بصراحته المعهودة وطلاقة لسانه، تحدث عبد الإله بنكيران، الأمين العام الجديد لحزب العدالة والتنمية، الذي حل ضيفا على منتدى ماروك سوار "90 دقيقة للإقناع"، عن الأجواء التي جرت فيها أشغال مؤتمر الحزب.
واللحظات المفاجئة التي أوصلته إلى منصب الأمانة العامة. ووصف بنكيران نتائج المؤتمر بأنها غير متوقعة، وقال إن تدخل بسيمة الحقاوي كان منعطفا في سير أشغال المؤتمر. كما تطرق إلى شخصيتي كل من سعد الدين العثماني وعبد الكريم الخطيب.
وعبر ضيف ماروك سوار عن موقفه من فؤاد عالي الهمة، وقال إنه كان البادئ بشن الهجوم على حزب العدالة والتنمية، وأضاف "إننا نعتبره سياسيا عاديا، لكن تخوفنا أن تستغل وسائل الدولة وإمكانياتها في دعمه من الخلف"، الأمر الذي اعتبره بنكيران عودة بالمغرب إلى الوراء، وإلى عهد السعي إلى فرض هيمنة الحزب الوحيد.
من جهة أخرى، اعتبر بنكيران الملكية أساس استقرار المغرب، وقال "على المغاربة أن يساعدوا ملكهم"، وأضاف "إنني كنت وسأبقى دائما من المدافعين عن ملك يسود ويحكم".
وفي معرض الحديث عن تطبيق الشريعة الإسلامية، قال بنكيران إن تعاقدنا مع الناخب سياسي، وإن كان بمرجعية دينية، وزاد موضحا أنه لن حزبه يمنع الناس من الذهاب إلى الشواطئ، مشددا على أن المواطن المغربي في حاجة إلى من يبحث له عن مسكن وشغل، ويوفر له تعليما جيدا، وليس أشياء أخرى. وأكد رفضه لكل مظاهر تدني الأخلاق من أغان هابطة وأفلام ساقطة تثير الغرائز وتمس شعور المغاربة وتؤذي كرامتهم.
وفي حديثه عن صورة الحزب على الصعيد الخارجي، قال بنكيران إن الأميركيين سبقوا الفرنسيين في إجراء الاتصال بحزب العدالة والتنمية، ودعا الفرنسيين والأوروبيين إلى تعاون دائم ومتوازن.
وطمأن الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الفرنكوفونيين والميسورين في المغرب، ودعاهما إلى الانخراط في العمل السياسي ووضع ثقتهم في حزبه، الذي قال إنه لا عداوة بينه وبين اللغة أو نمط العيش، وإنما حربه ستكون ضد الفساد والمفسدين.
في ما يلي نص الحوار.
نرحب بكم السيد بنكيران، ونود أن نتطرق معكم إلى بعض الأمور المتعلقة بالحزب بعد انتخابكم أمينا عاما، وكذا إلى الحراك السياسي الذي تشهده الساحة المغربية في أفق الإعداد للانتخابات الجماعية سنة 2009، وكذا علاقة حزبكم ببعض الأحزاب السياسية.
بداية، هل كنتم تتوقعون فوزكم في المؤتمر الأخير، وهل كان هذا مبتغاكم منذ البداية؟
- كان لدي شعور، منذ بداية الطريق، أن الحياة السياسية صعبة، وبعد أن عملت مع العثماني أربع سنوات وأنهيناها بسلام، لدرجة أنه قبل المؤتمر طلبت منه في اجتماع للأمانة العامة منحي 40 يوما راحة بعد المؤتمر، وكذا تنظيم الاجتماعات صباحا بدل المساء، لأن الاجتماعات المسائية تؤثر علي، كنت دوما أدخل منزلي في العاشرة ليلا، وفي هذا السن أصبحت أشعر بالإرهاق، كما أن التفكير في صلاة الصبح، يجعلك حين تدخل المنزل بعد العاشرة، وتتناول وجبة العشاء، لا تفكر إلا في النوم فقط، وكأنك داخل معركة في الدقائق الأخيرة.
هذا كاف ليدل على أنني لم أكن أترقب وصولي إلى منصب الأمانة العامة، أنا أعتبر المسألة مفاجأة، لكن من جهة أخرى ليست كذلك، لأن العثماني تحمل المسؤولية لمدة عشر سنوات، وكمدير، وكأمين عام، هذه المدة التي تحمل فيها سعد الدين العثماني المسؤولية، جعلت بعض العناصر غير راضية على طريقة تدبيره للحزب.
أنا وعبد الله باها ومحمد يتيم، نحن الأربعة، مهما كنا غير راضين، تعودنا الصبر والتحمل، يجب ألا تنسوا أن العثماني كان "خدام معايا، أنا اللي كنت رئيس الحركة"، كان يسيرها معي لمدة 8 سنوات.
إذن، لا يمكن أن نتشدد في مواقفنا مع العثماني، وإذا تشدد معنا نتركه يعمل من دون رد فعل، وإذا احتاج إلينا نساعده، نحن الثلاثة على الخصوص الفريق القديم، الذي انطلق في 1980، فيما الشباب الآخرون يشتغلون معه مباشرة.
كانت بداية عدم الرضى في 2003، قبل أن أكون أمينا عاما، لكن في 2006 بدأت الأزمة داخل الحزب، وما بين 2006 و2008، تغيرت الأجواء، في 2007، جاءت نتائج الانتخابات غير منتظرة، رغم أنها ليست سيئة، رسخت مكانة العدالة والتنمية كحزب رئيسي، الأول على مستوى الأصوات، والثاني على مستوى المقاعد.
ونوقشت هذه النتائج في المجلس الوطني، وصودق على القوانين التنظيمية في المجلس الوطني الموالي، وكان من الطبيعي أن يقود العثماني الحزب، لكن الأشخاص الذين اشتغلوا مع العثماني والقريبين منه، وليس نحن، كانوا يجهلون هل هم مكلفون أم لا، إنه يتدخل في كل التفاصيل، إن من صفات الرجل المتابعة الدقيقة لكل صغيرة وكبيرة. وخلال المؤتمر الأخير، كل واحد كان يتردد في الحديث أو في توجيه انتقادات، لكن بمجرد تدخل بسيمة الحقاوي، طرأ تحول على المؤتمر، عندما عبرت عن احترامها للعثماني، وسرد ما يمتاز به، وقالت "لكن في هذه المرحلة، لا بد لنا من بنكيران"، حينها طرأ تحول على المؤتمر وتوالت المداخلات المساندة، رغم أنني كنت أتوقع أن يسير تدخلها في الاتجاه المعاكس، وستلقى معارضة من قبل المؤتمرين.
