لا يخفى على المغاربة المثل المعروف "ولو طارت معزة".
وأصل المثل أن رجلين كانا جالسين يتحادثان، عندما حط شيء أسود أو كائن ما على ربوة بعيدة. أمعنا النظر جيدا، وحاولا أن يتبينا ماذا يكون، إلى أن قال أحدهما "إنه غراب"، فأجابه الثاني "لا، ليس غرابا، بل معزة". أمعن الأول النظر أكثر، وأكد "بل إنه غراب". فرد عليه الثاني "كلا، أنا متأكد أنها معزة"... وفي خضم الجدل، طار الكائن الأسود، فانفرجت أسارير الأول وهلل وأكد بلهجة واثقة "ألم أقل لك إنه غراب؟"، لكن فرحته لم تطل، إذ حلت محلها صدمة مفاجئة، حين انبرى له الثاني، بلا خجل ولا حياء، ليؤكد له أن الكائن الأسود معزة، وشدد بغباء "ولو طارت معزة".
يردد المغاربة هذا المثل كناية على نوعية من الأشخاص يعتبرون أنفسهم أنهم "ما تيتكرعوش"، ويتمسكون برأي معين حتى لو تبين لهم أنه خطأ. يقولون، ونقول معهم، إن الاعتراف بالخطأ فضيلة، لا ينقص من قيمة الشخص، بل يلقى التقدير والاحترام والإكبار، فهو دليل عزة نفس وسمو وأخلاق، لا يتمتع بها إلا الكبار، بمعنى النفس وليس السن والمقام، فيما الإمعان في الخطأ، يبقى من شيم الصغار، صغار النفس والسن والمقام في الآن، الذين لا يستطيعون سبيلا للسمو إلى ذوي المروءة والعزة، إذ يبقون مجرد معزة، سواء حلقت في السماء أو سبحت في الماء، تبقى معزة، وهذه حالة مرضية تحتاج للاستشفاء.
هذا بالضبط حال صحافي المعزة مع صحافة مجموعة ماروك سوار، وأصل الحكاية أن الصحافي إياه لا يترك فرصة دون اللمز و"طحن الهضرة"، للنيل من صحافة المجموعة، حتى عندما يريد تصفية حسابات مرضية مع أي جهة، أو مع بعض مؤسسات الدولة، عوض أن يفعل ذلك بعيدا عن زملائه في صحافة ماروك سوار، يصر على استعمالها وكأنها حائط قصير يمكن لأي كان أن يقفز عليه لممارسة سلوكاته المريضة، فكان أن ضقنا درعا بالصمت، إذ كنا نترفع عن الدخول في الترهات، بيد أن صحافي المعزة أصغر من أن يفهم ذلك باعتباره سموا ورفعة عن الصغائر، وإنما ضعفا، إلى أن بلغ السيل الزبى يوم الخميس المنصرم. كانت "المغربية" و"لوماتان" علمتا، من مصادرهما، أن والدة المغربي، الذي رفع دعوى قضائية ضد حنيبعل القذافي، نجل الزعيم الليبي، حلت بالمغرب، ووصلت إلى مطار محمد الخامس ظهر يوم الأربعاء. في ما يخص "المغربية"، كانت أنجزت عددا مزدوجا يغطي الأربعاء والخميس، ويمكن العودة إلى العدد للتثبت، لمن في حاجة إلى ذلك، معناه أنه لم يكن بالإمكان استثمار المعلومة يوم الخميس، فهيأنا مادة إخبارية، بعيدا عن أي تعليق أو غمز أو لمز من قناة أي أحد أو جهة، مثلما تحرص "المغربية" على ذلك، ندرج فيها المعلومة، التي توصلنا إليها، ونذكر بالمشكل، مع إشارة بسيطة إلى أنباء راجت تفيد أن والدة المغربي، زهرة القشاني، معتقلة في طرابلس، فيما هي توجد الآن بالدارالبيضاء، على أساس نشر المادة في عدد الجمعة. بيد أن