كرامات طير الجبال تمنح الأولاد للعاقر

الجمعة 15 غشت 2008 - 20:53

تعرف منطقة مولاي إبراهيم باسم "كيك"، وهي منطقة جبلية تقع في أحد مرتفعات الأطلس الكبير، وكانت، إلى حدود بداية القرن السادس عشر، شبه خالية من السكان.

إذ لم يكن بها سوى سبع عائلات، عندما قصدها الولي الصالح مولاي إبراهيم، قادما من مدينة مراكش، على عهد الملك السعدي مولاي زيدان، فبايعه الولي سيدي محمد أوبراهيم، الذي انتقل إلى رباط في مكان يسمى "الوس"، كما بايعه أهل المنطقة، بعد أن اتفقوا معه على عهود وشروط.

لزيارة ضريح مولاي إبراهيم، يجب على الزائر أن يمر عبر أدراج إسمنتية بالسويقة، التي تستقبله بطابور من العشابة، يقدمون كل أصناف الأعشاب، والشموع، وجلود بعض الحيوانات والزواحف، مثل القنفذ، والثعلب، والضربان، والحرباء، وبجوارهم دكاكين صغيرة لـ"الشوافات"، اللواتي يذوبن مادة "اللدون" (الرصاص) فوق النار، وتتحلق حولهن عشرات النساء، ينتظرن ما "ستراه" الشوافات في ذلك السائل الغريب، الذي يحل كل الإشكالات.
وتنتشر بالسويقة المؤدية إلى الضريح أعداد كبيرة من المتسولين، منهم من يعرض "بركة" مولاي إبراهيم، وهي عبارة عن أشياء بسيطة جدا (عقيق أو مفاتيح)، إضافة إلى مجموعة من النقاشات، اللواتي يتجمعن في مجموعات صغيرة، في انتظار زوار المنطقة، خصوصا من الفتيات والنساء.

بالقرب من مدخل الضريح، تصادفك طوابير من المتسولين يجلسون جنبا إلى جنب، ينتظرون مساعدة الزوار. وبمجرد دخولنا إلى داخل الضريح، الذي يتكون من بهو كبير، تتوسطه نافورة للوضوء، وغرفتان، الأولى يوجد بها ضريح مولاي إبراهيم، والثانية تدفن فيها ابنته "للامحلة"، حسب ما حكي لنا، وجدنا عددا غفيرا من النساء، من مختلف الأعمار، ومن جميع جهات المملكة، يتحلقن حول الضريح، للتبرك بـ"كرامات وبركات" الولي الصالح، من أجل "قضاء الحاجة"، وتلبية الطلبات، مقابل قربان، يقدم على شكل هدية للولي، تختلف باختلاف الفوارق الطبقية، إذ يكتفي الفقراء بـ"الضوء" (قرطاس شمع).
"هاذ الملحة ديرها في الماكلة، وهاذ التراب خوضيه في الما، ورشي به باب الدار، دابا يجيب الله البركة"، بهذه العبارة كان مقدم الضريح ورفاقه يدعون لكل زائر من زوار مولاي إبراهيم.

جلسنا بجانب مقدم الضريح، مولاي الصديق لمغاري، نتحدث إليه، ففاجأتنا فتاتان في مقتبل العمر، تلبسان ثوبا أخضر، وأخذتا تطوفان بالضريح، في الوقت الذي كانت والدتهما تحمل في يدها قارورة من "ماء الزهر"، وترش منها فوق القبر، وعندما سألناها عن السر في ذلك، أجابت بكل تلقائية "اسمي حياة، عمري 45 سنة من نواحي مدينة مراكش، تنطلب من الله تعالى باش ينفعنا ببراكتو، عندما أكون غارقة في النوم يقف علي في المنام، ويقول لي أنا إبراهيم خصك تجي لعندي وجيبي ليا بناتك، لأن إحداهما تعاني مرض الصرع".

ويحكى أن سيدة أتت إلى ضريح مولاي إبراهيم، تعاني من مرض ألم بها على مستوى الرأس، ولم ينفع معه علاج، بعد الكشوفات الطبية، بواسطة السكانير في زيارتها لعدة أطباء اختصاصيين داخل المغرب وخارجه، وعند إخبارها ببركة الولي الصالح، من طرف إحدى صديقاتها ذهبت إليه، وأخذت "سطلا" من ماء البئر الموجودة داخل الضريح، وغسلت به رأسها، فذهب عنها الألم، الذي كانت تشكو منه.

تقول زهور (36 سنة)، من نواحي سيدي بنور، إنها مصابة بالمس الجني "أحس بمرض يثقل كاهلي، وعندما أزور الولي الصالح، مولاي إبراهيم، أشعر بالراحة والطمأنينة، وكنت أتردد عليه منذ صغري".

وتذكر المصادر التاريخية أن الولي الصالح مولاي إبراهيم سليل الشرفاء لمغاريين، فهو مولاي إبراهيم بن مولاي أحمد بن عبد الله بن الحسين الأمغاري، ينتهي نسبه إلى جده أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر إسحاق أمغار الصنهاجي، الذي كان برباط تيط انفطر (عين الفطر)، قرب أزمور، ولقب بطير الجبال لأنه كان يعيش في خلوته الاختيارية بجبل كيك، التي مازالت من أهم المزارات الأثرية بالمنطقة لحد الآن.