وقبلها كان مصطفى الحيا تدخل، وهو صديق تربطني به علاقة شخصية، قال "أنا مشتت بين قلبي وعقلي، قلبي يقول لي بنكيران، وعقلي يقول لي العثماني، أختار العثماني".
إن مداخلة هذه السيدة كانت تحولا حقيقيا في مجرى المؤتمر.
* لكن الشبيبة لعبت دورا مهما في فوزك بالأمانة العامة؟
- لا، الكل ساهم، الشبيبة والقطاع النسائي، الكل لعب دورا في هذا التحول، بعد تسجيل المؤتمرين ملاحظاتهم، وقع تحول حقيقي، كنت قبل ذلك منشرحا ولا أكثرث لسير الأمور، كأي شخص عاد، لكن عندما شعرت بأن المسؤولية أخذت طريقها باتجاهي، تجمدت، واضطربت، خاصة بعدما بدأ الحديث يروج بقوة عن تقلدي منصب الأمانة العامة، وبعد انطلاق سيل من المداخلات، وقع التحول الكلي، تخيلوا معي أنني كنت أرى الأمانة العامة، في شخص العثماني، الذي كان يلتحق بمكتبه في التاسعة صباحا، ولا يغادره إلا في العاشرة ليلا، أما أنا، فلا أتردد على المقر إلا يومين أو ثلاثة، خاصة الخميس والسبت، وباقي الأيام، على حسب الظروف، وأعمل بشكل مريح. لكن عندما بدأت تقترب مني المسؤولية، شعرت بثقل حقيقي.
* ألم يكن أحد يعلم مسبقا بمضمون العرض، الذي ألقته بسيمة الحقاوي؟
- أنا شخصيا لم أكن أعرف، قلت إن الأمر كان مفاجأة حتى بالنسبة لي، أما بالنسبة لآخرين، فلا أعلم.
* كنتم مستائين من الانتقادات، التي وجهت إلى العثماني أمام الصحافة، وفضلتم لو أن ذلك حدث في إطار مغلق بين أعضاء الحزب؟
- أعتقد أن بعض المداخلات كانت قاسية، تمنيت لو جرت بأسلوب أكثر لباقة، ولا أخفي عنكم أنها كانت جد قاسية، والعثماني لم يرد على التدخلات لسبب بسيط، وشرح لنا ذلك في الصباح الموالي، أثناء أشغال المجلس الوطني، قال شعرت أن شروط العمل مع الفريق انتهت، وترك الحسم للتصويت، وكان سيستغني على من شعر بأن شروط العمل معهم انتهت، ويعوضهم بأشخاص آخرين.
* بصراحة، ما هي الأمور التي تؤاخذ عليها العثماني في تسيير الحزب؟
أنا لا أتكلم معكم إلا بالصراحة، ليس هناك ما نؤاخذ عليه العثماني، ما عدا أن أسلوبه في العمل يتسم بالشدة، وكان يرفض مبدأ تفويض العمل إلى الآخرين، وهذا عكس ما أومن به، فعندما أشعر أن شخصا ما يسير عملا بشكل جيد، أساعده بكل ما أوتيت، لكن إذا كان يسير عمله بشكل سلبي، وهذا لا يحصل معي فقط في الميدان السياسي، بل في مختلف المجالات، أكون بدوري مضطرا للتدخل في مختلف التفاصيل. هناك أخطاء، لكن الأساسي هو التدبير الجيد، وكلما شعرت أن هناك فرصة للعمل مع شخص يسير الأمور بشكل جيد، أعمل إلى جانبه وأساعده، وأفوض له المهمة دون تردد.
* هل هذا هو مفترق الطرق بينك وبين العثماني؟
- ليس لدي مشكل مع السيد العثماني، إنها طريقته في التصرف، فهو يرغب في معرفة تفاصيل الملفات، التي يكلف بها الأشخاص الآخرون، ويتدخل فيها، وهناك أشخاص لا يتحملون هذا الأمر.
* يقول البعض إن علاقة حزب العدالة والتنمية مع الدولة، سيغيب فيها التوتر، لأن بنكيران لا يميل إلى أطروحة الإصلاح السياسي والدستوري، كمدخل للنضال في المغرب، عكس مصطفى الرميد، ما تعليقك؟
- على العموم، المؤتمرون اختاروا بنكيران، متفقين، وسأشرح لكم الآن هذه المسألة، أنا مسكون بهاجس استقرار وأمن البلاد، وحرية المواطن، وأتابع اليوم الحركة الإسلامية في بعض البلدان، التي تسببت في تغييرات سياسية، ولم تكن هي الضحية فقط، بل كان الضحية هو المواطن العادي، لا داعي لإعطاء المثال، لأن الأمثلة كثيرة، فالاستقرار والأمن وحرية المواطن هواجس تسكنني، لهذا ستستنتجون أنني كنت دائما أدافع عن مرتكزات استقرار هذا البلد، وساندت دوما جلالة الملك، وبالنسبة للدولة فإنني أشعر بالضيق عندما أرى أخطاء تتركب، أنا خلقت لأعيش وأحاسب بعد مماتي، إذن فمن واجبي أن أستنكر قدر المستطاع كل ظلم أو فساد، أما مساندتي للملكية فهذه قناعة، إنها العمق الرئيسي لاستقرار المغرب، وأمن وحرية المواطنين، والديمقراطية، لأن الملكية ليست تحكمية وإنما تحكيمية، ووجودها ضروري لضمان استقرار وتوازن القوى الموجودة في البلد، ووضعها على جادة الطريق عند كل انحراف أو ظلم أو جور.
* كيف تنظرون إلى التحركات التي يقوم بها فؤاد عالي الهمة، وهل ترون في شخصه فاعلا سياسيا عاديا أم غير ذلك مما لا يتوفر لدى الأحزاب الأخرى؟
- إذا كان الهمة سياسيا عاديا، ليس هناك ما يدعو لأي قلق، لكن قبل كل شيء، هو شخص أتى إلى عالم السياسة برصيد سلطوي، يقول إنه صديق الملك ودرس معه، ومر بوزارة الداخلية وله علاقات، إنها أمور تتعلق به، لكن ما يدعو إلى القلق، هو أن تقف الدولة خلفه بوسائلها المادية والمعنوية، وتقدم له الدعم على حساب الديمقراطية والمصلحة العامة.
