أمهات عازبات يتشبثن بالحياة بإرادة على تخطي الصدمة والإحساس بالذنب والانطواء

الثلاثاء 12 غشت 2008 - 09:55

تحاول زهرة أن تتكيف مع وضعها الجديد كأم خارج مؤسسة الزواج، وتبدي استعدادها لتتعلم مهنة لتتمكن من إيجاد عمل، وإعالة رضيعتها ذات الخمسة أشهر، بعد أن عانت "فضيحة"، وباتت ليلتين في الشارع صحبة الرضيعة بلا طعام.

تعتبر زهرة ك (19 سنة)، نفسها محظوظة، لأن إحدى النساء دلتها، وهي ضائعة في الشارع تحمل رضيعتها، على مقر جمعية "التضامن النسوي"، التي تساعدها على تربية رضيعتها، وتعليمها القراءة ومهنة لتتمكن من البحث عن عمل، بعد مغادرتها مقر الجمعية، بعد نحو سنتين ونصف السنة.

تقول زهرة، وهي تحاول نسيان مرارتها "كنت في وضعية جد صعبة. تعرفت على شخص عندما كنت أعمل لدى أسرة كخادمة. أحببته، ولما حملت قال لي: تحملي مسؤوليتك وحدك".

توجهت زهرة، النحيفة، إلى بيت أسرتها في وسط البلاد، إلى أن فاجأها المخاض، وفاجأت بدورها أهلها، إذ لم تكن بطنها بارزة. قالت "صعقت أمي، وساعدتني على الوضع صحبة أختي، من دون علم أبي، وهرباني عند أختي في الدار البيضاء، التي رفضت استقبالي خوفا من زوجها، فوجدت نفسي في الشارع".

ورغم أن زهرة تتذكر تلك اللحظات بكثير من المرارة، وحزن عميق في عينيها يفوق سنها بكثير، فإنها تبدي سعادتها عند الحديث عن طفلتها، خاصة أن والد الطفلة أبدى بعض المرونة في الاعتراف بها، بعد وساطات من طرف ناشطات جمعية "التضامن النسوي".

وتقول "لا أريد شيئا. أنا سعيدة بابنتي، وسأكون أسعد إذا اعترف بابنته. لا أريد الزواج منه. لا أريد الزواج أبدا. سأكرس حياتي لتربية ابنتي، وكسب قوتي بالحلال".

وتعتبر سمية إدمان، المساعدة الاجتماعية، أن الجمعية حققت أهدافها، المتمثلة أساسا في خلق التلاحم بين الأمهات العازبات وأطفالهن، كما تساعدهن على تخطي الصدمة والإحساس بالذنب والانطواء، وتجعلهن يقبلن بوضعهن الجديد، وتعلم مهنة، كالخياطة، أو الطبخ، أو التجميل.

وتوفر لهن الجمعية منحة مالية بسيطة أسبوعيا، ليتمكن من تغطية نفقات السكن، كما توفر لهن الطعام مجانا، والرعاية الصحية لهن ولأطفالهن، وتدفع لهن نصف قيمة فواتير الدواء.

وتنسق الجمعية، التي لها ثلاثة مراكز، مساعدات مالية مع مؤسسات خيرية مغربية وأجنبية. كما تتلقى دعما ماليا من بعثات كندا وفرنسا وإسبانيا، وسفارة فلندا وبلجيكا.

وتستقبل الجمعية أكثر من 1000 حالة سنويا، ضمنها رجال يطلبون أيضا مساعدة الجمعية، بعد أن اختفت عشيقاتهن وتخلين عن أطفالهن.

تقول سمية "أول شيء، نحاول إقناع الأم بألا تتخلى عن طفلها، ونحاول إعادة ربطها عاطفيا بالطفل، ونفهمها أن ما حدث لها شيء طبيعي. نحاول أن نزيح عن ذهنها الإحساس الكبير بالذنب. نفهمها بأن عليها أن تتحمل مسؤوليتها، لأنها اختارت ذلك الشخص وأحبته، ونفهمها أنه يتحمل أيضا معها المسؤولية. أي نحاول أن نرسخ لديها القناعة بأنها ضحية ومسؤولة في الوقت نفسه".

كما تقع على عاتق الجمعية مهمة شاقة، هي تسجيل الطفل، في الوقت الذي قد تكذب الأم في المستشفى أو في مركز الشرطة، ولا تدلي باسمها الحقيقي بسبب الخوف، ما يعرقل عملية التسجيل.

وبعد تغيير قانون الأسرة، عام 2003، أصبح بالإمكان ثبوت النسب من دون إثبات الزوجية، أي بمجرد اعتراف الأب ببنوته، من دون حاجة للزواج من الأم، وهي نقطة تسجلها سمية بإيجابية.

وتعتبر جمعية "التضامن النسوي" رائدة في المغرب في مجال العناية بالأمهات العازبات، إذ تحتضن الفتيات اللواتي أنجبن من دون زواج، من سن 15 إلى 25 سنة، وتحتضنهن لمدة ثلاث سنوات، وتدعمهن عن طريق منح ليتمكن من العيش في سكن ملائم، كما تعلمهن حرفا وتساعدهن على رعاية أطفالهن.

