سيقف القراء المغاربة حائرين وهم يطالعون، هذه الأيام، مثلما كتب في صحيفة مغربية أمس الخميس، أخبارا وتقارير وتعاليق "عجيبة" تقول إن مواطنين مغربيين، اعتقلتهما السلطات الليبية، وإنهما رهينتين في طرابلس.
وأن المعنيين هما والدة وشقيق المغربي، الذي رفع، رفقة تونسية، دعوى في سويسرا تتعلق بشكاوى عن إساءة معاملة من قبل نجل الزعيم الليبي معمر القذافي، معتصم بلال القذافي (حنبعل القذافي). وتزيد التقارير المذكورة معلقة أن السلطات المغربية تبدي حماسا زائدا للإفراج عن المسؤولين الموريتانيين، الذين أطاح بهم الجيش، في حين لا تحرك ساكنا ولا تبدي أي اهتمام بمصير مواطنين مغربيين، يتعرضان لمزاعم عن الشطط والتعسف من قبل السلطات الليبية.
بالمقابل، تفيد الأخبار أن السيدة زهرة القشاني وابنها حلا، يوم أول أمس الأربعاء بالمغرب، الشيء الذي سيزيد من حيرة القراء، الذين سيتبين لهم أن وصول "الرهينتين" المزعومتين إلى المغرب يشير إلى أن الدراما، التي اتخذت بعدا من أبعاد الأزمة الدبلوماسية، ومزجت بين حق الدولة وحقوق الإنسان والتدخل المكثف للجمعيات والمنظمات غير الحكومية السويسرية، تسير في اتجاه الحل...
فالسيدة زهرة القشاني، والدة المستخدم المغربي لدى حنبعل القذافي، لم تكن، لا سجينة ولا مهددة في ليبيا، كما لم تكن خائفة على حياتها، كما ادعى الكثيرون ذلك.
فعند دخولها إلى المغرب، أكدت السيدة زهرة كثيرا على الدور، الذي لعبته السلطات المغربية في هذه القضية.
بل أكثر من ذلك، فقد صرحت السيدة الكشاني، أمام العموم، لدى وصولها إلى مطار محمد الخامس بالرباط، أن السلطات المغربية ساندتها بشكل فعال، كما فعلت السلطات الليبية، نافية بذلك الادعاءات المغرضة، التي أشيعت حول سجنها المزعوم.
لقد كانت هناك حملة، تناولتها الصحافة، حول احتجازها كرهينة في طرابلس، بدعوى أنها والدة المستخدم، الذي رفع دعوى بجنيف ضد حنبعل القذافي وزوجته لينا. غير أن دخولها إلى المغرب ومختلف تصريحاتها، التي تتوافق مع تصريحات ممثلي السلطات المغربية، فندت بشكل حاسم ادعاءات صحافة تبين دائما عن استعدادها لتشويه سمعة ومصداقية السلطات المغربية.
مرة أخرى، يبدو، في هذه القضية، انعدام الموضوعية بشكل فادح، لأنه ما من شيء يمنع من الاتصال بالسلطات المختصة، ومراجعة المعلومات الواردة عن احتمال احتجاز مواطنين مغربيين في ليبيا كوسيلة للضغط. فالاستمرار في ادعاء العكس، وعدم تنزيل تكذيب أو توضيح، الذي تفرضه أخلاقيات مهنة الصحافة، التي هي بمثابة قاعدة ذهبية، ينم عن هوس بنشر المغالطات، ولكن أيضا عن إرادة جنونية للإساءة إلى المغرب وليبيا معا.
هناك تقليد شكل دوما إحدى دعامات الديبلوماسية المغربية، وهو السرية في التعامل، التي هي السمة المميزة لفعالية العمل وكفاءته.
ففي قضايا من هذا النوع، حيث يمتزج بكثير من التعقيد السياسي، وقيم العدالة والكرامة الإنسانية، تعمل هذه الديبلوماسية بكثير من التكتم الموازي، لانشغالها بحفظ مسلسل التفاوض من الانزلاقات، التي تكون أحيانا مكلفة.
إن المغرب وليبيا بلدان يحافظان على المستوى نفسه من العلاقات، التي لا تحتمل أي لبس، وتعاونهما يتأسس على عدة اتفاقيات ومعاهدات سياسية، واقتصادية، وتقنية، وقضائية وثقافية على الخصوص، ولا يترك البلدان أي مناسبة دون الوقوف عند مستوى علاقاتهما، والسبل الكفيلة بتعزيزها على كافة الأصعدة، لترقى إلى مستوى طموحات صاحب الجلالة، الملك محمد السادس، وقائد الثورة الليبية العقيد معمر القذافي.
ومعنى ذلك أن البلدين لم يكونا، في قضية زهرة القشاني وابنها، بحاجة إلى أي تدخل خارجي، بما أن سلطاتهما كفيلة بذلك، فضلا عن القناة الديبلوماسية المفتوحة بينهما، بتنسيق وانسجام وتعاون. أكثر من ذلك، فإن السلطات المغربية، كما تفرضها عليها ثقافة اللياقة، ليس من شيمها الإفصاح عن مبادراتها، وبالأحرى التباهي بها، مادامت تعتبر من صميم عملها.
إن من يدعون أن المغرب لا يقوم بشيء لصالح مواطنيه، ويتجرأون على القول إن المواطنين لا قيمة لهم في نظر مسؤولي الدولة، كان عليهم أن يتحروا الحقيقة في معلوماتهم، قبل الاستسلام للمراوغات الشعبوية، والعبارات المرصوصة، للتقرب من القراء، حتى ولو استعملت معطيات مغلوطة، في المس بمسؤولي الدولة، ومحاولة التشويش على العلاقات المغربية الليبية.
والدليل على ذلك موضوع أمام القراء، وهو أن المواطنين المعنيين، والدة وأخ المستخدم المغربي السابق لحنبعل القذافي، الذين قرأوا يوم الخميس أنهما "رهينتين"، وصلا إلى المغرب، منذ يوم الأربعاء، كما هو الحال بالنسبة للمواطنة التونسية، التي حلت بدورها ببلدها.
ففي هذه القضية لم تبق السلطات المغربية مكتوفة الأيدي أبدا، ولم تتنصل أبدا من واجبها في التحفظ حتى تضمن أقصى درجة الفعالية لعملها. فكل دولة، سواء سويسرا أو المغرب أو ليبيا، قامت بمبادراتها الخاصة. والمغرب، بدوره، تحرك من أجل الاطمئنان على زهرة القشاني وابنها، لتسقط ترهات المحامي السويسري فرانسوا مومبريز، التي تقول إن "هناك مؤشرات توحي بأن السيدة القشاني وابنها محتجزان كرهينتين في ليبيا"، وتصبح هذه الادعاءات دون قيمة.
فوصولهما إلى المغرب، ظهر يوم الأربعاء، يقدم نفيا قاطعا لادعاءات كل من كان يعتقد بإمكانية تحويل، بكثير من سوء النية، قضية إنسانية إلى فضيحة ديبلوماسية، وعلى رأسهم المحامي السويسري.
أما القارئ، وعموم الرأي العام الوطني، فلن تستمر حيرته كثيرا، إذ بمجرد ما يعلم حقيقة المغالطات، سيعرف الموقف، الذي يجب أن يتخذه، في مواجهة كل من يحاول تضليله.