* هل ساهمت مواجهتكم للهمة في الرفع من شعبيتكم وساعدتكم في الوصول إلى منصب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية؟
- ساعدتني على الوصول إلى مزيد من "تمارة"، قلت لكم أنا إنسان مؤمن بالله تعالى، وما حصل في المؤتمر هو من أمر الله، وأفصحت لكم عن الأجواء التي جرت فيها الانتخابات، وما عليكم إلا أن تسألوا الناخبين لماذا صوتوا على بنكيران، والآن، عندما تهجم علينا فؤاد عالي الهمة في القناة الثانية، كان البادئ، وقيل لنا إن هجومه لم يكن متعمدا، لكن ما يهم اليوم هو: هل جاء الهمة كي يعيدنا إلى الوراء، إلى عهد السعي لفرض هيمنة الحزب الوحيد؟
لقد قرر الحزب أن يرد على تدخله في القناة الثانية، وأجابه عبد العزيز الرباح بلباقة دون أن يعطي لتهجمه قيمة، وكان ذلك حسب توجيهات الأمين العام، ولو ذهبت أنا، كنت سأجيبه وأكيل له الصاع صاعين، لأنه من العيب أن يأتي شخص ويشتم المغاربة، ويعتبر 600 ألف مصوت على العدالة والتنمية مجرد هوامش، ونعتهم بصفات قبيحة، نعم كانت لدينا علاقات طيبة، وسبق أن التقينا مرات عدة، اتفقنا واختلفنا، لكن تصريحه استفزني، لا أخفيكم سرا، لو كلفت بالرد عليه حينها، كنت "غادي نتكرفس عليه"، هذا ما دفع الإخوان في الأمانة العامة إلى إيفاد الرباح بدلا مني، ليس لأن الرباح أقل مستوى، لكن طريقة الرد عنده مختلفة.
من جهة أخرى، استمرت حركته في التهجم علينا، و"مابغاتش تتوب لله"، وهو الآن يدخل في جدل مع مصطفى الرميد، وكان عليه أن يقرأ الخط السياسي للحزب بدل آراء الأشخاص.
وبعد ذلك، في برنامج حوار بالقناة الأولى، تحدثت عنه باختصار، الأمر الذي أعجب به الناس، لأنني تكلمت عنه كسياسي عاد، وبالفعل إنه سياسي عاد، من الممكن أن يكون هناك رجال يساعدونه في الخفاء، لكن هذا لا يهمني، وسأواجهه بكل ما أوتيت من قوة.
*لنعد إلى المؤتمر، قلتم إن تدخل بسيمة حقاوي كان نقطة تحول في المؤتمر، وما هو الدور الذي قام به عزيز الرباح؟
- تدخل عزيز الرباح جاء متأخرا، في نهاية التدخلات، ولا يجب أن يظن الناس أن النساء يصوتن مع بسيمة والشباب مع الرباح، هذه مغالطة، وسأشرح لك لماذا تدخل الرباح في آخر اللائحة، لأنه كان مرشحا، وانسحب إلى جانب مصطفى الرميد ولحسن الداودي، لأن القانون المنظم يمنح المرشحين الحق في التدخل، لكن في آخر اللائحة، وبعد انتهاء التدخلات، طلبت الرئاسة بفتح لائحة جديدة، فرفض المؤتمرون، لكن اقترح عليهم أن يتدخل ثلاثة لم يسجلوا أنفسهم لأنهم كانوا مرشحين للأمانة العامة، وسحبوا ترشيحاتهم، الرباح والداودي والناجي، فتناول الثلاثة الكلمة، اثنان سارا في اتجاه القاعة وسناداني، والداودي، لم يتدخل في البداية، لأنه كان يعتبر الأمر محسوما، لكن عندما تابع النقاش، فوجئ وصعد، ليبعث آخر رصاصاته، ولأن الداودي لم يكن معنا في الحركة، إذ جاء مباشرة إلى الحزب، وكان متخوفا أن يقع الحزب في مشاكل حين أتحمل المسؤولية، ما جعل تدخله يصب في اتجاه العثماني.
* ولكن يقال إن للرباح دورا كبيرا في فوزكم بمنصب الأمين العام؟
- ما عليكم سوى أن تستدعوه إلى منتدى 90 دقيقة للإقناع واسألوه بدوره؟
* يصنف البعض الدكتور العثماني بصفته قائدا إداريا للحزب، بينما يعتبر عبد الإله بنكيران زعيما بميزة ثورية وهجومية، إلى أي حد يعتبر هذا التصنيف صحيحا؟
- سأقول لكم شيئا، لننصف العثماني، الذي قام بأمرين مهمين، أولا إن الحزب لم يكن في وضعية سهلة، لأننا كنا قبالة رجل من ذهب، كنز اكتشفناه في المغرب، هو الدكتور عبد الكريم الخطيب، وهو معروف خارج المغرب، فيما نجهله نحن. شخصيا لم يسبق لي أن تعرفت عليه باستثناء لقاء في مناسبة عائلية، وعندما منعنا من تأسيس حزب التجديد الوطني، طرحنا السؤال التالي، هل نلجأ إلى القضاء أو البحث عن حل، فمال الرأي إلى الحل الثاني، لأن المحكمة تأخذ وقتا طويلا. ولجأنا إلى الدكتور الخطيب، إنه شخص موهوب، وإذا توقفت عنده الأمور تتوقف بشكل نهائي، ولا يمكن أن تختلف معه أو تصوت ضد قراراته، كان القائد وكل شيء، ونحن كنا مجرد ضيوف، هذه هي الحقيقة.
أنا اختلفت مع الدكتور في 1996 حين دعوت أنا إلى التصويت بنعم على الدستور، فيما كان رأيه ألا نصوت، لا بـ "لا"، ولا بـ "نعم"، وكان الخلاف قويا، واضطربت العلاقة بيننا.
في الانتخابات المحلية لسنة 1997 رفض المشاركة، وشاركنا بحوالي ألف مرشح في إطار اللامنتمين، وحصلنا على حوالي 120 مقعدا، وكان سبب رفض الخطيب هو تخوفه من أن يجري التلاعب بنا.
فمن أجل قيادة الأمور إلى جانب الدكتور الخطيب، وحتى سنة 2004، كان لا بد من رجل ذي وزن ثقيل، وهذا الرجل كان هو الدكتور سعد الدين العثماني، وبكل صدق، لو توليت المهمة في تلك المرحلة، لن أتمكن من النجاح، لقد كان حول الدكتور الخطيب أشخاص، ما شاء الله، وبفضل دبلوماسية العثماني، تمكن من مسايرتهم حتى صرفهم الله، وهذا أمر تطلب الكثير من المرونة والليونة والحكمة. وهناك نقطة أخرى، وهي أن للسيد العثماني دورا مهما في إشراقة صورة الحزب على الصعيد الخارجي.
