بمجرد ما وصل نبأ الرحيل القاسي، لشاعر الحب والحلم والثورة، محمود درويش، كثيرون منا أحسوا بالصدمة، وبرغبة قوية في عدم التصديق، أو بنبأ جديد قد يأتي، بعد قليل.
أو على حين غرة، مثلما حدث غيرما مرة، يقول معذرة، إن الشاعر ما زال حيا يرزق، أنقذه الأطباء، وعاد قلبه المنهك إلى الخفقان، ليتأبط حياته الملتهبة، ويأتينا، كما في أوراق أشعاره القديمة، ممتدا في ما تبقى من السنديان، يحمله طائران، إلى الجهة الخالية من الأوج والهاوية، لئلا يقول: انتصرت، لئلا يقول: خسرت الرهان. بيد أن الوقت عاندنا وعاكسنا، مضى وجاء ويجيء، والشاعر ذهب إلى خلوته الأبدية.
وعلى التو، تتذكر كرمل درويش، وما شعر وكتب قبل عام، وهو يداري الموت، الذي كان يطرق عليه الباب، فيعانده ويطرده، ثم يعود ليتهيأ له من جديد. في مجلة الكرمل، في مارس 2007، كتب: "إذا قيل لي: ستموت هنا في المساء/فماذا ستفعل في ما تبقّى من الوقت؟/أنظر في ساعة اليد (...)/أُعِدّ غدائي الأخير/أَصبّ النبيذ بكأسين: لي/ولمن سوف يأتي بلا موعد/ثم آخذ قَيْلُولَةً بين حُلْمَين (...)/أمشّط شَعْري، وأرمي القصيدة... هذي القصيدة في سلة المهملات/وألبس أحدث قمصان إيطاليا/وأُشَيّع نفسي بحاشية من كمنجات إسبانيا/ثم أمشي إلى المقبرة!".
تتأمل في الكلمات، وتعود بك الذاكرة إلى سنوات العسف واقتراف لغة الحب والحنين وكتب العشق والخبز والزيت والنور والنوار والخزامى. جيل برمته كان يتغذى بدرويش، وبكلماته العاشقة، التي تغذي فيه الأمل الطافح حتى الموت حبا واشتياقا إلى وطن الأنبياء والشهداء. جيل برمته تعلم من درويش كيف يحب ويحلم بالليل والنهار، بوطن يأتي بزغرودة ولادة جديدة، ليس فيها ما يعكر صفو الحياة والعيش الكريم لكل أهلنا الطيبين، بلا عسف ولا فساد ولا شطط ولا استغلال، جيل تربى على درويش في المدارس ومدرجات الجامعات، وفي المسيرات بالشوارع وبرامج الشبيبات والجمعيات، جيل كان يتنفس درويش رفضا وحبا وأملا وحلما بالثورة، بما تعني الحق في العيش بوطن جديد جميل.
ودائما على التو، تتذكر أحد فرسان ذلك الجيل، فقيد الحركة الديمقراطية المغربية، الجميل المكابر عبد السلام الموذن، تتذكر كلمته عن جيل الانشغالات التافهة، وتمر السنوات، يمر عقدان، يتراجع صوت درويش وشظايا حروفه العاشقة، وتتسلل إلينا، بعلم أو في غفلة منا، كتب صفراء تغذي الحقد والكراهية والتكفير والانغلاق والتزمت، وتتلوى كما الأفعى هنا وهناك، لتصنع أحزمة وقنابل بشرية متفجرة، هي نتيجة طبيعية لجيل الانشغالات التافهة. كم نحتاج اليوم إلى جواز سفر جديد إلى درويش، لنتعلم من جديد أن نمارس الحب العنيد بالوطن الجميل. لم يكن درويش يصنع مغاربة شوفينيين متطرفين متزمتين منغلقين، كان يمنح الشباب حق الاختلاف، والإيمان بمغربنا الأفضل، والأبهى والأجمل. جيل بإمكانه اليوم أن يودع درويش بدموع حرى يذرفها دون خجل...