المغربي والأرض والمغرب الأخضر

الثلاثاء 05 غشت 2008 - 10:17

شدد جلالة الملك، في الخطاب السامي، الذي وجهه جلالته إلى الأمة بمناسبة الذكرى التاسعة لعيد العرش، على الأهمية المركزية لإصلاح وتحديث القطاع الفلاحي بالمغرب.

عبر تمكينه من رؤية واضحة ومدققة بالأرقام، على غرار المخططات الجاري تنفيذها في قطاعات حيوية وواعدة، مثل الصناعة والأوفشورينغ والسياحة والاتصالات والنقل والتجارة.
وركز جلالة الملك على أن الفلاحة لا تشكل قطاعا اقتصاديا واعدا فحسب، وإنما تعد "أحد المقومات الأساسية لهويتنا الحضارية، المتميزة بارتباط المغربي بالأرض"، إذ أن المغرب ظل، على مدى التاريخ، معروفا بطبيعته وهويته الفلاحية، وأكثر من نصف سكانه في البوادي يتعاطون الفلاحة وتربية المواشي.

لكن تطورات الاقتصاد العالمي، في ظل هيمنة اقتصاد السوق وانفتاح الأسواق على بعضها البعض، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، نتيجة لارتفاع الطاقة والمنتوجات الفلاحية، كلها عوامل تدفع الدول إلى مزيد من الاهتمام بالفلاحة، باعتبارها المجال المرتبط بحياة الإنسان وأمنه الغذائي.

ومن هذا المنطلق، وأخذا بالاعتبار المتغيرات الطبيعية، التي يشهدها المغرب، خصوصا توالي سنوات الجفاف، وتزايد حدة ندرة المياه، ما فتئ جلالة الملك يوجه تعليماته السامية، من أجل بلورة وتنفيذ استراتيجية، تهدف إلى "تحديث الفلاحة وعقلنة تدبيرها لكسب رهان الإنتاجية والتنافسية والأمن الغذائي"، وهي الخطة، التي اختار لها جلالة الملك اسم "مخطط المغرب الأخضر"، الذي يشرع حاليا في وضع اللمسات الأخيرة لتكريسه.

وفي هذا السياق، دعا جلالة الملك الحكومة إلى "إطلاق سياسة فلاحية واعدة، بنهج مقاربة تشاورية، إدماجية وتشاركية، وبتمكينها من كافة الوسائل اللازمة للنجاح".

فالفلاحة المغربية، كما يريدها جلالة الملك، يجب أن تواكب مسيرة التحديث وانفتاح الاقتصاد الوطني على الخارج، وفي الوقت ذاته، ينبغي أن تعتمد أساليب عصرية وتشاركية في الإنتاج، أي إجراء قطيعة نهائية مع الأساليب الكلاسيكية العقيمة، التي ترهن نفسها للظروف الطبيعية والمتغيرات المناخية، وقد أصبحت هاجسا كبيرا على المستوى العالمي، وفي البلدان المعتمدة على الفلاحة بالدرجة الأولى.

ومن الآفاق الواعدة التي تفتحها الخطة، التي دعا جلالة الملك إلى الشروع في تفعيلها، أنها تمكن من تحقيق ناتج داخلي خام سنوي يفوق 70 مليار درهم سنويا، وإطلاق موجة جديدة من الاستثمارات تصل قيمتها إلى 10 ملايير درهم، وخلق أزيد من نصف مليون فرصة عمل إضافية، ورفع مداخيل ثلاثة ملايين شخص يعملون في القطاع الفلاحي، بمعدل ضعفين إلى ثلاثة أضعاف، عما هو الحال في الظروف الراهنة.

ولأن الفلاحة مرتبطة بالماء، أكثر من أي وقت، شدد جلالة الملك على خطورة ما يواجه المغرب من صعوبات حقيقية، في مجال تدبير ثروته المائية، وهي صعوبات قد تعيق بثقلها كل مشاريع التنمية البشرية والاقتصادية، إذ البلاد تواجه تحديا كبيرا في هذه المادة الحيوية، نتيجة "تزايد الطلب على الماء، وتعاقب فترات الجفاف، وتقلص مخزون المياه الجوفية، والتبذير اللامسؤول لهذه الثروة الحيوية". لذا، ومن هذا المنطلق، دعا جلالته إلى اعتماد "استراتيجية مضبوطة لرفع هذا التحدي"، تزامنا مع مواصلة سياسة فاعلة لتعبئة وتخزين المياه، وتوسيع دائرة الاستفادة من الماء الشروب، لاسيما في الوسط القروي، كما دعا إلى انبثاق وعي وطني حضاري، في اقتصاد استعمال الماء، باعتباره موردا طبيعيا ثمينا.

تلك هي التوجيهات الملكية الموجهة إلى السلطات المسؤولة، من أجل تحقيق سياسة فلاحية مغربية حديثة، تواكب المنجزات التي يحققها المغرب في مجالات حيوية مماثلة، وتسير على نهج سياسة انفتاح المغرب على العصر والأسواق.

إنها الخطة التي يريد جلالة الملك أن تؤدي إلى تكريم الفلاح المغربي، وتحريره من كل الإكراهات المادية والطبيعية والنفسية، والرقي بنشاطه وكده واجتهاده إلى مستوى يليق بشخصه وارتباطه الأزلي بالأرض.




تابعونا على فيسبوك