ما يجب ألا ننساه أنه كان من الطبيعي أن يقع ما حدث، لأن العثماني سير الحزب منذ حوالي عشر سنوات، ويجب ألا ننسى أيضا أن العثماني في 2004 حصل على 1250 صوتا، وأنا حصلت على 250 صوتا، إذن، رصيد سعد الدين العثماني جد مشرف، وأتمنى أن أخرج برصيد مشرف مثله.
وفي ما يخص قولكم إنني ذو نزعة هجومية، سأقول لكم أمرا، أنا إنسان مسالم، وإذا تهجم علي شخص ما يكون لي رد فعل مفاجئ، وأعطيكم مثلا، منذ تحملت المسؤولية، وأنا أرسل الورود إلى الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال والحركة الشعبية، هذه عادة تعودت عليها منذ صغري.
وأنا أهاجم كرد فعل، مثلا كنت في فاس، رفقة ابن خالي، واعترض سبيلنا مجموعة من الأشخاص، لم أكن قويا، لكني قاومتهم بما أبدى العجب لديهم.
إنني من الذين يدافعون على الأخلاق، ويجب أن تمارس السياسة بأخلاق عالية، أما الذي يتصرف بلا أخلاق، فسيؤدي الثمن، مشكل السياسة في المغرب أن وسائل الدولة استغلت في خلق أحزاب تتكون من أشخاص لا يهدفون إلا لتحقيق مصالحهم الخاصة. وإذا أردتم أن نتحدث عن موقعنا نحن، في العدالة والتنمية، أقول لكم إن لدينا أشخاصا يحملون أفكارا سياسية ويؤمنون بخط إيديولوجي، ويمتازون بالطهر النضالي، ويمارسون السياسة للزحف الديمقراطي نحو الحكم، هذه ليست عبارتي، لكن أخذتها من تجربتي السابقة في الشبيبة الاتحادية، وبالمناسبة، أنا لم أنضو يوما لا في منظمة 23 مارس ولا منظمة إلى الأمام، شاركت في تظاهرات كتلميذ بشكل عاد، كمهتم لا كمنضو، مررت من الشبيبة المدرسية القطاع الموازي للشبيبة الاستقلالية، كما مررت من الشبيبة الاتحادية، قلت الزحف الديمقراطي نحو الحكم، ما يعني أن الهدف أو الغاية الحقيقية هي الحكومة وليس السلطة أو الحكم، في المقابل هناك أحزاب سياسية (إدارية)، لكن حقيقتها غير ذلك، لأنها تضم مجموعة من الموظفين لا السياسيين، مثلا التجمع الوطني للأحرار لم يتأسس إلا بعد نجاح مجموعة من البرلمانيين ترشحوا لامنتمين، وكانوا يسمون حينها المرشحين الأحرار، ومنحت لهم ورقة التصويت وكانت بيضاء، فنحن قدمنا من النضال، أما الآخرون فقد صنعوا.
* هل تعتبرون حركة الهمة ضمن الأحزاب المصنوعة، وأنها لا تتوفر على مناضلين، وإنما على موظفين؟
- هناك سؤال لا بد من طرحه، وهو هل السي عالي الهمة جاء لمواجهتنا، أم لإصلاح البلاد، لقد فشل في مواجهتنا، ومن المستحيل أن ينجح في المهمة الثانية بواسطة حزب لن يكون كبيرا مهما بلغ عدد أعضائه، لأن أغلب الذين يلتحقون بهذه الهيئة لهم أهداف شخصية، والجميع يعرف هذا الأمر.
* الملاحظ أن التقارب الإيديولوجي بين حزبكم العدالة والتنمية وحزب الاستقلال أقرب بالمقارنة مع أحزاب أخرى، لكن مع ذلك هناك تنافر بدل التحالف، في حين نجدكم تلمحون إلى التحالف مع حزب الاتحاد الاشتراكي، هل هو رد فعل على تصريح إدريس لشكر، أم مخطط استراتيجي، أم ماذا؟
- أحببنا أم كرهنا نحن وحزب الاستقلال ننتمي إلى جذور واحدة أنشأتنا، إننا نحس بأن علال الفاسي رحمه الله أقرب إلينا منهم، وأنا لا أريد أن أؤاخذهم، لكن حزب الاستقلال يقول إنه منسجم داخل الحكومة، ويقودها، ونحن في المعارضة، وكما يقول المثل إن كل طائر يهوي إلى مثله، عندما رأى الناس غرابا وحمامة مجتمعين، تساءلوا، كيف وهذا وغراب وتلك حمامة، وتقولون إن كل طائر يهوي إلى مثله، ولما تفحصوا الأمر وجدوا أن الغراب والحمامة مكسوران من ساقيهما.
إن الاتحاد الاشتراكي بدوره في الحكومة، ولكنه ليس مرتاحا، لقد كان توجهه منذ البداية يساريا، وكان يتصور أنه سيكون الفائز الأول، وربما قيل له ذلك، واختار أن يواجهنا، وكل ذلك أساء إلى سمعته، وعندما جرت الانتخابات جاء في المرتبة الخامسة، ومع ذلك قرر أن يشارك في الحكومة، وهذا أمر آخر ساهم في إضعافه، حتى في عيون مناضليه. لقد كانت مشاركته في الحكومة على عهد السيد عبد الرحمان اليوسفي منطقية، كما كانت مقبولة على عهد إدريس جطو، لأنه كان حصل على المرتبة الأولى، أما خلال هذه الحكومة، فوجوده فيها أساء إليه أكثر من أي شيء آخر.
هذا حسب اعتقاداتي الشخصية، فأنا لا أملك نصائح أقدمها لحزب الاتحاد الاشتراكي، ولكن ما هو مؤكد أن الاتحاديين الآن في الحكومة، ويعبرون عن عدم رضاهم، ويعبرون على ذلك، بكون الحزب تعرض للخداع. السيد إدريس لشكر يقول "إننا خدعنا"، من الذي خدعهم؟ الله أعلم، لكن ما يجب ألا نغفله، هو أن حزبا بحجم الاتحاد الاشتراكي، رغم الظروف الصعبة التي يمر بها، لا يمكن أن نستهين به، إنه حزب كبير، وحزب حقيقي، وحزب صلب، وحزب تاريخي "ماشي اللعب".
