وضع جلالة الملك، في خطاب العرش، خارطة طريق لإصلاح شامل وبنيوي لقطاع العدل، الذي يعتبر واحدا من الأوراش الحيوية، التي ترهن الخيارات الكبرى، للبلاد والعباد.
في الحال والاستقبال، خصوصا إذا علمنا أن القضاء يواجه تحديات جسيمة، لمواكبة التحولات الداخلية المتنوعة للمجتمع المغربي، وأيضا لمواجهة الإكراهات المرتبطة بالاستثمار، على الصعيدين الوطني والدولي، تحديات تلزم القطاع باستيعاب كل هذه التحولات، إذا ما أراد الانخراط في المسار التنموي إلى أبعد حدوده الممكنة، وتجنب السقوط في اللعب في حالة شرود.
في الخطاب السامي إلى الأمة، دعا صاحب الجلالة الحكومة إلى "الانكباب على بلورة مخطط مضبوط للإصلاح العميق للقضاء، ينبثق من حوار بناء، وانفتاح واسع على جميع الفعاليات المؤهلة المعنية"، وشدد جلالته على أن النهج القويم للإصلاح، يرتكز على ترسيخ ثقة المواطن في سيادة القانون والأمن القضائي، مؤكدا حرص جلالته على مواصلة تحديث جهاز القضاء، وصيانة استقلاله وتخليقه.
صحيح أن هناك مجموعة من القوانين، رأت النور، من شأنها مواكبة التحولات التي يعرفها المغرب، من تطور اجتماعي واقتصادي وثقافي، كمدونة الأسرة، وقانون المسطرة الجنائية، ومدونة الشغل.
فمساهمة القضاء في وضع قانون مدونة الأسرة عززت دوره في إرساء دعائم تماسك قوي للأسرة المغربية، عبر خلق قضاء متخصص قريب أكثر من المتقاضين، وعبر إحداث تكوين مستمر في هذا المجال.
وفي ما يخص قانون المسطرة الجنائية، فهو يقوم على مجموعة من الضمانات لصالح المتهمين، خصوصا في ما يتعلق بتقليص مدة الحراسة النظرية، وبزيارة المحامي، وزيارة العائلة، وإعطاء أهمية كبرى لمبدأ التصالح، لفك النزاعات.
كما أن صدور مدونة الشغل جاء لتنظيم العلاقة بين أرباب العمل والمشغلين، بهدف الدفع بالتطور الاقتصادي، وجعله قادرا على مواكبة دينامية التقدم السريع، الذي يعرفه العالم، ونحن على أبواب سنة 2010، التي ستصبح فيها التنافسية محتدمة في الإبداع والإنتاج.
بيد أن هناك أوراشا كبرى مازالت في الانتظار ، لترسيخ انفتاح القضاء على محيطه المجتمعي العام، بما يكفل سيادة مناخ الثقة بين القضاء والمجتمع.
وتتمثل الأهمية القصوى لهذا الورش، باعتبار أن القضاء يشكل قاطرة للإصلاح، الذي تنشده البلاد، من أجل تحقيق المزيد من التحديث والعصرنة، والتوثيق والشفافية والانفتاح، في التزام دائم بسيادة القانون، ومساواة كل المواطنين أمامه، ووضع حد لكل مظاهر الإفلات من العقاب، ليكون الجميع سواسية، من الوزير إلى المدير إلى الغفير، وكل مكونات المجتمع، لا فرق بين كبير أو صغير، إلا بالاحتكام إلى القانون، الذي يجعل من العدل، حقا وحقيقة، ملاذا للمظلومين، يحميهم من أي تعسف للظالمين.
وهذا لن يتأتى إلا بالإصلاح العميق والشامل للقضاء، الذي دعا إليه الخطاب الملكي، وبضمان استقلاله، وبكلمة، ما يمكن أن نسميه "الأمن القضائي"، الذي يعتبر رافعة تساعد، بصفة فعالة، على توطيد أسس الديمقراطية، وترسيخ الثقة اللازمة لتحفيز الاستثمار والنهوض بالتنمية.
إن إصلاح القضاء، في المنظور الملكي، هو الذي يعطي المعنى العميق لمسيرة بناء الدولة المغربية العصرية، على أسس الملكية الدستورية الديمقراطية والاجتماعية، القائمة على توطيد دولة الحق والمؤسسات، والالتزام بمبدأ فصل السلط، وترسيخ سيادة القانون، وإقامة العدل والإنصاف والأمن والطمأنينة والاستقرار، وحماية الحقوق والحريات الفردية والجماعية.