يوم الخميس كان صادما ومفاجئا، طالعنا كلاما غريبا بجريدة الصحافي إياه، يفصل ويخيط، ويستعمل صحافة مجموعة ماروك سوار للطعن في مؤسسات الدولة، بانيا تهجمه (تهجم وليس هجوم) على اجتهاد أنجزه صحافي كتب رأيا في موضوع انقلاب موريتانيا، ليقول ما مفاده أن "الدولة، عبر صحافتها الرسمية، تناصر الانقلابيين"، ثم يعود إلى القول إن "الدولة تتدخل لدى الانقلابيين للإفراج عن الرئيس الموريتاني المطاح به، وعن عائلته، وتهمل والدة المغربي، الذي قدم شكوى ضد نجل معمر القذافي بسويسرا، التي توجد بطرابلس في حالة اعتقال، وأنها رهينة". حقيقة كان السيل بلغ الزبى، ومع ذلك رددنا بأدب، وقلنا إن مجموعة ماروك سوار تتعرض للتهجم، وأن السيدة زهرة، التي قيل إنها "رهينة"، موجودة في المغرب، وقلنا إن من يريد أن يلعب ويصفي حسابات لا علاقة لها بالصحافة، فليفعل ذلك بعيدا عنا، ووضعنا هذه الحالة أمام القراء، ليكونوا هم الحكم، ووضعنا نقطة.
في اليوم الموالي، ومرة أخرى، نجد أنفسنا أمام "خرجة" عجيبة، يبدأها الصحافي إياه بدس معلومة أخرى خاطئة، وهي أن السيدة زهرة القشاني وصلت إلى المغرب "ليلة الأربعاء"، من أين أتى بهذا التأكيد الوثوقي اليقيني بأن الوصول كان في "الليل" وهو الذي لا يمتلك المعلومة أصلا، ولماذا هذا الإصرار على الوقوع في المزيد من الأخطاء؟ الجواب بسيط للغاية، إنها محاولة ملتوية مكشوفة للإيحاء إلى القراء أن السيدة زهرة وصلت في وقت كانت فيه صحيفته "المساء" انتهت من الطبع، ووزعت على الأكشاك، وبالتالي، فهو لم يكذب عليهم. ومعنى ذلك أنه عوض أن يكون نزيها مع نفسه ويقول إن هناك تسرعا، وغيابا للتحري والتقصي في المعلومة، ويجنح إلى الاعتراف بالخطأ، الذي كنا وغيرنا سنقدره عاليا، يقع اللجوء، عن سبق إصرار وترصد، إلى هذه التخريجة المفضوحة، وهذا ليس غريبا، أليس من صفات صحافي المعزة أنه "ما تيتكرعش"؟
هذا أولا، ثانيا، ودائما عوض الاعتراف بالخطأ، يجنح الصحافي إلى القول "إننا نعرف خروب بلادنا جيدا، ونعرف أن المخابرات المغربية تستطيع أن تجعل والدة خادم ابن الرئيس تقول أمام العالم بأسره إنها لم تكن معتقلة هي وابنها في مكان سري عند العقيد"، ثم يضيف ساخرا أن رجال الاستخبارات "يمكنهم أن يجعلوها تعترف بأن ليبيا أجمل بلد في العالم، وأن المهاجرين المغاربة يتمتعون بحقوق لا يحلم بها أشقاؤهم في سويسرا نفسها"، إلى آخر "الهضرة"، التي لا تقدم للقارئ أي معلومة مفيدة، اللهم العزف على المشاعر، وتعليق كل أخطاء الدين والدنيا على الاستخبارات، وليس المخابرات، التي تعني في اللغة فقط المكالمات، إذ بهذا المنطق، يمكن مسح أي شيء في الاستخبارات، إذا ارتفعت الأسعار، واختفى الحليب والبيض، وتعارك زيد وعمرو، وحدث ثقب في طبقة الأوزون، وانهارت عمارة بالقنيطرة، واشتعلت النيران في مصنع بالدارالبيضاء، فهذا عمل الاستخبارات.