نشأ مولاي إبراهيم في بيئة صوفية محضة بزاوية تامصلوحت، التي أسسها جده عبدالله بن الحسين، بتوجيه من شيخه عبد الله الغزواني. وعندما اشتهر أمره وتوسم الناس فيه الخير، اجتمعوا عليه وتتلمذوا على يده، واختار لزاويته منطفة جبلية محصنة، هي جبل كيك، تاركا زاوية تامصلوحت في السهل، حيث أسرته وعصبيته ومريدوه، والده وجده، فشاع ذكره وانتشر أمره، فقصده المريدون من مختلف الجهات.

ومن بين "الكرامات"، التي اشتهر بها، إبعاد الطير المؤذي، أي الطيور التي تهدد الزرع، ومساعدة الرجل والمرأة العاقر كي يرزقا بالخلف. وتقول الرواية إنه كان كريم المائدة، ومقصد كل جائع أو حائر، وما زال حفدته الشرفاء يستقبلون الزوار والضيوف، إذ تحولت الزاوية والفضاءات المجاورة لها إلى أحياء ودكاكين متعددة الخدمات، نظرا للأعداد المتزايدة والمتوافدة على الضريح.

تقول بعض الأساطير إن الولي الصالح مولاي إبراهيم اجتمع لديه في يوم واحد ثلاثون ألف رجل وتسعة آلاف امرأة، فأكرمهم وأطعمهم، جريا على عادة جده ووالده في الإطعام والعطاء الوفير، وساعده في ذلك غناء المنطقة بمراعيها، ومزارعها، وغللها، ومواشيها. وكان يفصل بين الأفراد والقبائل في ما يطرأ بينهم من منازعات شخصية وجماعية حول المياه والمراعي، ومن غريب ما يروى عنه، تركه حلق الشعر والزينة إذا دخل شهر محرم، وإذا وجه إليه لوم على ذلك، قال "ما فعلنا هذا إلا امتعاضا لقتل الحسين"، وفي هذا إحالة على المذهب الشيعي. ومن أقواله المأثورة "لا يأتينا إلا من آمنه الله، إن مقامنا هذا مقام إبراهيم الخليل، ومن دخله كان آمنا، دارنا دار سر، لا دار علم".

ومن بين الطقوس والعادات، التي يعرفها الضريح، كما يؤكد محافظ وممثل شرفاء الضريح، مولاي الصديق لمغاري، تلاوة القرآن الكريم، والأمداح النبوية من طرف طلبة مدرسة مولاي إبراهيم المجاورة للضريح، ابتداء من صلاة العصر إلى صلاة المغرب، وخلال الصباح ترديد "دلائل الخيرات"، من طرف مجموعة من الشرفاء، أحفاد مولاي إبراهيم. إلا أن أهم مناسبة دينية يعرفها الضريح، الاحتفال بعيد المولد النبوي، حسب عادات وطقوس خاصة، إذ يقام احتفال كبير يقصده الزوار من داخل المغرب وخارجه، يستمر حوالي أسبوع، ويختتم بذبح ناقة في اليوم السابع، بحضور مسؤولي وأعيان المنطقة وممثلي السلطات المحلية، وعلى رأسهم عامل إقليم تحناوت.

غادرنا المكان وأذهاننا تعج بالكثير من الأسئلة، التي لم نجد لها جوابا، وفي طريق عودتنا فاجأنا رجل في الأربعين من عمره، يحمل فوق عنقه شاة ويدخل إلى الضريح، ثم أخذ يطوف حوله، تبركا واحتفالا بابنته العاقر، التي أصبحت تلد، إذ يشاع عند العامة أن زيارة مولاي إبراهيم تساعد المرأة العاقر على الإنجاب، وهو الدور الذي كان معروفا لعبد الله بن الحسين بتمصلوحت.

واشتهرت زاوية الولي مولاي إبراهيم بكونها محلا لقضاء الحاجات، ومقصدا لكل خائف أو حائر أو مريض، يجد فيها الإنصاف والطعام والتربية الروحية، واستمرت في النهوض بهذا الدور، بعد وفاة مولاي إبراهيم لمغاري، تدعمها ظهائر التوقير والاحترام، التي كانت تتلقاها من سلاطين الدولة العلوية.

إلا أن الزاوية تخلت في العقود الأخيرة عن هذه الأدوار التربوية الروحية، لتصبح مجرد مركز اصطيافي، إذ يضطر سكان المنطقة، في غياب الاهتمام بهم، إلى امتهان حرف وخدمات لا تخرج عن نطاق زيارة الضريح، وما يرتبط به، خاصة في فصل الصيف، الذي يعرف إقبالا منقطع النظير للزوار، وتعرف فيه السياحة الداخلية انتعاشا كبيرا، سواء من قبل المغاربة الوافدين من مختلف الأقاليم، أو من الجالية المغربية المقيمة بالخارج.




تابعونا على فيسبوك