خلد الشعب المغربي، ومعه رجال الحركة الوطنية وأسرة المقاومة وجيش التحرير، أمس الجمعة، الذكرى 55 لمظاهرة المشور التي جسدت أروع صور الوطنية والمقاومة وأكبر تحد لمؤامرة الاستعمار الرامية آنذاك إلى تنصيب صنيعته "ابن عرفة"، والتصدي لتطاوله على المقدسات الدينية
وشكلت مدينة الرجالات السبعة معقلا للوطنية والمقاومة وحاضرة للمناضلين الأوفياء، مقيمين ووافدين، حيث كانت يقظة ومتنبهة لما كان الاستعمار يخطط له ويدبره من مؤامرات لفصل الملك عن شعبه، بعدما أيقن أن إخماد جدوة الوطنية لن يتأتى له أمام الترابط المتين بين عرش أبي وشعب وفي.
وكان لمظاهرة المشور، وغيرها من المحطات البطولية في تاريخ المقاومة المغربية، الأثر العميق في التعبير عن قمة الوطنية والفداء والتضحية تعلقا برمز عزة الوطن وسؤدده.
وذكر بلاغ للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، في بلاغ بالمناسبة، بأنه على إثر المناورات الاستعمارية التي كانت تحاك ضد رمز البلاد جلالة المغفور له محمد الخامس، طيب الله ثراه، لإبعاده وعائلته إلى المنفى وتنصيب صنيعة الاستعمار "ابن عرفة" مكانه، قررت كافة التنظيمات بجميع خلاياها الموجودة بإقليم مراكش، مواجهة هذه المؤامرة الشنيعة والانخراط في حركة المقاومة ومسلسل الكفاح المسلح، حيث جرى عقد عدة اتصالات للحيلولة، من دون تنفيذ المخطط الذي كان يدبره الاستعمار وعملاؤه.
وبمجرد أن وصل إلى علم الوطنيين أن "ابن عرفة" سيجري تنصيبه، يوم الجمعة 14 غشت 1953، بمسجد الكتبية بمراكش، حتى هب أبناء مدينة مراكش عن بكرة أبيهم وانخرطوا في مظاهرات حاشدة.
وفي يوم 13 غشت 1953، عرف كل من باب "هيلانة" وقاعة "بنهيض" اتصالات لتشكيلتين رئيسيتين، وأعطيت الأوامر فيها للحاضرين بعد أداء اليمين، للحيلولة دون ذكر اسم ابن عرفة في خطبة الجمعة بمساجد مراكش.
ووقعت اتصالات مباشرة بكل من المسؤول عن تشكيلة قبيلتي "مسفيوة" و"تاسلطانت"، لتبليغ مضمون تلك التعليمات واستقدام أكبر عدد ممكن من الأفراد للتصدي لمخطط التنصيب، الذي سيقع يوم السبت 15 غشت 1953 بالمشور الملكي.
وذكر البلاغ بأنه انطلاقا من هذا الإطار، وقعت عدة حوادث بمختلف مساجد مراكش كان من أهمها حادثة مسجد المواسين، ومسجد الكتبية، كون قوى الاستعمار لم تعلن عن المسجد الذي ستقام فيه صلاة الجمعة بغية ضمان الأمن.
وفي 15 غشت 1953 المشهود، هبت حشود المواطنين إلى المشور، حيث "البيعة" لإظهار رفضهم للسلطان المنصب، وحاصروا دورية من الشرطة، فتدخل أفراد هذه الدورية لفك الحصار الذي ضربه المتظاهرون على باب المشور، وبدأوا يقذفون القنابل المسيلة للدموع، إلا أن المتظاهرين أحاطوا برجال الشرطة فطعنوا منهم البعض بالخناجر وألحقوا جروحا بالبعض الآخر.
كما شاركت المرأة المغربية شقيقها الرجل في هذه الملحمة، كالشهيدة فاطمة الزهراء، التي كانت تزغرد وتهتف باسم السلطان محمد الخامس، حاملة في يدها العلم الوطني، إذ صوب أحد رجال الشرطة بندقيته اتجاهها.
وألهبت هذه الحادثة حماس المتظاهرين وقوت اقتحامهم لغمار التصدي والتحدي للاستعمار، الذي شن حملات الاعتقال في صفوف المقاومين، وأقدم على محاكمتهم وإيداعهم بالسجون.
وكان لمظاهرة المشور، التي تفتخر بها مدينة مراكش، نتائج مهمة منها إدخال الهلع والفزع في صفوف المستعمر الذي أدرك مدى صعوبة تنفيذ مخططه، وأيقن تمام اليقين أن الشعب المغربي ملتف حول العرش صامد في وجه كل تدخل أجنبي يريد النيل من سيادته، حريص على وحدة وطنه. كما أبرزت هذه المظاهرة أن روح المقاومة ضد الاستعمار بمراكش لا تقل عن مثيلاتها في باقي مدن وأقاليم المملكة.
وأوضحت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، في بلاغها، أن تخليد هذه الذكرى الغالية بما يليق بها من عظمة وإجلال، يتوخى منه أن تكون هذه المناسبة ومثيلاتها من الذكريات الوطنية المجيدة وقفات للتأمل والتدبر واستحضار تلك الصفحات الوهاجة من نضال الشعب المغربي بقيادة العرش العلوي المجيد، التي ستبقى على الدوام نبراسا تستنير به الأجيال الصاعدة واللاحقة والمتعاقبة في مسيراتها نحو البناء والنماء وكسب رهانات المستقبل.
كما أن تخليد هذه الذكرى اليوم هو استحضار لواحدة من ذكريات البطولة والمجد لاستلهام قيمها والتشبع بروحها في ملامح العهد الجديد، الذي يحمل مشعله بإيمان وعزيمة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي ما فتئ يلح على أهمية صيانة الذاكرة الوطنية والاعتزاز بفصول ملحمة العرش والشعب، وتكريم وتشريف رجالاتها.