في مرحلة كنا نظن أنها دخلت "الماضي"، وأضحت "بائدة"، في زمن الحماس الطلابي، كانت صراعات الفصائل الطلابية تمارس أحيانا خارج المنطق والواقع والرفاقية، وعندما كان الواحد يريد أن يدمر زميله، يتهمه بالعمالة للاستخبارات، وكان الاتهام يكشف عجز وإفلاس صاحبه على مقارعة الحجة بالحجة، والأفكار بالأفكار، فيصرف عجزه وإفلاسه بالهروب إلى اتهام خصمه بالعمالة للاستخبارات. كان هذا يحدث في السبعينيات والثمانينيات... مرت التسعينيات، ودخلنا في سنوات الألفية، التي تكاد تنصرم عشرتها الأوائل، ويأتي شخص ليستعير اتهاما من قاموس بائد، عفى عنه الزمن، ليستدر به عطف القراء، ويوهمهم أنه في مواجهة الاستخبارات، فيما هو لا يواجه سوى زملاءه في المهنة، ولا يفعل شيئا غير النيل من صحافيين يمارسون مهنتهم بكل نزاهة واجتهاد، لا يستفيدون من أي امتياز أو أسبقية، يجدون ويكدون بحثا عن الخبر لتقديمه إلى القراء، يسبقهم زملاؤهم في منابر أخرى حينا، ويحققون أحيانا سبقا في عدد مهم من الأخبار، يجتهدون ويصيبون ويخطئون، وعندما يقعون في الخطأ لا يجدون غضاضة في الاعتذار دون عقدة ولا مركب نقص. وفي اجتماعاتهم، يتأسفون على المعارك التافهة المندلعة بين زملاء المهنة، ويشفقون لحال الصحافة، التي يهوي بها هؤلاء إلى درك سحيق، ولم يكونوا يتصورون أن يأتي أحدهم ويجرهم إلى هذه المعارك التافهة وينعتهم بصحافة الاستخبارات، فقط لمجرد أن الصحافي إياه معزة، و"ما تيتكرعش"، ولو طارت، فهي معزة. في حين كان الأحرى، لو كان يحترم قراءه، أن يقدم لهم الحساب في كل شيء، من هي الجهة، التي يتحدث باسمها، وكيف ولدت جريدته بعد عودة من زيارة للولايات المتحدة الأميركية، والمواد المدسوسة عن الغزل بالسفير الأميركي، وبأخبار العدالة والتنمية، التي تجد سكنا دائما في الجريدة، بدءا من الصفحة الأولى، مثلما هو الحال في مواضيع أخرى، كأخبار جماعة عبد السلام ياسين، أو كتلك التي تخصص لـ "جلد" الاتحاد الاشتراكي، مثلا، والنيل من محمد اليازغي وإدريس لشكر وحبيب المالكي وفتح الله ولعلو وعبد الواحد الراضي والراحل محمد بوزوبع، وبالمقابل، يستحيل، ولو من باب التعمية، انتقاد، وأحرى "جلد"، الملياردير ميلود الشعبي، حتى ولو طرد عمالا وأغلق مؤسسات تابعة لهولدينغ "يينا" لمجرد أن عمالها أرادوا يوما ممارسة حقهم في الإضراب والدفاع عن حقوقهم، وفضلا عن الحاج ميلود، لا يمكن للمرء أن يجد في "المساء" جلدا لابن الحاج، فوزي الشعبي، ولمصطفى الرميد وغيره من قادة العدالة والتنمية، مثلما يجلد قادة الاتحاد الاشتراكي، عفوا، من الآن فصاعدا، يمكن ألا نجد انتقادا لإدريس لشكر ولغيره من الاتحاديين، الداعين إلى التنسيق مع العدالة والتنمية، بينما سيجري "تصبين" المناهضين لهذا التقارب "تصبينا"، وأمام القراء فرصة لتتبع ما ينشر، وخصوصا ما لا ينشر عن الأسماء، التي ذكرنا.
فالتضليل، يمكن، كما قلنا، أن يمارس اليوم وغدا، لكنه لا يمكن أن يمارس طول الوقت، دون أن يكون مصيره الكشف والفضح.