بالنسبة لنا نحن في العدالة والتنمية، عندما تطرح خيارات التحالف مع هذا الحزب أو التنسيق معه أو التعاون معه، في اتجاه انتخابات 2009، فإذا قامت السلطة بحماقة، ودعمت السيد الهمة، سيكون من المنطقي جدا أن نقف جنبا إلى جنب مع الاتحاد الاشتراكي وغيره من الأحزاب، التي لا ترضى بالحيف والزور.
* لكن ما نلاحظه هو أنكم في حزبي العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي لا تتحدثان عن التحالف والتنسيق إلا عندما يتعلق الأمر بمواجهة الهمة، هل تعتبرون هذا الأمر سليما؟
- إنه أمر عاد جدا في السياسة، الآن يقود ألمانيا حزبان أحدهما اشتراكي والآخر ليبرالي، إن ما يهم هو مصلحة البلد، وحماية الديمقراطية من المال الحرام ونفوذ السلطة، فإذا نسقنا مع حزب الاتحاد الاشتراكي وحصلنا على نتائج جيدة في أفق انتخابات 2009 بما يضمن مصالح السكان، سيكون ذلك أمرا إيجابيا.
بالنسبة لي أصاب بالمرض عندما أرى أن السياسة تمارس بحسابات شخصية، عندما صرت أمينا عاما للحزب، أول ما انتابني هو تشكيلة المكتب، وهنا أقول لكم بكل صراحة، إنني فكرت في أولئك الذين كانوا يملأون جنبات المؤتمرات بالاحتجاج و"الصداع"، وقلت في نفسي إنها فرصة لهم كي يجربوا العمل من موقع المسؤولية، وليعمل الجميع في انسجام ولو في نطاق الحد الأدنى من التفاهم.
ونحن في المغرب، أعتقد أننا لم نصل بعد إلى مرحلة التأثيث والتزيين، إننا ما زلنا في طور الأوراش الكبرى، وهي مرحلة يسهل حصول الاتفاق بشأنها، إنها من اختصاص المهندسين، وعندما ننتهي من مرحلة البناء، تأتي مرحلة التأثيث، وهنا يمكن للمرء أن يختار ما يشاء من أصناف الموضة وأشكال التأثيث، العربي والغربي، حسب الأذواق.
في ما يتعلق بالآفاق المستقبلية مع حزب الاتحاد الاشتراكي، أسجل بتقدير اتصال التهنئة الذي تلقيناه منهم في اليوم الثالث من انعقاد مؤتمرنا، وأعتبر أن هناك تفاهما على مستوى القواعد، يمكن أن يقود إلى علاقات أفضل، ويمكن أن يتطور حتى نصل إلى درجة الحلفاء، إننا منفتحون على كل خيارات التعاون، لقد تواجهنا في الماضي بشأن المهرجانات أو أمور مشابهة، ولكن ظلت يدنا ممدودة إلى حزب الاتحاد الاشتراكي طوال الطريق، إنه أمر غريب، ولكنها حقيقة.
* هل التحالف المنشود مع حزب الاتحاد الاشتراكي خيار استراتيجي بالنسبة لكم أم أنه مجرد مخطط مرحلي؟
- لننتبه جيدا، إننا في بلد تواجهه مجموعة من التحديات، ويجب أن نكون واعين بالأخطار التي تهدد مصالح بلدنا، هناك أشخاص، وهذا أمر طبيعي، لا يريدون وصول الأحزاب الجادة، التي تريد الخير لهذا البلد، إلى مواقع التسيير، وذلك خوفا من تعرض مصالحهم الخاصة إلى الزوال، فنحن، ومعنا حزب الاتحاد الاشتراكي وأي حزب آخر، إذا كانت هناك رغبة في مواجهة من يعيقون مصلحة البلد، سوف نصل على الأقل إلى التخفيف من تأثيرهم السلبي على البلاد، لن نتمكن من القضاء الكلي عليهم، إنهم يشكلون قوة والأقوياء يبقون أقوياء، إننا في بلد الغلبة، رغم أننا في المغرب، والحمد لله، هناك تطور وهناك ديمقراطية مقارنة مع بلدان كثيرة، فإذا وجدنا من يساعدنا على مكافحة هؤلاء النفعيين والوصوليين، سيكون الأمر جيدا.
* بنكيران معروف بخطابه الأخلاقي المتشدد أحيانا، متخصص في محاربة المهرجانات التي تنظم في المدن، وانتقد الموسيقى الشبابية وهاجم فيلم "ماروك"، كما هاجم مصورة صحافية من القناة الثانية في البرلمان، لأنها كانت ترتدي لباسا لم يرقه، كما كان هاجم بشدة المغاربة الذين يدرسون في مدارس البعثات الأجنبية، خاصة الفرنسية، ووصفهم بأنهم غير مغاربة؟
- هذا هراء وافتراء، لم أتدخل قط في موضوع البعثات التعليمية الأجنبية، صحيح أن أولادي لا يدرسون في مدارس البعثة، ولكن أبناء كل عائلتي يدرسون في هذه المدارس، أنا لا أكره أن يدرس كل أبناء المغاربة في المدارس الوطنية، ولكن لنكن موضوعيين، فأبناؤنا الذين درسوا في البعثات الأجنبية أفادوا الوطن بطريقة أو بأخرى، إضافة إلى ذلك لست من تحدث في هذا الموضوع في البرلمان، الذي تعرض للتحوير وراجت بشأنه معلومات مغلوطة.
وفي موضوع الصحافية المصورة بالقناة الثانية أمينة خباب، لم أتحدث معها إطلاقا، كنت تحدثت إلى رئيس الجلسة، اعتقادا مني أن برلماننا يتوفر على قانون يشترط شكلا معينا من اللباس قبل الدخول إليه، وحاولت أن أوجه انتباه رئيس الجلسة إلى هذا الموضوع، لكن الأمر أخذ أبعادا أخرى، وحورته جهات معينة حسب شهوتها لإثارة الضجة التي أرادتها.
أما في ما يخض موضوع المهرجانات، يجب أن تعلموا أنني لست إطلاقا ضد فكرة تنظيمها، إنني أدعم المهرجانات التي أرى فيها السمو والموسيقى، وأعرف أن فيها إيجابيات، لكن عندما يتعلق الأمر بالمهرجانات الهابطة، وأقصد تلك التي تستقدم ما يسمى بفنانات، مثل نانسي عجرم وهيفاء وهبي، قيل لي إن لا أصوات لهن، باستثناء الإثارة الجسدية، لإثارة الغرائز وتخدير الناس، فهذه أشياء سنحاربها، ولا يمكن أن تقنعني بأنك تريد الخير لهذا البلد. أما إذا تعلق الأمر بمارسيل خليفة أو عبد الهادي بلخياط، أو حتى بأصوات من الجيل الجديد ذات قيمة فنية، سأكون أول من يدعمها.
