعطف والسروال (أو "الصاية" أحيانا لدى النساء)، وصولا إلى الحذاء، فإن التخلي عن أي قطعة يشكل إخلالا بالقانون، ولا شيء يضمن ألا يحصل التفريط في القطع الأخرى.

ويبدو أن المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج انتبهت إلى هذه الثغرة، وتوقعت أن ترى يوما بين موظفات مؤسساتها نساء بزي حركة طالبان الأفغانية، الذي نصّبتهم بعض الفتاوي الظلامية "زيا إسلاميا"، على خلفية واقع السجون المغربية وما يتسرب إليها من ممنوعات، تتدرج من عالم المخدرات إلى الإرهاب في السنوات الأخيرة.

في هذا السياق، وبعد "مناوشات" صحفية، قد لا يخلو بعضها من خلفية إيديولوجية، اضطرت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج إلى تقديم توضيح قانوني في الموضوع، مؤكدة أن إلزام موظفي السجون بارتداء الزي الرسمي يستند إلى نصوص قانونية، وتحكمه ضوابط قانونية، توخى المشرع من خلالها توحيد الزي بين سائر الموظفين، وإكسابهم مظهرا يليق بحجم وطبيعة المهام الأمنية المنوطة بهم، "باعتبارهم ملزمين، قانونا، بالامتثال لجميع قواعد النظام العسكري، وإكسابهم مظهرا يليق بحجم وطبيعة المهام الأمنية المنوطة بهم، وبواجب التقدير المفروض لهم، بصفتهم ممثلين للسلطة العمومية".

وذكّرت المندوبية بالنظام الأساسي الخاص بموظفيها، الصادر بموجب المرسوم رقم 688 .73 .2، بتاريخ 12 نونبر 1974، وبناء على الظهير الشريف رقم 008 .58 .1، الصادر بتاريخ 24 فبراير 1958، الذي يحتوي على النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، حسب ما وقع تغييره وتتميمه، مشيرة إلى أن الفصل 23 من المرسوم ينص على أنه "يلزم موظفو السجون بارتداء البذلة، وبالامتثال لجميع قواعد نظام عسكري "، موضحة أن هذا الفصل يخص فئة من الموظفين الملزمة بارتداء الزي الرسمي، الذي وقع تحديد مكوناته بمقتضى قرار وزير العدل رقم07 .293 الصادر بتاريخ 23 فبراير2007.

وبين القانون الواضح في صراحته وهوس التأويل المحفوف بالمخاطر، تمتد مسافة واسعة قد تستوطنها النوايا السيئة.




تابعونا على فيسبوك