وتهدف الجمعية إلى مساعدة الأمهات على عدم التخلي عن أبنائهن، وتجاوز محنتهن النفسية، والعمل على الاعتماد على النفس، وكسب قوتهن وقوت أطفالهن، بعيدا عن شبح ممارسة الدعارة.

وتقول عائشة الشنا، مؤسسة الجمعية، والناشطة المغربية الذائعة الصيت في مجال حقوق المرأة والطفل "نحاول إقناع العائلات بأن بناتهن وقعن في مشكلة نتيجة سذاجتهن، وأهوال المجتمع، وأنهن لسن عاهرات". وتضيف "إذا لم تتسامح معهن عائلاتهن والمجتمع، فإننا ندفعهن، بطريقة أو بأخرى، إلى ممارسة الدعارة لكسب القوت".

ونالت عائشة، التي بدأت نشاطها في مجال حقوق المرأة والطفل، منذ أن كان سنها 16 عاما في الخمسينيات من القرن الماضي، عدة جوائز محلية ودولية، تشجيعا لجهودها في كسر المحظور في مجتمع محافظ، من أبرزها جائزة إليزابيت نورجال الألمانية، في عام 2005.

وتمنح الجائزة سنويا بالتناوب بين امرأة ألمانية وأخرى أجنبية تنشط في مجال مساعدة الأطفال والنساء.

كما شجعها جلالة الملك محمد السادس، في عام 2000، بميدالية شرفية بعد أن تلقت في العام نفسه، تهديدات من طرف إسلاميين بهدر دمها، وأفتى خطباء في المساجد بأنها كافرة وتشجع الرذيلة.

تقول عائشة "ليس الإسلاميون وحدهم من أظهروا لي العداء، بل حتى بعض المثقفين المغاربة، من أطباء ومهندسين ورجال قانون. اصطدمت بعقلية المجتمع المغربي المحافظ، الذي ينطلق من أحكام مسبقة وقاسية".

وترى عائشة أن التخلي عن الأطفال عواقبه وخيمة على المجتمع، لا تتمثل فقط في أن يكون الطفل عدوانيا، أو أن يكون منحرفا، لكن، أيضا "قد يتزوج هذا الطفل عندما يكبر من أخته، كما تتزوج البنت من عمها أو أبيها". وتعطي نماذج بحالات ملموسة.

وتصارع الجمعية من أجل أن يعترف الآباء بأطفالهم، وفي حالات قليلة، التزوج من الأم العازبة ،كما هو شأن حنان.

تبدو حنان (23 عاما) أسعد الفتيات في الجمعية، وهي تلبس خاتم زواج ذهبي "للتفاؤل" بزواج قريب، وتنتظر إذن القاضي ليزوجها لخطيبها، الذي تنكر لها في البداية، عندما حملت منه لتكتشف أنه متزوج من أخرى، ولا يمكنه الزواج منها من دون موافقة المرأة الأولى، تمشيا مع قوانين مدونة الأسرة.

ولا تتوفر لدى نشطاء حقوق المرأة والطفل إحصائيات دقيقة عن عدد الأطفال المتخلى عنهم، لأن العديد من الحالات غير معلنة. وتنشر الصحف أخبار العثور على جثث رضع ملقاة في حاويات أو في أكياس بلاستيكية على قارعة الطريق.

كما تقول سمية إن الظاهرة معقدة الأسباب، تتداخل فيها عوامل اجتماعية واقتصادية وقانونية، بالإضافة إلى العامل الديني والجنسي، مضيفة أن أغلب الأمهات العازبات الوافدات على الجمعية، كن يشتغلن خادمات في البيوت، وتعرضن للتحرش الجنسي، ومستواهن التعليمي متدن أو منعدم.

وجاء في دراسة نشرتها الأمم المتحدة سابقا حول الأمهات العازبات في الدار البيضاء، أن متوسط أعمارهن 26 عاما، وأن أكثر من 40 في المائة منهن أميات.

وتقول عائشة "أنا أدافع عنهن وأقول إن بناتي لسن بعاهرات، لأن اللواتي اخترن هذا الطريق لا يعرفن الخوف، وقادرات على تحمل مسؤوليتهن، والبحث عن كل الحلول".

وعن عدم تقبل المجتمع للظاهرة، ونظرة الناس التي لم تتغير، تقول إنه "مجتمع انفصامي، لماذا بنت الجامعة تعيش حياتها الجنسية كما يحلو لها، وبعد ذلك تصنع بكارة مزيفة للزواج؟ أليست هذه قمة الانفصامية؟".

وتتابع "كيف يرضى الرجل أن يقيم علاقات جنسية مع فتيات في المجتمع ويريد أن تكون زوجته عذراء.. انه مجتمع انفصامي يحتمي وراء ستار الدين والقانون. يريد شيئا ويمارس شيئا آخر".

وتختم عائشة التي تصارع المرض بكثير من التفاؤل والصبر حديثها قائلة "بقدر ما أنا غاضبة من المجتمع المغربي بقدر ما أنا فخورة به، لأنه مجتمع يصارع من أجل التغيير، رغم كل شيء". (رويترز).




تابعونا على فيسبوك