إنني لم أتحدث عن المهرجانات من المنظور الذي تعتقدون، تكلمت عن شكايات مواطنين جرى تنظيم مهرجانات قرب منازلهم، وتضرروا بسبب الضجيج والمشاجرات والسكر العلني والمشاهد المشينة، إنني لم أتحدث عن الموسيقى الشبابية، حاشى لله، أنا لا أعرف حتى ما يقولون، ولأؤكد لكم، فقد أردت أن أسلم ملفا في الموضوع إلى وزير الداخلية، لكن للأسف لم يأخذه مني، لسبب واحد، قال لي إنه يتوفر عليه فوق مكتبه.
أما في ما يتعلق بفيلم "ماروك"، أريد أن أسألكم: هل لديكم الشجاعة لتقولوا لي كيف يكتب اسم "ماروك"؟ إنهم كتبوه بتشديد الراء، على وزن "ماروك" و"كحل الراس"، وهذه أول سبة في هذا الفيلم توجه إلى 30 مليون مغربية ومغربي، ثم تأتي بلقطات تتضمن الدعارة ولقطات أخرى تحتوي على مشاهد يتقدم فيها من أسموه باليهودي وهو يضع نجمة داوود على صدر فتاة يتأهب لممارسة الجنس معها، وتريدني أن أبقى صامتا، قولوا لي، على أي شيء تدافعون؟ شخصيا هذه أمور لا تعجبني، وهي إهانة للشعب المغربي، وللشعب الفلسطيني، الذي تربطنا به أواصر قوية، ففي الوقت الذي يقتل فيه الأطفال والنساء في الضفة الغربية، وتحاصر غزة، ويمنع مئات الآلاف من اللاجئين من العودة إلى أراضيهم، تطلب من بنكيران أن يدافع عن فيلم "ماروك"، هذا وهم، سأظل دائما ضد هذا النوع من الأفلام، إضافة إلى ذلك لقد رفض المركز السينمائي المغربي في أول الأمر تقديم الدعم لهذا الفيلم، لكن بعد تدخل جهات فاسدة ومتصهينة حصل على ما يريد، اعتقادا منها أنه بهذه الأفلام، وبمغنيات مثل نانسي وهيفاء، يمكن محاربة الحركات الإسلامية، إنهم سيأتون بمزيد من أفلام البورنو وغيرها من الظواهر والمنكرات، ولن يصلوا إلى أي نتيجة، إذا أرادوا أن يهزموا الحركات الإسلامية، عليهم أن يواجهوها بالعمل الجاد وبالأخلاق العالية وبالإنصاف للناس، عندئذ لن يكون المجتمع بحاجة إلى الحركات الإسلامية، أما باعتماد المهرجانات الساقطة وأفلام البورنو، فلن يدفعوا الناس إلا إلى مزيد من التكاثف حول هذه الحركات، والذهاب إلى المساجد، ولأطمئنكم، فالناس الذين يتجمهرون حول المهرجانات، ستجدهم غدا في صلاة التراويح، ولست أنا من يمسكهم ويقودهم إلى الصلاة خلف القزابري.
إن المغرب تغير، ولا أعتقد أن أحدا منا يقبل أن يصحب ابنه أو ابنته لمشاهدة فلم "ماروك"، ولو فعل ذلك سيكون راضيا لأن يحصل لابنته أو أخته ما يحصل هناك.
* قلت في حوار مع صحيفة لوموند الفرنسية نشر يوم الثلاثاء، إنكم في حالة تحملكم للوزارة الأولى لن تطبقوا الشريعة الإسلامية، وسؤالي إذا تحملتم مسؤولية مجلس جماعي بالأغلبية المطلقة بمدينة سياحية شاطئية، هل ستمنعون الاختلاط في الشاطئ، وتغلقون الحانات، وتمنعون الأنشطة الغنائية والمهرجانات؟
- أولا نحن حزب سياسي، صحيح أن مرجعيتنا إسلامية، وعبر الحركة الإسلامية ولجنا باب السياسة، لكن الذي حدث هو أننا عندما باشرنا العمل السياسي، وجدنا أن مشاكل المغرب، تكمن في التدبير، وليس في تغيير الجو، وتكمن في البطالة والتعليم والقضاء والصحة والإدارة، صحيح عندما تكون بمفردك تنظر إلى الأمور من زاوية إيديولوجية، ولكن عندما تباشر العمل السياسي، إذا لم تتوفر على حلول لهذه المشاكل، عليك بالانصراف. ولهذا، فبرنامجنا السياسي ليس فيه ما يشير بتاتا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية.
هناك أيضا عنصر آخر، وهو أن العالم تغير، وهذه حقيقة أشار إليها القرآن الكريم، وليست مشكلة خاصة ببنكيران أو بالعدالة والتنمية، إن مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية تهم علماء المسلمين، وحكام المسلمين، وعموم مثقفي الأمة الإسلامية، وعليهم أن يطرحوها على أنفسهم ويجدوا الجواب، وليس نحن، إننا مجرد حزب يسعى إلى التخفيف قدر الإمكان عن الشعب المغربي المشاكل التي يواجهها، هل المواطن المغربي ينتظر مني أن أمنعه من الذهاب إلى الحانة أم ينتظر أن أجد له مسكنا يؤويه من التشرد؟
إن الناس عندما صوتوا علينا، لم يفعلوا ذلك لشيء آخر، سوى أنهم أملوا أن تكون التربية الدينية والأخلاقية، التي تشكل مرجعيتنا، سببا كافيا لأن نحافظ على الأمانة إلى أن يثبت العكس، وسيكون من الخيانة أن تأتي من أجل سبب، وتطبق أشياء أخرى.
هناك أمر آخر يجب أن ننبه الناس إليه، وهو عندما يتعرضون إلى قولة عثمان بن عفان رضي الله عنه، بقوله إن "الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، يفسرون ذلك بوجوب دور الدولة في تغيير الواقع، لكن ينسون أن الأساس أن الله يزع بالقرآن ما لا يزع بالسلطان، وأن أساس التغيير في الدين داخلي، وليس خارجيا، ولهذا عندما يمنع الإسلام السرقة، فالناس لا يسرقون لأن الأساس هو النهي بالقرآن، وتبقى القلة القليلة التي ستسرق، يمكن ردعها بالسلطان، كما أن هناك شروطا كثيرة تتعلق بإقامة الحد حتى بالنسبة إلى الزنا، وأن العقاب يتطلب شهادة أربعة أشخاص عدول غير معروفين بالكذب يقرون بأن جسدي المتهمين كانا ملتصقين بحيث لا مجال لسحب خيط بينهما.
إن الإسلام لا يبحث عن الجريمة، مثلما هو الحال في قانوننا عندما يذهب شخص ويخبر وكيل الملك بوجود شخص وامرأة في بيت، فالأمر لا يهمك، اللهم إذا بلغ الأمر حد الاستفزاز والجهر بالمنكر.
أما في ما يتعلق بالشواطئ، وهنا سأثير مسألة مهمة تتعلق بحرية الشخص، إن العالم اليوم يتجه بشكل لا رجعة فيه نحو الحرية، فإذا كانت هناك شريحة تريد أن تذهب إلى الشاطئ وتستحم كبقية عباد الله دون أن تتعرى، وتفصل بين مكان النساء والرجال، من حقها ذلك، وهذا أيضا يدخل في صلب الحرية الشخصية، لقد حصل هذا في شاطئ مارتيل، واسمحوا لي بالقول إنني شخصيا لا أريد أن تذهب زوجتي إلى شاطئ مختلط، ولا هي تريد ذلك، فلماذا نحرم هذه الشريحة من الشاطئ. أما بالنسبة لمن يريد أن يذهب إلى شواطئ مختلطة، فلم ولن أمنع أحدا من ذلك، إلا في الأمور التي فيها مجاهرة وتحد.
وهناك نقطة أخيرة أريد أن أركز عليها، وهي أنه في حال مشاركتنا في الحكومة، فإننا سنفعل ذلك ونحن نعلم مسبقا أن وزارة الداخلية المكلفة بهذه الأمور لا تمنح إلى الأحزاب.
* هل هناك مساع لطمأنة الأوربيين والغرب، وتقريب صورة الحزب منهم، على غرار ما فعله حزب العدالة والتنمية التركي، خاصة أنه سبق لنا في لقاء صحفي مع إدوار والكر أن أشار إلى أنه ليس هناك ما يمنع أميركا من تأييد ودعم حزب إسلامي معتدل مثل العدالة والتنمية، إذا وصل إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، هل أجريتم مباحثات مع مسؤولين أميركيين في هذا الشأن؟
- يستقبل حزب العدالة والتنمية مسؤولين من دول عدة، وبالنسبة إلى الأميركيين حصل أول اتصال عام 1992، وقد سبقوا الفرنسيين، إنهم يرسلون مسؤولين ودبلوماسيين، يأتون بكل تواضع، وينصتون بإمعان، ويريدون أن يعرفوا كل شيء، لكن في ما يتعلق بمساندتهم لنا، إنني أطلب منهم ألا يفعلوا ذلك، ومن الأفضل أن يتركونا لحال سبيلنا.
أما بالنسبة لحزب العدالة والتنمية التركي، فكان أول نجاح حققه في مدينة إسطنبول البالغ عدد سكانها 10 ملايين، وكان تسييره الجيد لأمورها لافتا للانتباه.
بالنسبة لنا إننا ننظر إلى الأمور من خلال الزاوية التالية، فأي حزب يسعى لتسيير شؤون بلدية أو مدينة أو بلد بكامله، سيفعل ذلك في إطار بنيات الدولة العصرية والبنية الكونية، وإنني أفهم ما يفعله الأميركيون، إنهم شركاء سياسيون واقتصاديون في العالم بأسره، وبالنسبة لنا، كحزب، ما يهم هو أن يعرف الجميع أن الحركات الإسلامية تتوفر على مبادئ وآليات لإصلاح أوضاع المجتمع، وهنا يفرض حزب العدالة والتنمية التركي نفسه كنموذج صالح.
أما بالنسبة إلى نفور بعض الأوروبيين وتخوفهم منا، فالأمر يتعلق فقط بتوجسهم من عزمنا الأكيد للدفاع عن مصلحة بلادنا، وأنهم في حال فوزنا سيفقدون الطبقة المتماهية معهم والمتساهلة في ما يتعلق بمصالح بلدها، إنهم لا يهتمون بك أن تكون ديمقراطيا أم لا، فالأهم عندهم أن تسمح لهم باستنزاف خيرات بلدك، فلا يقبلون بأخذ حقهم من الشراكة فحسب، وهناك متواطئون معهم يستفيدون لحسابهم الخاص على حساب مصلحة الوطن.
إننا نحاول أن نشرح للفرنسيين هذا الأمر، وأقول الفرنسيين على وجه الخصوص لأن فرنسا، كما قلت لصحافيين فرنسيين زاروني بالأمس (الثلاثاء المنصرم)، إن فرنسا بالنسبة للمغرب وجهة أساسية، ومن مصلحة كلا البلدين أن يبني المغرب نفسه ديمقراطيا من الداخل، وأن نتعاون بشكل عادل ومتوازن، وأنا متأكد أن الأوربيين، عندما يجدوننا متماسكين ومنسجمين مع مصلحة الوطن، سيكونون مضطرين للسير معنا في الاتجاه الصحيح، وسيكون التوزيع متساويا تقريبا، ولن يكون أبدا بشكل عادل.
* هل يمكن أن نعتبر هذا الموقف من قبيل الوعظ، وأنكم تنظرون إلى الأمور من زاوية معنوية أكثر مما هي براغماتية؟
- أبدا، إنني لا أتحدث من منظور الواعظ، فلو اعتليت منبر الجمعة سأكون واعظا، ولكنني أتحدث هنا كسياسي ينظر إلى مصلحة بلده من زاوية تحقيق أفضل المكتسبات، وإيجاد أنجع الحلول لأزماته. إننا نتخبط في مشاكل تتعلق بالقضاء والتشغيل والتعليم والصحة، ففي ما يتعلق بقطاع العدل وحده، يجب أن نقف عند قاعدة "العدل أساس الملك"، فإصلاحه يتطلب عزما حقيقيا، بالتعاون من القضاة، وليس خارج دائرتهم، فالقضاة بحاجة إلى تحسين أوضاعهم، إنني لا أتصور كيف يمكن أن نطلب من قاض ألا يتلقى الرشوة وراتبه لا يتعدى 4 آلاف درهم.
هناك أمور تسير بشكل موفق مثل قطاع التجهيز، إن وضعنا أفضل بكثير من دول مجاورة لنا، وأنا أشعر بالظلم عندما نقارن بدول من العالم الثالث.
* سبق لكم أن أعلنتم أنكم مع قرار الاحتفاظ بوزارة العدل ضمن وزارات السيادة، التي لا يجب أن تسلم لأحزاب، هل ما زلتم على الرأي نفسه؟
- عندما قال الملك الحسن الثاني، رحمه الله، في أحد خطبه، إنه قرر اعتبار أربع وزارات في خانة السيادة، وأنه لن يسلمها لأحزاب، كتبت برقية أعبر فيها عن تأييدي، لست أدري ما إذا كان توصل بتلك البرقية أم لا. لقد حصل تطور منذ ذلك الوقت، ولكن عندما نشعر بأن المغاربة بلغوا مستوى تسيير الإدارة، بمعزل عن العقلية الحزبية، سيكون الوقت قد حان ليتسلموا الإدارة، أما أن نسلم وزارة الداخلية إلى حزب، ويلجأ إلى اعتقال مناضلي حزب آخر، ويدخلهم السجن، فمن الأفضل أن تبقى ضمن وزارات السيادة.
* إلى متى؟
- بالمقابل أعتبر أن المغرب وصل إلى مرحلة التفويض، لا أعتقد أن جلالة الملك يريد أن يبقي كل هذه الملفات المتشعبة والمعقدة بيده، وأعتقد أن من مصلحة جلالة الملك والملكية والمغرب أن يجري تفويض بعض الأمور، لكن ذلك يجب أن يحصل بالتوافق مع جلالة الملك، وفي الوقت المناسب، لأنه لابد للناس أن يتحملوا المسؤولية، ومع ذلك، أنا لست مع من يقول إن "الملك يجب أن يسود ولا يحكم"، "هذي ما عنديش"، والمغاربة ليس لديهم ما يفعلون بملك لا يحكم، إنهم يريدون ملكا قويا، وإنني مع ملك يحتفظ بالسلطة، وفي الوقت نفسه، أرى أنه من العبء بمكان على الملك أن يتحمل ثقل كل هذه الملفات الدفاع، الداخلية العدل، وأسأل الله تعالى أن يكون في عونه.
وهناك نقطة أخرى يجب أن أشير إليها، وهي أن هذه المؤسسات، التي تطالب بإصلاحات على مستوى اختصاصات الملك، هي التي يجب أن تخضع للإصلاح وليس الملك، ويجب تقديم المساعدات اللازمة لإصلاحها، من خلال أشخاص أكفاء ومخلصين، تصوروا أن عضوا بجماعة محلية قال لأحد ناخبينا إنه لو كان رئيسا لجعل للجماعة عجلات، وأخذها إلى بيته، ماذا تتوقعون من هذا الرجل لو صار مسؤولا؟ كان سيلغي الجماعات، إننا بحاجة لإصلاح الجماعات، وتقديم نماذج حسنة وذات مردودية، وبالمناسبة أدعو السياسيين النظيفين القابعين على هامش الطريق، مثل إخواننا في العدل والإحسان واليسار والأشخاص الميسورين، الذين حققوا نجاحا في حياتهم الخاصة بعرق جبينهم، والمثقفين الشرفاء، أقول لهم إذا تركتم مكانكم شاغرا في الميدان السياسي، لن يملأه سوى الانتهازيون و"البانديا"، وأقول لهم انخرطوا في العمل السياسي، وإذا كان هناك خلل في بلدكم عليكم أن تصلحوه بالتدريج، وساعدوا ملككم على الإصلاح، إننا دولة لها تاريخ ووزن يمتد على 12 قرنا، ومن العيب والعار أن نقارن بدول عربية وإسلامية، هناك دول عظمى وإمبراطوريات كانت تطلب ودنا، مثل العثمانيين والفرنسيين والبريطانيين والأميركيين، الذين كنا أول دولة تعترف بهم.
* اقتربنا من موعد الانتخابات الجماعية، هل تتوقعون أنكم ستكتسحون أكبر عدد من المقاعد؟
- لا يمكن أن نتحدث عن الاكتساح، فحتى بالنسبة لمن كان يقول إن العدالة والتنمية ستحصل على 70 مقعدا في الانتخابات التشريعية، فهذا ليس اكتساحا، هناك اللائحة، ووسائل تحكم أخرى لن تسمح بالاكتساح، إضافة إلى ذلك، لا يمكن لنا أن نحقق نجاحا في البوادي، أما في المدن الكبرى، فيمكن أن نحصل على نتائج مرضية.
* يروج أن "حركة لكل الديمقراطيين"، التي يتزعمها فؤاد عالي الهمة، تجري اتصالات مع أحزاب مثل الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري استعدادا للانتخابات الجماعية، بالمقابل مع من تنسقون تمهيدا لهذه الاستحقاقات؟
- بالنسبة إلى السيد الهمة يتحالف مع من يريد، بالنسبة لنا لا أستطيع أن أقول لكم هل سنختار حلفاءنا قبل أو بعد الانتخابات، إنها مسألة سابقة لأوانها.
* كلمة أخيرة؟
- أعتقد أن حزبنا فرصة لهذا البلد، صحيح أننا انطلقنا من حركة إسلامية، وكما يقول الماركسيون "إذا لم تكن شيوعيا في سن العشرين، ليس لديك قلب، وإذا لم تبق شيوعيا في الأربعين، فليس لديك منطق"، اليوم تحولت هذه الحركة بعد مجهود كبير، وأصبحت تضم شريحة مكونة بطريقة عصرية، وتتوفر على أخلاق جيدة، الآن أرى أنه حان الوقت كي تساهم هذه الشريحة في إعطاء انطلاقة جديدة لهذا البلد، لقد سئمنا من تسجيلنا من قبل المنظمات الدولية في مؤخرة الترتيب على لوائح التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
كما أود أن أوجه كلمة إلى الأشخاص الذين يتحدثون بالفرنسية، وإلى الطبقة الميسورة، التي أعتبرها القاطرة التي تجر البلاد، وأقول لهم جميعا لا داعي للتخوف من حزب العدالة والتنمية، إن هذا الحزب لا يريد سوى الخير لهذا البلد، وأن العدالة الاقتصادية، التي يسعى إليها الحزب، هي في صالح هذه الطبقة، وفي صالح الجميع، وإن مشكلتنا ليست مع اللغة أو أسلوب العيش، إذ أن هدفنا هو إيصال البلد إلى وضع أفضل.